المشي على الماءتناقل الرواة المسلمون قصة مشي عيسى على الماء، وذكروا أن الخضر يتجلّى على كبد البحر، وأن الكثير من الأولياء اختبروا هذه الحال، ونقلوا عن أبي زيد البسطامي قوله: "أدنى مقامات العارف أن يمر على الماء، ويطير في الهواء، وأعلاها أن يمر على الدارين من غير أن يلتفتَ إلى مَن سواه".
في موسوعة "تاريخ دمشق"، نقل ابن عساكر خبر مشي المسيح على الماء في حديثين متشابهين يختلفان في التفصيل فحسب. جاء في الحديث الأول: "فقد الحواريون نبيهم فانطلقوا يطلبونه، فإذا هو قد انطلق نحو البحر، وإذا هو يمشي على الماء، فقال له رجل منهم: يا نبي الله ألا أجيء اليك؟. قال: نعم. فذهب يرفع رجلا ويضع أخرى، فإذا هو في الماء، فقال له عيسى: ناولني يدك يا قصير اليقين، فلو إن لابن آدم من اليقين قدر ذرة لمشى على الماء". تتكرّر الرواية في الحديث الثاني، وفيها يمضي المسيح نحو الحواريين، و"يمشي على الماء، يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى". يسأله أحدهم، وهو "من أفاضلهم": "ألا أجيء إليك يا نبي الله؟"، فيجيبه: بلى. تقدّم الحواري ليمشي على البحر، "فوضع إحدى رجليه في الماء، ثم ذهب ليضع الأخرى، فقال: أوه غرقت يا نبي الله"، فقال له عيسى: "أرني يدك يا قصير الإيمان، لو ان لابن ادم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء".
نقع على رواية مشابهة في موسوعة من أكثر الكتب الحديثة للشيعة قيمة، وهي "في أصول الكافي". نقرأ في "باب الحسد": "عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: "اتقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضا، إن عيسى بن مريم كان من شرايعه (أي شرائعه) السيح (أي السياحة) في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير، وكان كثير اللزوم لعيسى، فلما انتهى عيسى إلى البحر قال: بسم الله، بصحة يقين منه، فمشى على ظهر الماء. فقال الرجل القصير حين نظر إلى عيسى: جازه بسم الله بصحة يقين منه. فمشى على الماء ولحق بعيسى، فدخله العجب بنفسه، فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي على الماء، فما فضله عليَّ؟ فرُمس (أي غُمس) في الماء، فاستغاث بعيسى، فتناوله من الماء، فأخرجه ثم قال له: ما قلت يا قصير؟ قال: قلت: هذا روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء فدخلني من ذلك عجب. فقال له عيسى: لقد وضعتَ نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه، فمقتك الله على ما قلت، فتب إلى الله عز وجل مما قلت. فتاب الرجل وعاد إلى مرتبته التي وضعه الله فيها".
الهزيع الرابعتقارب هذه القصة في أشكالها المختلفة، الواقعة التي وردت في الإنجيل. بحسب متّى، صعد يسوع "إلى الجبل منفردا ليصلي ولما صار المساء كان هناك وحده"، بينما دخل التلامذة السفينة وسبقوه إلى العبر. وصارت السفينة "في وسط البحر معذبة من الأمواج لان الريح كانت مضادة. وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوع ماشيا على البحر. فلما أبصره التلاميذ ماشيا على البحر اضطربوا قائلين انه خيال، ومن الخوف صرخوا"، فقال لهم يسوع: "تشجعوا أنا هو لا تخافوا" (14، 23-26). وفي رواية مرقص: "لما صار المساء كانت السفينة في وسط البحر وهو على البر وحده. ورآهم معذبين في الجذف لان الريح كانت ضدهم، ونحو الهزيع الرابع من الليل أتاهم ماشيا على البحر وأراد أن يتجاوزهم. فلما رأوه ماشيا على البحر ظنّوه خيالا فصرخوا"، فكلّمهم وقال: "ثقوا أنا هو لا تخافوا"، وصعد إلى السفينة، "فسكنت الريح، فبهتوا وتعجبوا في أنفسهم" (6، 47-51). وفقا لما نقله يوحنا، أرادت الجموع أن تختطف يسوع لتجعله ملكا عليها، فانصرف إلى الجبل وحده، "ولما كان المساء نزل تلاميذه إلى البحر. فدخلوا السفينة وكانوا يذهبون إلى عبر البحر إلى كفرناحوم، وكان الظلام قد اقبل، ولم يكن يسوع قد أتى إليه. وهاج البحر من ريح عظيمة تهب. فلما كانوا قد جذفوا نحو خمس وعشرين أو ثلاثين غلوة، رأوا يسوع ماشيا على البحر مقتربا من السفينة فخافوا. فقال لهم: أنا هو لا تخافوا. فرضوا أن يقبلوه في السفينة، وللوقت صارت السفينة إلى الأرض التي كانوا ذاهبين إليها" (6، 15-21).
يذكر متّى حادثة لا نجد لها أثرا في روايتي مرقص ويوحنا: طلب يسوع من التلامذة أن يتشجّعوا، فقال له بطرس: "يا سيد، إن كنت أنت هو، فمرني أن آتي إليك على الماء"، "فقال: تعال. فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء ليأتي إلى يسوع". وكانت الريح شديدة، فخاف وبدأ يغرق. "ففي الحال مدّ يسوع يده وأمسك به، وقال له: يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟. ولما دخلا السفينة سكنت الريح" (14، 28-32). تماثل هذه الرواية القصة التي تناقلها الرواة المسلمون، وفيها يقول عيسى للحواري: "لو إن لابن آدم من اليقين قدر ذرة لمشى على الماء"، وهذا القول يقابله في الإنجيل قول يسوع لتلامذته: "الحق أقول لكم، لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم".
على كبد البحرتتحدث كتب التراث الإسلامية عن نبي آخر مشى على المياه قبل عيسى، وهو الخضر، والخضر شخصية "ملتبسة" احتار أهل التفسير في تحديد نسبتها، والشائع أنه لم يمت، وأنه العبد الصالح الذي رافق موسى في سورة الكهف (65-67)، وهو مرشد كبار المتصوفة ومعلّمهم. في "عرائس المجالس"، يخبرنا الثعلبي أن موسى رأى الخضر "وهو قائم يصلي على طنفسة (أي سجادة) خضراء على وجه الماء، متوشحا بثوب أخضر". وفي حديث ورد في "صحيح البخاري"، وجد كليم الله "خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه". يتكرر المشهد في بعض الروايات الخاصة بأهل الزهد والتصوف. في "طبقات الأولياء"، ينقل ابن الملقن عن نجيب بن ابي عبيد البسري قوله: "كان والدي في المحرس الغربي بعكا، في ليلة النصف من شعبان، وأنا في الرواق السادس، انظر إلى البحر، فبينما أنا أنظر إذا شخص يمشي على الماء، ثم بعد الماء مشى على الهواء، وجاء إلى والدي، فدخل من طاقته التي هو فيها ينظر إلى البحر، فجلس معه ملياً يتحادثان، ثم قام والدي فودعه، ورجع الرجل من حيث جاء يمشي في الهواء، فقمت إلى والدي، وقلت له: يا أبت، من هذا الذي كان عندك، يمشي على الماء، ثم الهواء؟. فقال: يا بني! رأيته؟. قلت: نعم. قال: الحمد لله ربّ العالمين، الذي سوّى بك وبنظرك له، يا بني، هذا الخضر. نحن اليوم في الدنيا سبعة، ستة يجيئون إلى أبيك، وأبوك لا يروح إلى واحد منهم".
تتكرر الرواية في "فيض القدير شرح الجامع الصغير"، وهي هنا على لسان العارف ابن عربي: "كنت في مركب بساحل تونس والناس نيام، فقمت إلى جنب السفينة وتطلعت في البحر، فرأيت رجلاً على بعد في ضوء القمر يمشي على الماء حتى وصل إليَّ، فرفع قدمه الواحدة واعتمد الأخرى، فرأيت باطنها وما أصابها بلل، ثم اعتمد الأخرى ورفع صاحبتها فكانت كذلك، ثم تكلم معي بكلام وانصرف، فأصبحت. جئت المدينة، فلقيني رجل صالح، فقال: كيف كانت ليلتك مع الخضر عليه السلام؟".
صفوة الصفوةمثل الخضر والمسيح، "مشى كثير من الأولياء على متن الماء"، يقول ابن كثير في "البداية والنهاية"، "وفي قصة العلاء بن زياد، صاحب رسول الله ما يدل على ذلك". تقول هذه القصة إن العلاء أدرك جزيرة دارين، "فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له"، ثم نزل منزلا، "فطلب الماء فلم يجده، فقام وصلّى ركعتين وقال، اللهم إنا عبيدك وفي سبيلك، نقاتل عدوّك، اللهم اسقنا غيثا نتوضأ به ونشرب"، وسار قليلا فوجد ماءً، فتوضأ منه وتزوّد، وعاد إلى دارين، ودخل البحر مع رجاله، ومشى معهم على متن الماء، ولم يبتل لهم شيء. في "حالة أهل الحقيقة"، نقل الإمام أحمد الرفاعي عن أبي زيد البسطامي قوله: "أدنى مقامات العارف أن يمر على الماء، ويطير في الهواء، وأعلاها أن يمر على الدارين من غير أن يلتفتَ إلى مَن سواه"، وفي رواية أخرى: "قيل لأبي يزيد: سمعنا أنك تمرّ على الماء، وتطير في الهواء، فقال: المؤمن أعزُّ على الله من السماوات السبع، فأي عجبٍ أن يبلغ مقام طير أو حوت". في "صفوة الصفوة"، تحدّث ابن الجوزي عن إبرهيم بن سعد أبي إسحاق العلوي، وهو زاهد من أهل بغداد انتقل إلى الشام فاستوطنها، وكان يبسط كساءه على ماء البحر ويصلي عليه، وقد رآه أبو الحارث الأولاسي في هذه الحالة فقال في نفسه: "ما أشك إلا أنه يريد أن يقول لي امش معي على الماء، ولئن قال لي لأمشين معه". وقال آخر إنه رأى إبرهيم بن سعد العلوي يصلي وهو على الماء، وعاد بعد ثلاثة أيام، "فإذا هو قائم مكانه يصلي"، فلما أحس به، أوجز في صلاته ثم أخذ زائره بيده، وأوقفه معه على البحر، وأقبلت الأسماك "رافعة رؤوسها من الماء فاتحة أفواهها"، فقال الرجل في نفسه: "أين إبن بشر الصياد!"، فتفرقّت الأسماك للتو، والتفت إبرهيم إليه، وقال له: "مرّ، فلست مطلوبا لهذا الأمر، ولكن عليك بالوصال والتخلي في الجبال وواري نفسك ما أمكنك حتى يشغلك بذكره عن ذكر من سواه، وعليك بالتقلل من الدنيا ما استطعت حتى يأتيك اليقين"، ثم مضى.
اختبر زهّاد آخرون هذه الحالة، ومنهم من حفظ الرواة أسماءهم. جاء في "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" أن الشيخ الصالح المكاشف علي الذويب قطب الشرقية في مصر "كان يمشي كثيرا على الماء، فإذا أبصره أحد اختفى، وكان يرى كل سنة بعرفة ويختفي من الناس إذا عرفوه". وفي "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر"، تحدث المحبي عن الولي المصري علي بن أحمد بن حصن المشهور بحشيش، وقال إنه "مشى في الهواء وعلى الماء"، وأنه اجتمع بأصحاب الكهف، ورأى روح الله عيسى، واجتمع بالخضر. وفي "الطبقات الكبرى"، نقل عبد الشعراني عن الرواة أن أويس الخولاني كان يمشي على الماء في دجلة.
بين التجلي والاستتارفي الأدب الفارسي، نقع على قصة بديعة في كرامة المشي على الماء صاغها سعدي الشيرازي في تحفته "كلستان"، أي "حديقة الورد"، وقد نقلها إلى العربية محمد الفراتي. تقول القصة إن رجلا من صُلحاء جبل لبنان دخل جامع دمشق، "وكانت له في بلاد العرب مقامات مذكورة وكرامات مشهورة. ولما جلس على طرف البركة ليتوضأ زلّت قدمه، فوقع فيها ولو لم تتداركه العناية لغرق. وبعد أن أدّى المصلون الصلاة المكتوية، قال له أحد الأصحاب: أيها الشيخ عندي مشكل. فقال الشيخ: وما ذاك؟ فقال: أذكر أنني كنت رأيتك تمشي على وجه بحر المغرب ولم تبتل لك قدم، واليوم كدت تغرق بما لا يزيد عن عمق قامة من الماء، فما السر في هذا يا ترى؟ فأدخل الشيخ رأسه في جيبه وبعد تأمّل طويل رفع إليه رأسه وقال: ألم تسمع ما قاله سيد العالم محمد المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم "لي مع الله وقت ولا يسعني فيه ملَك مقرّب ولا نبي مرسل"، ولم يقل كل وقتي كان هكذا. وإلا لما تفرّغ لجبريل وميكال، ولما بنى بحفصة وزينب وغيرهما بأوقات أخرى. لأن مشاهدة الأبرار بين التجلي والاستتار تُلمح فتُختطف" ¶
محمود الزيباوي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات