إله المال
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

ليس ما يتكتّم الناس في شانه أكثر مما لديهم من مال. ليس أدلّ على مكانة المال لدى الأكثرين من المثل الشائع: "المال عوض الروح". لا شك أن المال هو رئيس مجمع الآلهة في هذا الدهر. العلاقة به علاقة عبادة. على مذبحه تُقدَّم الأضاحي وتُقرّب القرابين. الأضاحي بنحر الناس بعضهم البعض، في الحروب والصراعات الشخصية والجماعية، والقرابين بتسخير الضمائر. ليست مشكلة في العالم إلا أساسها المال من قريب أو من بعيد.

يتكتّمون، في العمق، لأنهم يكرهون أن يخسروا شيئاً مما لهم. ميلهم، أبداً، إلى الإستزادة من المال. يخافون. يخشون السرقة وأن يطالبهم الناس بما لهم عليهم وأن يسألوهم العطاء. لذلك يسيِّجون على ما لديهم بالأسلاك الشائكة، بالكذب، بالتمثيل، بالإحتيال، بالتمويه، بالبخل وبما شابه ذلك من تدابير.

والمال رئيس مجمع الآلهة لأن آلهة عدة تعتمد عليه ويجد فيها امتداداً طبيعياً لذاته. دونك إله السلطة. هذا يعتمد اعتماداً يكاد يكون كلّياً على المال. هذا عبادته منتشرة انتشاراً ولا أوسع بين الناس. كل الناس يطلب السلطة، من الزوج والزوجة إلى رجال السياسة مروراً بالعمال والموظّفين والذين في كل منصب والعامة، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساء وأطفالاً. في كل نفس مذبح لإله السلطة. كل يوهمه إله السلطة بأنه إله. والسلطة يتعاطاها الناس على كل صعيد، على صعيد الفكر، على صعيد العلم، على صعيد الفن، على صعيد الرياضة، على صعيد الجسد، على صعيد الإعلام... وهذه كلها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خاضعة لدينامية إله المال. قد تولد سلطة خارج حظيرة المال، لكنّها لا تلبث أن تستحيل مجالاً لعبادة إله المال. ما لا يخضع لإله المال يُختلَس أو يُفرَز أو يُنحَر. إما المال وإما الصحراء. الفقراء الذين لا يشاؤون أن يقيموا مذبحاً لإله المال في أنفسهم، هؤلاء لا محلّ لهم من الإعراب بين الناس. هناك فقراء وفقراء. هناك فقراء يشتهون المال ولا سبيل لهم إلى اقتنائه. لسنا على هؤلاء نتكلّم. نتكلّم على الذين يلتمسون الفقر الطوعي ليكون اعتمادهم على ربِّهم، خالق السماوات والأرض، كاملاً. هؤلاء تلفاهم غرباء عن قومهم. يخرجون من عالم الناس واهتماماتهم، ليقيموا في أطراف الأرض لجهة السماء.

ودونك إله البطن. هذا ولا أحبَّ على قلوب العباد لأنه الأقرب إلى طبيعتهم. شغف الناس بإله البطن جعله لهم طبيعة بديلة. ضيّع الناس مقاييس الحاجة إلى الطعام والشراب وصار المعيار المتعة. بُنيتهم، في كنف تفاعلات إله البطن، انتظمت لا على أساس ما هم بحاجة إليه بحسب الطبيعة بعد، بل على أساس ما هو لذيذ. اللذيذ بينهم رُفع إلى مرتبة الفن فكان فن الطبخ، وجُعل أساس العلوم المطبخيّة وتطوير النكهات والروائح وأصول المذاق. وصارت حفلات الأكل والشرب حاضنة للقاءات الناس من كل الأنواع وترفهم وتباهيهم وأمجادهم وتكريم بعضهم البعض. ربع وقت الناس وأكثر يقضونه في الأكل والشرب أو الإعداد له أو الكلام عليه. في كل هذا إله المال قبض على إله البطن وجعله خادماً له. في الأساس كان الإنسان بحاجة إلى ساعدَين ليزرع ويأكل، ثم، قليلاً قليلاً، صار اعتماد الإنسان في أكله وشربه على البيع والشراء. حتى الساعدان استخدمهما إله المال لصالحه فصار الأكل والشرب سلعة. صار الإنسان يأكل من عرق سواه وصار الفلاّح يوظّف ساعدَيه بالمال ليشبع شهوات نفسه وجسده. الكل صار يدور في فلك إله المال.

ودونك إله الزنى. هذا حاله شبيه بإله البطن. يعتمد على الطبيعة ليقضي على الطبيعة ويُحلّ محلها ما يشبه الطبيعة. التلاقي، تلاقي الرجل والمرأة، والتكاثر، تكاثر الجنس البشري، كانا، في الأصل، رفيقين لا ينفصلان. فدخل إله الزنى، معتمداً على ميل الإنسان إلى المتعة وفكّّ ما بينهما، فأخذ الكثيرون يكتفون بالتلاقي، ولم يعد التكاثر يعنيهم إلا الشعوب البدائية والتي تدعوهم دياناتهم إلى التكاثر. والتلاقي دون همّ التكاثر جعل العائلة تضمر. لم تعد العائلة هاجساً بل عشق الرجل والمرأة. وخرج التلاقي من نطاق العائلة. اختلّ الرباط الزوجي. صار الزواج عبئاً. أخذ الناس يكتفون بالعلاقات التي يعتبرونها حرّة. وعلى خط مواز لخط العلاقات الحرّة بين الرجل والمرأة، نمت العلاقات المثلية التي صارت تُعتبر نمطاً آخر من الحياة الجديدة الحرّة. أخذت العلاقة الطبيعة بين الرجل والمرأة تبهت. وفي غمرة حرّية التفلّت، هانت العلاقات بين الرجال رجالاً وبين النساء نساء فبلغ روح الزنى الأوج في العلاقات بين الناس. كل هذا دعمه وشجّع عليه إله المال من أقدم الأزمنة. أقدم تجارة في العالم، على ما استبان، هي الدعارة. ثم، بمرور الزمن، شجّعت البحبوحة الحريّات الفردية. ساعدت على تفكيك الأربطة العائلية ودفعت إلى الإستقلالية ضمن العائلة وفي المجتمع. لما كان الناس فقراء كانت العائلة بحاجة إلى بعضها البعض أفراداً. الفقر ساهم في تماسك العائلة. فلما دخلت الثورة الصناعية وعمّ استعمال الآلة شقّت الإستقلالية في العلاقات كبد العائلة. على هذا يكون إله المال قد ضرب ما لطبيعة الإنسان ودعم إله الزنى إلى حدّ بات معه الزنى بمثابة طبيعة بديلة.

كل هذا حقّقه إله المال حتى صار الهمّ العارم للناس كيف يجمعون المال وكيف ينفقونه في شهواتهم. كل عضو في بدن الإنسان تفتّحت شهواته في غمرة حمّى المال. صار الإنسان، عملياً، كتلة شهوات متفجرّة ذات فنون وأصول وفروع لا قرار لها وليس ما يشبعها ولا ما يهمدها. تأتيك كل يوم بجديد. هذا هو المجتمع الإستهلاكي الذي يعمل الناس فيه على استهلاك عالمهم وأنفسهم حتى الموت.
ماذا بعد؟

سَكِر الإنسان في عبادة إله المال إلى المنتهى. أَلَهُ صحو بعد؟ لا يمكن أن يستمر نهم الناس إلى المال إلى ما لا نهاية. لا بدّ أن يأكل الناس بعضهم بعضاً ولا بدّ لمصادر الطاقة أن تنضب. الفقر آت لا محالة، بحرب ومن دون حرب. لم تعد الطبيعة قادرة على مواكبة أهواء الناس. العالم يُقفل على نفسه والمجاعة آتية. ربما يومها يصحو. حتى ذلك الحين عالمنا في حمّى !