سقطت القيم وانقلبت الموازين


"ليس من إنسان يحيا ولا يُخطئ". هذا من اليوميات ولا يُخيف إذا كان الخاطئ متمسكاً بالمبادئ الأخلاقية ويعتبر أنها من الله وأن له فيها حياة. عندما نقول: أن هذا الإنسان ذو مبدأ, نعني بذلك أنه ينطلق من بدءٍ هو كلام الله. وإذا قلنا: أنه أخطأ, نعني بذلك أنه سقط على الدرب, ولكن لعِلمِه بما انطلق منه يعرف إلى أين يسير وكيف يسير حتى يبلغ الهدف. وعلى قدر ما يتجلى الله له ويتقوى هو بكلمته يلملم نفسه وينتصب ويتابع المسيرة. الكارثة أن يكون الإنسان بلا مبدأ لأنه, إذ ذاك, لا مرجعية له ولا هدف. يتخبَّط تخبطاً. لعل هذا الإنسان لا يوجد. فإن كان يعرف كثيراً عن كلمة الله يهديه ضميره. فلا بدَّ أن يعرف الإنسان من وجدانه أن الصدق مبدأ, والأمانة مبدأ, والعهد الزوجي مبدأ, يكذب بعد هذا أو يخون, ولكنه عائد بسببٍ من كلمة الرب إذا تذكرها أو قرأها من جديد أو يكون ضميره قد تخدّش فيعيده ضميره إلى الله. ما يجري الآن في المجتمع الحديث أن أناساً ليس فقط يكذبون –هذا كان منذ كان الإنسان- ولكنهم يعتبرون الكذب شيئاً جيداً ينقذهم من المآزق, ولا يشعرون أنهم بذلك تقزّموا وجبنوا ووقعوا في هزالة كبيرة. اليوم في بلادنا الفضيلة صارت غباء, والرذيلة شطارة, وانقلبت الموازين. الزنى صار يسمى حباً, والأمانة الزوجية إنطفاء للمشاعر, والتقوى زياً قديماً, وإهمال الكنيسة سلوكاً عصرياً. انقلبت الموازين. في القديم كان القاتل يُدعى قاتلاً ولو كان في خدمة إيديولوجية أو حزب أو أية غاية مهما سمت, في رواية الأخوة كارمازوف يسأل إيفان أخاه أليوشا: "افترض أن مصير البشرية بين يديك, بهدف جعل الناس سعداء نهائياً, ولكي تؤمن لهم السلام والراحة, وأنه لكي تحقق هذا الهدف عليك أن تُعذب طفلاً صغيراً, وأن تبني السعادة المستقبلية على دموعه, فهل توافق؟ أجبني بدون كذب" "لا, لا أوافق على ذلك" أجاب أليوشا. اليوم من ذبح بدافع العنصرية والتطرّف وأباد النساء والأطفال يسمى بطلاً. الراشي والمرتشي كانا يعتبران عدوّين للدولة ومفسدين لموظفيها أو للشركات أو للمواطنين. اليوم باتت الرشوة جزءاً من حياة الكثير من الناس, ويبرّر الراشي نفسه بأنه يريد معاملة سريعة, ويزكّي المرتشي نفسه بأن راتبه قليل. في الماضي كان الإنسان يقول لنفسه : معاشي قليل, إذاً أتقشف حتى يرتفع معاشي. انقلبت الموازين. لا خلاص في الحقيقة لمن اختلّت موازينه وفقد مرجعيته الروحية التي في قلبه. إذاً هو بلا ارتباط بالله أو بلا ارتباط بضميره أو أسكت ضميره حتى يحصل على متعة أو مجد, حتى "يعيش". في الحقيقة الذي سقطت عنده القيم يكون قد غيّب الله عن قلبه. يكون قلبه قد فرغ من النور وامتلأ من الظلام. وتزداد خطيئته عندما يُعلمّ أن لا وجود للقيم. هذا ما يسميه السيد الخطيئة ضد الروح القدس والتي يقول عنها أنها لا تُغفر. ويفسّر باسيليوس الكبير أن الخطيئة ضد الروح هي أن تُسمي الخير شراً والشر خيراً. أن تسمي السرقة مثلاً شطارة وأن تسمي الصدق هبلاً فهذه معاندة للحق, ولا يمكنك إن كنت على هذا التفكير أن تعمل أي صلاح. قلبك يكون مباشرةً ضد الحق. المهم أن نضع عقلنا في السكة الصحيحة, أن نؤمن بأن الله هو الصحيح, وإذا قلنا غير ذلك يكون هذا فينا وسوسة من الشيطان. يمكن أن تكون حليف الله وأن تُخطئ. ولكن إن وصفت الأعمال على غير ما يصفها الله فهذه هي الجحيم عينها التي تكون قد رميت نفسك فيها وأنت في العالم.


عن نشرة الكلمة العدد 9 سنة 2004