الصلاة والصوم
(لقاء في كنيسة السيّدة – المنصوريّة)
23/11/2001
نقرأ في المزمور 82 "أنا قلت إنّكم آلهة وبنو العليّ كلّكم" (مز 6:82). ماذا يقصد الربّ بقوله إنّكم آلهة، وعمّن يتكلّم؟ يأتينا الجواب
من الربّ يسوع نفسه في إنجيل يوحنّا الإصحاح العاشر عندما اتّهمه اليهود بالتجديف قائلين "فإنّك وأنت إنسان تجعل نفسك إله" أي أنّ الإنسان لا يمكن أن يصل إلى الألوهة، "أجابهم يسوع أليس مكتوباً في ناموسكم أنا قلت إنّكم آلهة" (يو 34:10). يستشهد بهذه الآية من المزمور 82 ويعتبر أنّ الإنسان مدعو إلى أن يتّحد بالله فيصبح إلهًا.
من هذا المنطلق نفهم ما المقصود في سفر التكوين أنّ الإنسان خُلق على صورة الله ومثاله (أو شبهه) (تك 26:1). كلمة "صورة" (katV eivko,na) كما وردت في الترجمة السبعينيّة للعهد القديم تعبّر عن حالة قد تحقّقت في الإنسان، وهي نقطة الانطلاق، بينما كلمة "مثال" (kaqV o`moi,wsin) تعبّر عن أمر قيد التطوّر ولمّا يتحقّق بعد وهو نقطة الوصول. الإنسان إذًا مخلوق على صورة الله، هو حرّ وله السلطة على ذاته وعنده المقوّمات والقدرة على أن يحقّق المثال من خلال سعيه إلى الإتّحاد بالله.
ليست المسيحيّة، إذًا، مجرّد اتّباع لعقائد معيّنة، ولا فروض أو ممارسات شكليّة معيّنة، ولا حتّى مجرّد تشبّه خلقيّ بالمسيح يسوع، لكنّها، بالأخصّ، الاتّحاد بالإله الحيّ الذي يجعل الإنسان ممجَّداً بالنعمة الإلهيّة أو متألّهاً بحسب تعبير آباء الكنيسة.
في ظلّ هذا المفهوم، نشأت العبادة، "الحياة في المسيح" بحسب تعبير الرسول بولس، هذه العبادة "هي أفعال مقدّسة تقيمها الكنيسة بقوّة الروح القدس وتجعل بها المؤمنين أبناء حقيقيّين لله، بحيث يضمّهم هو إلى ذاته وإلى الكنيسة جسده فينمون هم في النعمة والقامة صائرين أشخاصاً كاملين على "قياس قامة ملء المسيح، كنيسةً مجيدةً لا عيب فيها ولا دنس ولا شيء مثل ذلك" (أف 13:4 و27:5)". في هذا "المناخ" اللاهوتيّ العميق، نشأت الصلاة والصوم كأحد أهمّ أركان العبادة المسيحيّة، وكوسيلة فعّالة لتحقيق غاية الله من خلق الإنسان.
طبعًا معالجة موضوع الصلاة من كلّ جوانبها أمر واسع ويلزمه وقت طويل وكذلك موضوع الصوم. لهذا السبب سوف أحاول أن أعرض الصلاة والصوم من ناحية دورهما في قداسة الإنسان أو، بتعبير آخر، من ناحية تحقيق غاية الله من خلق الإنسان. مع العلم أنّ الكلام، أيّ كلام، عن العبادة، وخصوصًا الصلاة والصوم، لا يمكن أن يكشف عمق المسألة أو جوهرها، هذا الاكتشاف لا يأتي إلاّ نتيجة الخبرة والسعي المستمرّ من جهة، ونتيجة حلول النعمة الإلهيّة التي تكشف كل شيء، من جهة أخرى.
الصلاةمجموع الصلوات التي نقيمها هي الليتورجيا. ليتورجيا كلمة مركّبة من كلمتين: شعب وعمل. الليتورجيا إذًا هي عمل الجماعة، عمل يعود بالمنفعة على الجماعة، والليتورجيا بالنسبة لي هي مشاركتي الشخصيّة في عمل الجماعة. حضور المسيح في الليتورجيا "لأنّه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي قهناك أكون في وسطهم" (متى 20:18)، حضور المسيح يجعل من اللقاءات الليتورجيّة حدثًا خلاصيًّا. أي يرتبط بعمل الفداء، عمل الخلاص، الذي أتمّه الربّ من أجلنا.
تتمحور إذًا صلاة الكنيسة على حضور المسيح، دخوله إلى العالم وتقديسه الزمن المخلوق. "ولكن لمّا جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة" (غل 4:4) هذه الآية معناه الحقيقي لمّا أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة جاء ملء الزمان. تقديس الزمن بحضور المسيح يجعلنا في صلواتنا نتخطّى الزمن ونبدأ من الآن نعيش في الملكوت. لهذا السبب مبدأ الزمن في الصلاة مكسور. هنالك أمثلة كثيرة جدًا عن هذا الموضوع. مثلاً في عيد الميلاد نقول بعد إنجيل السحر: "اليوم بيت لحم تتقبّل الجالس مع الآب على الدوام، اليوم الملائكة يمجّدون كما يليق بالله، الطفل المولود هاتفين المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة". اليوم وليس منذ 2000 سنة. الصلاة تخرجنا من نطاق الزمن وتدخلنا في سرّ الفداء. هنالك مثل مهمّ جدًّا في هذا الخصوص في القدّاس عندما نستعيد عمل الله الخلاصي ونقول: "ونحن بما أنّنا ذاكرون هذه الوصيّة الخلاصيّة وكلّ ما جرى من أجلنا: الصليب والقبر والقيامة في اليوم الثالث والصعود إلى السماوات والجلوس عن الميامن والمجيء الثاني المجيد أيضًا". كيف نتذكّر ما جرى من أحداث خلاصيّة ومنها المجيء الثاني الذي لم يأتي بعد؟ الله إذًا في الصلاة يخرجنا من الزمن ويدخلنا إلى الملكوت. لهذا لا ننظر إلى الساعة أثناء الصلاة ولا نحسب الدقائق وما إلى ذلك.
من هذا المنطلق عندنا بما يختص بالصلوات ثلاثة أدوار زمنيّة: الدور اليومي والدور الأسبوعي والدور السنوي. كلّها غايتها تقديسنا في الزمن الذي نعيش فيه وإدخالنا في عمل يسوع الخلاصي.
الدور اليومي:
يتألف من مجموع التسابيح أو الصلوات اليوميّة ما عدا القدّاس الإلهي. هذه الدورة مبنيّة على التسابيح السبعة التي كانت موجودة في العهد القديم بحسب المزمور 118 "سبع مرّات في النهار سبّحتك على أحكام عدلك" (164:118). لكنّها مضبوطة على إيقاع عمل يسوع الخلاصي بحسب توقيت العهد الجديد. هذه الصلوات هي: نصف الليل، السحر، الساعات 1 و3 و6 و9، الغروب، وصلاة النوم. هذا الترتيب ما زال محفوظ في الأديرة والممارس في الرعايا هو السحر الغروب وصلاة النوم. هذه الصلوات تحمل عدّة معاني مرتبطة بالخلق السقوط والخطيئة، بالفداء، وأيضًا بقداستنا الشخصّية.
نصف الليل:
هذه الصلاة لها طابع نسكي بامتياز، بحيث أنّ المؤمن يجاهد ويقطع نومه ويصلي إلى الربّ بانسحاق وتوبة. فأوّل ما نصليه هو المزمور 50 "ارحمني يا الله".
عندنا أيضًا صورة عن الكنيسة التي تنهض من ظلام الليل لكي تبقى متأهّبة في انتظار عريسها المسيح، لذلك أوّل ما نرتّله "ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل".
السحر:
تقال أصولاً باكرًا جدًّا بحيث تترافق المجدليّة "المجد لك يا مظهر النور" مع شروق الشمس. وهنا نعود إلى بدء الخليقة، فالله في اليوم الأوّل للخلق خلق النور.
وهي على صعيد عمل يسوع الخلاصي تشير إلى ساعة القيامة أو ساعة إعلان القيامة للناس، فحاملات الطيب ذهبن باكرًا جدًّا إلى القبر. ساعة بداية الخليقة الجديدة.
أمّا على الصعيد الشخصي فنحن نقف في بداية النهار لنقدّم لله أولى نبضات قلبنا وكأنّنا كلّ يوم نُخلق من جديد أنقياء نكرّس يومنا من بدايته لله. في بداية خلقنا تنتصب أمامنا أيضًا ساعة الدينونة التي لا نعرف متى تأتي، لذلك أوّل ما نقرأه في السحر هي مزامير الدينونة أو مزامير السحريّة الستّة. نقولها بكلّ ورع وخشوع كأنّنا واقفون أمام الله في اليوم الأخير. لذلك ممنوع الحركة داخل الكنيسة أثناء تلاوة هذه المزامير، حتّى أنّنا لا نسجد ولا نرسم الصليب بين أول مجموعة (ثلاثة مزامير) والثانية.
الساعة الأولى:
هي عمومًا مرتبطة بصلاة السحر وتقال مباشرة من بعدها. هي بمثابة صلاة ما قبل العمل.
"يا ربّ أرشدني في عدلك من أجل أعدائي، سهّل قدّامك طريقي".
"وليكن بهاء الربّ إلهنا علينا، وأعمال أيدينا سهّل علينا، وعمل أيدينا سهّل"
من بداية النهار نتعهّد أمام الربّ ونقول: "ليمتلئ فمي من تسبيحك يا ربّ، لكي أسبّح مجدك، واليوم كلّه لعظيم جلالك".
نختم هذه الوحدة (نصف ليل سحر ساعة أولى) بأفشين يلخّص المعاني التي ذكرناها: "أيّها المسيح الضوء الحقيقي الي ينير ويقدّس كلّ إنسان أت إلى العالم، ليرتسم علينا نور وجهك، لكي ننظر به النور الذي لا يدنى منه، وسهّل خطواتنا إلى العمل بوصاياك، بشفاعات والدتك الكلّيّة الطهارة، وجميع قدّيسيك، آمين.
الساعة الثالثة:
تقال الساعة 9 صباحًا. على صعيد السقوط ترمز إلى ساعة تجربة الحيّة لآدم في الفردوس، وعلى صعيد الخلاص فهي ترمز إلى ساعة حلول الروح القدس على التلاميذ في العنصرة. ابتدأت تجارب الشيطان تتّضح أمامنا لذلك نطلب المعونة من الله قائلين: "يا ربّ يا من أرسلت روحك الكلّيّ قدسه على رسلك في الساعة الثالثة هذا لا تنزعه منّا ايّها الصالح لكن جدّده فينا نحن المتضرّعين إليك". عند التجربة أراد آدم أن يصير إلهًا بمعزل عن الله، وأراد أن يعرف الخير والشر بنفسه، أمّا نحن بالمقابل فحلول الروح القدس فينا وسكناه في قلوبنا هو الذي يؤلّهنا ويسكب المعرفة فينا.
الساعة السادسة:
تقال الساعة 12 ظهرًا. هي ساعة سقوط آدم في الخطيئة، ساعة استسلامه لمشيئة الشيطان وتعدّيه وصيّة الله. في ساعة الابتعاد عن الله نحن بالمقابل نلتجئ إليه ونقول: "الساكن في عون العليّ في ستر إله السماء يسكن، يقول للرب هو ناصري وملجأي وهو إلهي فعليه أتوكّل. لأن ينقذك من فخ الصّيّادين ... ومن وقعة وشيطان نصف النهار".
أمّا على صعيد عمل يسوع الخلاصي فهي ساعة الصليب الذي عليه سمّر يسوع الخطيئة وأعطانا القدرة لكي نتحرّر نحن أيضًا من سلطانها علينا. لذلك نقول: "يا من في اليوم السادس وفي الساعة السادسة سمّرت على الصليب الخطيئة التي تجرّأ عليها آدم في الفردوس، مزّق صكّ هفواتنا أيها المسيح الإله وخلّصنا".
الساعة التاسعة:
هي ساعة طرد آدم من الفردوس. تقال الساعة 3 بعد الظهر. بسبب الخطيئة نخرج من الفردوس ونشوه سكنى الله فينا لكنّنا نحنّ إليه، لذلك نبدأ هذا الصلاة بالقول: "ما أحبّ مساكنك يا ربّ القوّات تشتاق وتميل نفسي إلى ديار الربّ، قلبي وجسمي قد ابتهجا بالإله الحيّ، مثل العصفور الذي وجد له مسكنًا، واليمامة التي أصابة عشًّا لذاتها لتضع فيه أفراخها".
أمّا على صعيد عمل الفداء فهي ساعة موت الربّ على الصليب، موت الربّ الذي محا كلّ أخطائنا وأدخل اللص وأعادنا إلى الفردوس. "يا من ذاق الموت بالجسد في الساعة التاسعة لأجلنا، أمت أهواء أجسادنا أيّها المسيح الإله وخلّصنا".
صلاة الغروب:
هي عمليًّا أوّل اليوم الليتورجي. على ما ورد في سفر التكوين "وكان مساء وكان صباح، يوم أوّل". من هنا يبدأ اليوم الليتورجي الساعة السادسة مساءً بالغروب. لذلك مثلاً عندما يكون العيد الاربعاء ونريد أن نقدّس مساءّ نقدّس الثلاثاء مساءً.
صلاة الغروب تمثّل باختصار كلّ تدبير الله. عندنا بالبداية الخلق. "باركي يا نفسي الربّ أيّها الربّ إلهي لقد عظمت جدًّا ... الباسط السماء كالخيمة ... المؤسس الأرض على قواعدها ..." وينتهي المزمور بـ: "ما أعظم أعمالك يا ربّ كلّها بحكمة صنعت".
بعدها يأتي السقوط، الإنسان مطرود من الفردوس يصرخ إلى الله ويطلب الرحمة والمساعدة: "يا ربّي إليك صرخت" ونقول أيضًا "بصوتي إلى الربّ صرخت، بصوتي إلى الربّ تضرّعت".
ثمّ تأتي الدورة الصغرى أو الدخول الصغير رمزًا لمجيء المسيح إلى العالم وظهور النور الحقيقي فنرتّل "يا نورًا بهيًّا".
هذا يهيّئنا بعد رؤية المسيح واكتمال الوعد بخلاصنا أن نقول مع سمعان الشيخ "الآن تطلق عبدك أيّها السيّد ...".
أخيرًا صلاة النوم:
ترمز إلى نزول المسيح إلى الجحيم وإنقاذه جميع الراقدين في ظلام الموت. أمّا بالنسبة لنا فنحن في بدء الليل نلتمس الغفران لخطايا النهار والحماية من تجارب الليل. حتى النوم الذي يرمز إلى الموت، فهو لا يقطعنا عن الله لذلك نطلب أن يكون عقلنا ساهرًا وفكرنا طاهرًا وقلبنا مستيقظًا ونومنا خفيفًا ...
بنهاية هذا القسم عن الصلاة أودّ أن أقول إنّ صلواتنا المحفوظة في كنيستنا هي كنز كبير جدًّا وهذا الكنز ينتظر من يغرف منه لكي يرتوي من تمجيد الله وتسبيحه لأنّ الإنسان كائن حيّ مسبّح على حسب تعبير القدّيس أثناسيوس الكبير، هو كائن حيّ خُلق ليصلّي. أنا أدعوكم جميعًا إلى اختبار هذه العلاقة الجميلة والحلوة مع الله، لأنّه فرح عظيم وشرف كبير أن يكون بمقدورنا أن نصلّي، لأنّ الصلاة كما يشبّهها القدّيس يوحنّا الذهبي الفم هي كمن يدخل إلى قصر الملك فيتخطّى كلّ حاشيته من حرس وأشراف وضبّاط ووزراء ويتوجّه مباشرة إلى الملك ويجلس معه يحادثه، هكذا الصلاة تجلسنا بجنب عرش الله.
ننتقل إلى الصوم. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: "احترمْ قِدم الصوم. فقِدمه يوازي قِدم الإنسانيّة. حُدّد الصوم في الفردوس. إنّه الوصيّة الأولى التي تلقّاها آدم "أمّا شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها" . إنّ تعبير "فلا تأكل" كما ورد هو وصيّة صوم وإمساك. ولو صامت حوّاء عن ثمرة الشجرة، لما كنّا الآن بحاجة إلى هذا الصوم. لأنّه "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب بل المرضى" . الخطيئة تجعلنا نئنّ ونعاني، فلنشف أنفسنا بالتوبة. غير أنّ التوبة بمعزل عن الصوم غير فعّالة".
الصوم
يلخّص هذا الكلام نظرة الكنيسة إلى الصوم من حيث إنّه وصيّة إلهيّة، وبالتحديد الوصيّة الأولى التي تحفظ الإنسان من الخطيئة وتساعده على ضبط النفس والجسد، والنموّ الروحيّ لكي يرتفع من الصورة إلى المثال. كما ذكرنا في البداية. كان على آدم أن يبلغ المثال من خلال طاعة كلمة الله بالصوم.
حدّد الله الصوم، إذاً، منذ القدم، بالتزامن مع الخلق كتمرين مهذِّب للإنسان من أجل بلوغ الكمال، أي التألّه. "أعطينا الفردوس لكي نكون سعداء. تسلّمنا الوصيّة لكي نتمجّد طالما حفظناها؛ ... لقد سقطنا لأنّنا تعدّينا الوصيّة، أصبحنا بحاجة إلى الصوم لأنّنا لم نصم في ذلك الحين، ولأنّنا غُلبنا برغبة التذوّق من ثمرة شجرة المعرفة. لأنّ الوصيّة كانت قديمة، ومتزامنة معنا، كوسيلة لتهذيب النفس وتربيتها، وكوسيلة للحكمة مقابل التمتّع. وقد تسلّمناها (الوصيّة) بحقّ لكي نتمتّع طالما حفظناها؛ وهذا ما خسرناه لأنّنا لم نحفظها" كما يقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتي. النصوص الليتورجيّة تظهر بشكل واضح أنّ الصوم هو وسيلة لرؤية الله. "إنّ آدم لمّا تناول من المآكل كمخالف طُرد من الفردوس وأمّا موسى فإنّه مذ نقّى بالصيام حدقتَي نفسه صار معايناً لله. فيا أيّها التائقون إلى سكنى الفردوس هلمّ نبتعد من المطاعم الغير النافعة. ويا أيّها الراغبون معاينة الله هلمّ نصوم الأربع عشرات الموسويّة " .
فهمت الكنيسة هذا الأمر انطلاقاً من أنّ الربّ أرسى مبدأ الصوم بقبوله هو نفسه هذه الممارسة في حياته على الأرض. على هذا الأساس بنت الكنيسة تنظيماً ينفع المؤمنين وينمّيهم بالروح، وطوّرته خلال قرون عديدة. والأصوام العديدة تُظهر أنّ طبيعة الكنيسة نسكيّة. فالأيّام التي يصوم فيها المؤمنون تكاد تكون أكثر من الأيّام التي ليس فيها صوم.
لهذا السبب ارتبط الصوم بطابع الحزن البهيّ. لأنّه في سياق الحياة النسكيّة ليس أمراً سلبيّاً قائماً على المنع، إنّما هو إيجابيّ قوامه تهذيب النفس والجسد لكي يجد الإنسان الفرح والسلام الطبيعيّين. لهذا السبب تدعو الكنيسة المؤمنين، في كتاب التريودي، إلى الصوم ببهجة إذ تقول: "هلمّ نباشر الإمساك الكلّيّ الجلال ببهجة متلألئين بأشعّة أوامر المسيح إلهنا المقدّسة أعني بضياء المحبّة ولميع برق الصلاة وطهارة النقاوة وقوّة الشجاعة ..." .
من الممكن أن يكون الصوم قد أصبح في ذهن الكثيرين، في أيّامنا هذه، قائماً على المنع والتألّم، اللذين بهما نحصل تلقائيّاً على استحقاقات من عند الله، فنتمّم واجباتنا ونتصالح معه. غير أنّ الصوم، بالنسبة إلى كاتبي ترانيمه، هو بالضبط عكس ذلك؛ إنّه العودة إلى الحياة الطبيعيّة، لذاك الصوم الذي إذ كسره آدم وحوّاء في الفردوس، فأدخلا الآلام والموت إلى العالم .
فالإنسان كما قلنا خُلق لكي يتألّه بالنعمة، ولذلك فإنّ كلّ ممارسة تساعده على التأصّل في هذه الغاية يجب أن تكون طبيعيّة عنده. يقول المطران جورج: "الذين استطابوا صيامات كثيرة يعرفون حلاوة هذا الزمان الطيّب. وأمّا من لم يذق جمالات الصوم حتّى اليوم فليبدأ بسرور غير خائف. فمن طلب تعزيات الروح القدس فلا بدّ أن يؤتاها لأنّه سيؤتى من ربّه لطفاً كثيراً. ومن استصعب المشقّة فسوف يرى أنّها تضعف يوماً فيوماً ويتروّض على أنّ الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة وأنّ الله يكشف له أنّ البطن ليس بشيء وأنّ كلّ طعام يقيتنا قليلُه، ولكن نعمة الربّ تكثر إذا قلنا للطيّبات لن تسودي لأنّ الصلاة في هذه الفترة هي تسود وهي الخبز النازل من السماء ومطرح المناجاة الدافئة بين المسيح الحبيب والنفس المحبّة له" .
وبما أنّ الصوم، والعبادة عمومًا، فعل حيّ، فقد كان من الطبيعيّ أن يتطوّر ويغتني بخبرة القدّيسين الذين عاشوه، وبعمل الروح القدس الفاعل فيهم، كما يوضح القدّيس يوحنّا الدمشقيّ حين يقول: "من يستطيع أن يؤهّلنا لنعبر الحياة بكاملها بصوم دائم؟ ... يكفي ما حدّده الروح (القدس)". وهكذا رافق الصومُ نشأةَ الكنيسة وكان المسيحيّون الأوائل يمارسونه بكثرة . بعد ذلك، تبلور في الكنيسة هذا الكنز الروحيّ وعرف تنظيمات قانونيّة لكي يحافظ على أهدافه الأساسيّة، خصوصاً بعد انتشار المسيحيّة بشكل واسع في القرن الرابع وبعده. وبذلك أصبح عندنا مع الوقت:
1- صوم يومي الأربعاء والجمعة.
2- الصوم الكبير.
3- صوم الميلاد.
4- صوم الرسل.
5- صوم السيّدة.
6- عيد قطع رأس يوحنّا المعمدان.
7- بارامون عيد الظهور الإلهيّ.
8- عيد رفع الصليب الكريم.
9- الصوم قبل المناولة.
المؤسف، في زماننا الحاضر، أنّ الصوم فقد الكثير من معانيه الأساسيّة، وأنّ العديد من الأعراف والممارسات دخلته فأبعدته عن معناه الحقيقيّ. فأصبح الصوم، على سبيل المثال، بالنسبة إلى العديد مجرّد حمية، وأخذ الكثيرون ينظرون إليه كأمر سلبيّ غايته "الإماتة" أو إذلال الجسد ... ممّا جعل قسماً كبيراً من المؤمنين لا يمارسونه، أو يبتعدون بممارستهم إيّاه عن الهدف الذي وُضع من أجله.
بالنهاية أريد أن أقول إنّ الأصوام هي إلزاميّة لكلّ من يعتبر أنّه معني بالحياة المسيحيّة ولكلّ من يدرك أنّ حياة الكنيسة ليست نظام قانوني إنما هي الحياة الطبيعيّة التي تنقل المسيح إلى العالم وإلى قلوبنا. وشكرًا.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات