النظام المجمعي في الكنيسة الشرقيّةالنظام الإداري في الكنيسة الأرثوذكسيّة تجسيد لتعليم لاهوتيّ. فالعقيدة عندنا يحفظها الشعب كله أي ان الرؤية لكل الحياة الكنسية هي رؤية الجماعة المؤمنة بما فيها الأساقفة. مع أهميّة المكان الذي يجلس فيها المطران هو يستمع الى ما يقوله الروح للجماعة التي يرعاها. من زاوية هو يأتي منها كما تأتي منه. هذا لا يعني أن المطران يستند الى جمهور رعيته لكنه يأتي من اتقياء رعيته والممارسين. هؤلاء هم في الحقيقة جسد المسيح بحيث إنهم يؤلّفون المسيح على الأرض.
غير ان الأسقف ليس فقط متصلاً بالجماعة الموكولة اليه رعايتها. هو يتصل عضوياً بالمطارنة الآخرين الذين يسوسون كنيسة نسمّيها محلّية أو إقليميّة كما انه متحد بأساقفة العالم كلّه الذين هم على استقامة الرأي. غير أن التحرك الواقعي في اليوميات تحرّك الكنيسة المحليّة مثل الكنيسة الأنطاكية.
هذه يرئسها المجمع المقدس الجامع لكل أساقفة المنطقة والجالس برئاسة البطريرك الذي هو الأول بين متساوين. سر الكهنوت الواحد يجعلهم مجمعاً واحداً، والمرجوّ تالياً أنهم على فكر واحد المفروض أنه فكر المسيح. هذه المعية التي يؤلّفون والتي نرجو ان يمدّها الروح القدس بنفحاته حتى تخدم بالروحانية الواحدة كل الشعب المؤمن من طريق خدمتها للوحدات الروحية التي نسمّيها أبرشيّات. فالمجمع الواحد كالمجمع الأنطاكي المقدس يشرف بسبب اتحاد أعضائه على كل المناطق لكوننا نفترض ان الأساقفة الملتئمين بفكر المسيح لا ينطقون عن هوى وأنهم يسعون الى المسيح منطلقين من الإنجيل. لذلك يضعون في قاعة اجتماعهم كتاب الإنجيل ليذكّرهم بأنهم يقولون قوله وليس لهم قول من خارجه اذا أتوا بقرار أو وضعوا منهج عمل أو أوضحوا الإيمان أو انتخبوا أسقفاً جديداً أو حاكموا اسقفًا خالف القانون الكنسي.
البطريرك عندنا ضمانة وحدتهم لأنه بلغ عدم الهوى. وبفضل هذا التطهر يعتبرونه الأول بينهم ويظلّون حرصاء على احترام موقفه كما يكون هو حريصًا على تبنّي موقفهم اذا بدا عن إجماع. لذلك لا يجتمعون الا بحضوره واذا استدعاه الله اليه لا يجتمعون الا لانتخاب خلف. فليس من مجمع بغياب البطريرك وليس من بطريرك بلا مجمع. وفي حال الشقاق لا يؤلف الذاهبون من المجمع مجمعاً أياً كان عددهم. والأقلية في حال الانقسام التي يجالسها البطريرك تكون هي المجمع.
طبعاً هذا النظام لا مثيل له في أية مؤسسة دنيوية أبرلمانًا كان أم غير ذلك. لذلك كان غير صحيح القول إن الأرثوذكسية ديموقراطية. هي الألفة أو الائتلاف بالروح القدس. فكما تطيع أسقفك لأن الله أقامه رئيساً بوضع الأيدي (أي برسامته) كذلك تطيع المجمع المقدس ليس لأنه سلطة قائمة عليك بشكل تمثيليّ او حقوقيّ او جمعيّ ولكن لأنّ الأيدي وُضعت على رأس كل أسقف يوم رسامته. "الأسقف أيقونة المسيح" كما قال القديس إغناطيوس الأنطاكي. بطاعته تطيع المسيح.
• • •غير أن الأساقفة بشر تتسرب اليهم أخطاء. اذا أتى الخطأ إساءة الى العقيدة عليك ألا تطيع، وهنا تشكو المجمع الى المجامع الأرثوذكسية الأخرى، واذا أخطأ رئيسك المحليّ الى العقيدة وعلّم البدعة عليك ان تقاطع صلاته وان تعالج أمره مع زملائه ولا سيّما البطريرك. غير أن هذا يحصل قليلاً جداً، وفي السنوات المئة الأخيرة لم نلحظ شيئاً من هذا لأن تحديد العقيدة من اختصاص المجمع المسكوني (العالمي) وليس من اختصاص المجمع الإقليمي.
وقد لا يكون المجمع حكيماً في أمر رعائيّ أو تدبيري. هذا يُناقَش في دورة لاحقة بشكوى أو اعتراض معلّل وتسوّى الأمور إقليميا.
هنا يلعب الكهنة الورعون المثقفون كنسياً والعلمانيون المتديّنون الفاهمون دوراً كبيراً. وروحية الأبوة المألوفة تُصلح الأمور خصوصاً أن العقيدة تقول إن الإكليروس وعامّة الشعب المؤمن جسم واحد يتفاعل أعضاؤه بكلمة الخلاص التي يأتي الدفاع عنها مع حسن النية واستقامة القلوب.
ليس في الكنيسة قيمة للعدد. فأنت لا تطيع المجمع لهذا السبب. انت تقبله لأنه تعبير عن الكنيسة المتطهّرة أي الجماعة المصليّة. فقد رفضت الكنيسة في القرون الأولى مجامع مؤلفة من أكثر من أربعمئة مطران وسمّتها مجامع لصوصيّة. وما أقرّت الا تلك التي اعتبرتها ملهمة بالروح الإلهي. المجمع ليس سيد نفسه لمجرد اجتماعه ولكن ليقيننا أنه مرتبط بالرب. الله اذا ساد المجمع بالنعمة يكون هذا مجمعاً إلهيًا وانت تلتزم الألوهية فقط. الأساقفة وكلاء الأسرار المقدسة كما قال بولس، واذا تصرفوا بخلاف هذا التوكيل يصيرون لا شيء اذ ليس في الكنيسة من سلطة الا لله. في كنيسة المجامع المسكونية السبعة كان المجمع اللاحق يوكّد حقيقة المجمع السابق له، بهذا كنا نقترب من اليقين. ويتثبت اليقين عند قبول الجماعة كلها لما أتى به رؤساء الكهنة اذا اجتمعوا. ما كانت المجامع الكبرى تُعرف بالفهم أو باللاهوت العظيم فقط ولذلك نقول في التقويم الآباء القديسون الذين اجتمعوا في نيقية أو في القسطنطينيّة. قداسة المجتمعين هي التي تضمن صحة الرأي اذ ليس من فاصل بين الرأي ونقاوة السيرة.
• • •هؤلاء الذين نتّكل على طهارتهم مدعوون الى انتخاب في الخدمة عند شغور إحدى الأبرشيات بالوفاة. في بعض الكنائس كما في روسيا مثلاً يشترك الكهنة والعامّة في الانتخاب المباشر. في كنائس أخرى هيئات ترشيحيّة مؤلفة من كهنة وعلمانيين تقوم بعمل الترشيح اي انها تقدّم للمجمع المقدس لائحة من الأسماء يختار منها المجمع واحدا. في بلادنا الهيئة المرشحة هي مؤتمر الأبرشية، واذا كان لم يتشكل يقوم المجمع في مرحلة أولى هو نفسه بالترشيح ثم ينتخب متقيّدا بالترشيح. هناك طبعا شروط ينبغي أن تتوافر في المرشّح أهمها حياته الروحية وأخلاقه ثم تحصيله اللاهوتي العالي ثم شرط السن وتدرّج في الخدمة.
غير أن كل هذه الشروط اذا توافرت هي اقتراب من المثال وليست ضمانة. تختار مثلا شخصًا يبدو لك وديعا عفيفا، وممارسة السلطة قد تفسده ويأتيك متسلطاً. واذا رأيت الى تحصيله اللاهوتي الجامعي قد تظن أنه يعرف، ويتبيّن بعد ذلك انه ضعيف في ممارسة العقل اللاهوتي. ان الصفات الحسنة المتوافرة في كاهن قد لا تكفي لمعرفة أهليته للأسقفيّة. وقد تظهر فيه حسنات جديدة بسبب من مراسه الجديد ولا بد ان يختلف أعضاء المجمع المقدس عند اختيارهم. فهذا يركز على القدرة اللاهوتية في المرشح، وذلك على مواهبه الرعائية ولو كان ذلك على حساب المعرفة. والآخر يشدد على الإداريات عنده. ما الإداريات؟
ينبغي الا نتعجب من اختلاف المعايير عند السادة الأجلاء. فهذا يجذبه ذكاء المرشح وعلمه، وذاك يهتم بخبرته. ولكون القضية تتوقف على تقدير الأفراد يتعذّر الإجماع المنشود أصلاً. غير أن ما يحررك نسبياً من التردد أن تطلب في من تدعوه الى رئاسة الكهنوت محبة للرب متينة وعميقة ويضاف اليها العلم لكون ما يُطلب في الرجل معرفة شؤون الإيمان معرفة دقيقة التماساً للوعظ والتعليم. أما ما يسمّى عندنا التدبير بما للكنيسة من ملك ورزق ومال فقد رأت الكنيسة الأولى ان يعيّن الأسقف المنتخب مدبّراً مطلعا على هذه الأمور، فالإنسان المثقّف لاهوتياً ليس عنده بالضرورة إلمام بشؤون الدنيا. وأما الملمّ بها بخاصة وليس عنده العلم بالله وبكلمته فلا يقدر أن يرتجل الكلمة ارتجالاً. لذلك يمكن ان تتضافر النيات الحسنة والآراء الثاقبة حول اختيار رجل ممتلئ بحكمة الله ويعطى بقية الحكمة زيادة فيما يختبر الناس والزمان وفيما هو يتكل على الحكماء والأتقياء في رعيته.
المشكلة الكبرى ان إنجيل يسوع المسيح مسلّم الى أناس محاطين بالضعف بضرورة طبعهم البشري وكبار القامات الروحية قلة عزيزة. لكن الكنيسة في الدنيا لم تبلغ الملكوت ونحن نعرف كما قال الرسول أن "لنا هذا الكنز في آنية خزفيّة". أن تحفظ الوديعة سالمة حتى مجيء الرب يتطلّب سهرا طويلا واحتمال مشقّات في التعزيات التي تنزل عليك من فوق.
المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات