دخل يسوع بيت سمعان الفرّيسي واتكأ (لو 7). فإذا بامرأة خاطئة تأتيه من ورائه باكية وتأخذ في بلّ قدميه ومسحهما بشعر رأسها وتقبيل قدميه ودهنهما بالطِّيب. المشهد، لمَن يحكمون بحسب الظاهر، كان مريعاً لأنّها خاطئة، فعثروا. أما يسوع فعاين بالروح أنّها أحبّت كثيراً فغفر لها خطاياها الكثيرة، وقال لها أن تذهب بسلام لأنّ إيمانها خلّصها.
الطِّيب
صحيح أنّ المرأة سكبت الطِّيب على قدمي يسوع ففاحت بالمكان رائحة زكيّة، إلاّ أنّ هذه المعتبَرَة خاطئة نجسة هي أيضاً فاحت بالطِّيب، ولكنْ العقلي، لأنّها أحبّت كثيراً. هذا اشتمّه يسوع ولمّا يشتمّه الآخرون لأنّ حاسة الشمّ الداخلي عندهم كانت ضامرة. بلى، للفضيلة رائحة وللخطيئة رائحة أيضاً. هو أمر معروف بين الرهبان أنّ ثمّة مَن لا يستحمّون البتّة. فقط يغسلون أيديهم ووجوههم. إذاً هم، جسدياً، وسخون. وحيث إنّهم لا يستعملون لا معجون الأسنان ولا الفرشاة فإنّ رائحة أفواههم يُفترض بها أن تكون نتنة. هذا، في العادة، ذكرُه ينفِّر العديدين. ومع ذلك فإنّ التراث المكتوب وحتى، أحياناً، الخبرة الشخصية تقدّمهم كَمَن تفوح من أثوابهم وأفواههم رائحة طيب غير مألوف. كيف ذلك؟ هذا طيبهم الداخلي. إذا كانت رائحة النتن تفوح مما هو مائت فإنّ رائحة الطِّيب تفوح مما هو حيّ. كذلك إذا كانت الرائحة الكريهة تنبعث مما هو وسخ فإنّ الرائحة الطيِّبة تنبعث مما هو نظيف نقي. هؤلاء الذين يطالعوننا بالأسمال والأثواب المتّسخة ويتحدّوننا في هوس نظافة الجسد، نفوسُهم، بالنسك، تتنقّى وتقيم فيهم النعمة الإلهيّة. لذا تفوح منهم روائح طيب ولا أطيب. كذلك ثمّة مَن لهم موهبة شمّ رائحة الخطيئة في الآخرين. الأب أفرام كاتوناكيا الآثوسي، مثلاً، وقد رقد من سنوات قليلة، كانت له موهبة شمّ روائح الخطيئة. لذا يسوع، في حادثة المرأة الخاطئة، في بيت سمعان الفرّيسي، زكّاها لا لأنّها دهنت بالطِّيب قدميه خارجياً، بل لأنّ الطِّيب الذي بلغ أنوف الحاضرين كان علامة منظورة للطِّيب غير المنظور الذي فاح من توبة المرأة وإيمانها والحبّ الذي انسكب في قلبها من فوق نتيجة ذلك.
ثمّ إنّ الطِّيب رائحة الحياة. لو قلتَ: فلانٌ لم يزل "طيِّباً" لعنيتَ أنّ فلاناً لا زال حيّاً. حاملات الطِّيب أخذن طيوباً وذهبن إلى القبر بعد السبت باكراً. ليست واضحةً الأسبابُ التي دفعتهنّ إلى ذلك. جسد الميت، في العادة اليهودية قديماً، يُطيَّب قبل الدفن لا بعده. ويوسف ونيقوديموس أخذا جسدَ يسوع ولفّاه بأكفان مع الأطياب كما لليهود عادة أن يكفِّنوا ودفناه (يو 19: 40 – 42). صعب، إذاً، فهم الدوافع إلى ما فعلته النسوة. في الظاهر، ربما كان، في الأمر، بعض عاطفية. البادي أنّ فعلتهن كانت أدنى إلى القصيدة. كأنّهن ذهبن عن محبّة ولأنّ حركة الشوق إلى السيّد فيهن كانت غلاّبة. قلوبهن، بالطِّيب، تحدّثنا عن التوق إلى القيامة. لذا استبان عملهن ضرباً من النبوءة من حيث لا يدرين. النبوءة، في كل حال، تترعرع في القلوب المحبّة لله. يسوع على صورة الحبّ الذي ندّخره له في القلب. الحبّ لله فينا أدنى إلى صورة يوحنا المعمدان يشهد ليسوع الآتي: "هذا هو حمَل الله الرافع خطيئة العالم". الحبّ لله فينا كلمة من يسوع قبل أن يأتي، كلمة تشهد للكلمة.
والطِّيب، أيضاً، ذو علاقة بـ "الطيِّب"، بما يؤكل، بما مذاقه طيِّب. يسوع هو الطِّيب والطيِّب لأنّه يعطِّرنا بروحه ولأنّه يعطينا جسده لنأكل الطيِّب الإلهي. في سفر حزقيال قال الربّ للنبيّ: "يا ابن آدم كُلْ ما تجده. كُلْ هذا الدَّرْجَ واذهب كلِّم بيت إسرائيل. ففتحتُ فمي فأطعمني ذلك الدَّرْجَ. وقال لي يا ابن آدم أَطعِم بطنك واملأ جوفك من هذا الدَّرْج الذي أنا معطيكه. فأَكلتُه فصار في فمي كالعسل حلاوة" (حز 3: 1 – 3). هذا هو الدَّرْجُ المشير إلى الأُكُلِ الذي نحن مُطْعَمون إيّاه الذي هو يسوع. هذا هو الطيِّب كالعسل حلاوة في أفواهنا وجوفنا. لذا كان الطِّيبُ قرباناً، بمعنى، نرفعه إلى الله لنأخذ عوضه، في يسوع، منّاً سماوياً لحياة أبدية. هذه صورة الليتورجيا الكونية التي نساهمها والتي تجعلنا في وضع مَن يقدِّم العالمين إلى يسوع لنقتبل الملكوت. "التي لكَ مما لكَ نقدِّمها لكَ على كل شيء ومن جهة كل شيء". ونسأل الآب السماوي أن يرسل روحه القدّوس علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة وأن "اصنع أمّا هذا الخبز فجسد مسيحك المكرَّم"، "وأمّا ما في هذه الكأس فدم مسيحك المكرَّم"، "محوِّلاً إيّاهما بروحك القدّوس".
حاملات الطِّيب، إذاً، وكذا مريم أخت لعازر (يو 12) والمرأة في بيت سمعان الأبرص (مت 26: 6) والمرأة الخاطئة في بيت سمعان الفرّيسي (لو 7: 36)، كل هؤلاء وغيرهن أنبأن، بمحبّتهن وإيمانهن ونقاوة طويتهن، بالمسيح الآتي إلى العالم طيباً يطيِّب المائتين بالحياة الجديدة، المالئَ الأفواه والجوف بالحلاوات الإلهية. نبيّاتٍ كنّ، بمعنى، اصطفاهن الروح يحدثن بكلام الطِّيب عن الفرح الآتي.
ثمّ ما دام يسوع العطرَ السماوي فينا فنحن، تالياً، رائحتُه. "يُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان. لأنّنا رائحة المسيح الذكيّة لله في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون. لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة" (2 كو 2: 14 – 16). الرائحة روح وعَبَق. لذا بالكرازة بيسوع نبثّ، أساساً، الروحَ وطِيْبَ العِشرة الإلهية. ولكنْ ثمّة مَن يَقبلون شهادتنا وثمّة مَن لا يَقبلون. فمَن قبلوا كانت لهم الكرازةُ روحاً وحياة ومَن لم يقبلوا كانت لهم دينونةً وموتاً، لأنّ المعزّي أتانا مبكِّتاً العالم على خطيئة، على حدّ قول يسوع، "لأنّهم لا يؤمنون بي" (يو 16: 9). مسيح الربّ هو نورُ العالم (يو 8: 12) للذين يقتبلونه ونارٌ آكلة (عب 12: 29) للذين يرذلونه. ليس أن النور يستحيل من ذاته ناراً، بل الخطيئة من جرّا صَدِّها له (للنور) يلقاه صاحبُها ناراً حارقة. ما ترفضه تلفاه ثقيلاً ولا أثقل ولو كان أطيب الطيِّبات. الإرادة المعاندة تجعل ما يشتملها من محبّة الله، والحال هذه، جحيماً. الحياة تمسي موتاً. هذا هو الموت الثاني بعد موت القبر، أن يختبر الإنسان حياة الله الممدودة إليه حبّاً كَمَوت. على هذا النحو يصير الشاهدون ليسوع رائحة موت للهالكين.
حَسْب المؤمنين بيسوع، إذاً، أن يكونوا في العالم عِطْراً. لا يثقّلون على أحد ولا يقمعون أحداً ولا يطلبون في العالم إرثاً. يبَلِّغون الكلمة. يشهدون ويشهد الروح معهم. لم يُعْطَ لهم أن يغيِّروا العالم بالقوّة. ما سبق أن قيل أنّه سيكون لهم في العالم ضيق. لكن الربّ سيحفظهم من الشرّير (2 تسا 3: 3). يدركون أنّ إلههم يشاء أنّ الجميع يخلصون، فيعبقون بمعرفة ربّهم إلى أقصى الأرض، لكنّهم يدركون أيضاً أنّ الإيمان ليس للجميع (2 تسا 3: 2). لذا يلزمون الشهادة حتى يأتي معلّمهم. "أيّها الربّ يسوع تعال".
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
.gif)
رد مع اقتباس
المفضلات