كلمة صاحب السيادة المتروبوليت أفرام (كرياكوس)
في دخوله إلى الأبرشية وتنصيبه
19 تشرين الأوّل 2009

أصحاب السيادة والمعالي والسماحة
الآباء الأجلاء، إخوتي الأعزاء


الإنسان، كلُ إنسانٍ عالمٌ صغير -ميكروكوزموس- ، يحوي في قلبه العالم بأسره. فيه روح الله وفيه روح العالم. يمتلئ من الروح العلوّي أو يمتلئ من روح العالم. وهو في صراع دائم يتخبّط بين الله والعالم. قال الكتابُ العزيز على لسان التلميذ الحبيب: "لا تحبّوا العالم ولا الأشياءَ التي في العالم... لأن كلَ ما في العالم شهوةُ الجسد وشهوة العين وتعظّم المعيشة. والعالم يمضي وشهوته أما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد" (1 يو 2: 15-17). وقال التلميذ نفسه: "لقد أحبّ الله العالمَ حتى بذل ابنَه الوحيد لكي لا يهلك من يؤمن به بل ينال الحياة الأبدّية" (يو 3: 16).

أيها الأحبّاء كل من امتلأ من روح العالم الفاسد يقتني الكبرياء، الحسد، الغضب، الخصام فيسعى إلى التملّك والتسلّط وكلِّ أنواع شهوات الجسد ومغريات الدنيا، أما الذّي يمتلئ من روح الله فيقتني التواضعَ، المحبّة، الوداعة، القناعة، التقوى، فيتمسّك بالأفكار الصالحة ويَجني ثمارَ الروح القدس كلّها، أعني الفضائل والسلوك الحسن والأخلاق الطيّبة بحسب مرضاة الله.

والآن ماذا أقول لكم؟ جئتُ اليكم لا بل جاءني الله اليكم لكي أخدمكم. أودّ أن أصيرَ قريبًا منكم، وخصوصاً من القلوب الجائعة إلى الله. ساعدوني على ذلك. إني أحبّ الله، أحبّ كنيستي، أحبّ بلدي حبًّا شديداً وأصلّي من أجله. أودّ أن أحبَّ كلّ انسان ألقاه في دربي. أعرف أن الشرّ موجودٌ في العالم لكني أعرف أن أحداً قال لي "ثقوا لقد غلبت العالم" (يو 16: 33) نحن أبناء القيامة غالبون مسبقًا بإيماننا.

نحن أيضًا مدينون لإيمان مستقيم فلتكن حياتنا مستقيمة، سلوكنا قويماً. كلّ ما أتطلّبه مني أولاً ومنكم أيضًا، أعني رعيتي المباركة، أن تكونوا مستقيمين. أعرف أن هذا الأمرَ صعبٌ للغاية في عالمنا اليوم، لكن الفضيلة المرغوبة جداً هي الصدق. كما أن الداء الخبيث هو انفصام الشخصيّة، وفي ذروته الجنون، كذلك ذروة الصحّة هي الوحدة مع الله، مع النفس ومع الآخرين، وفيها كمالُ المحبّة.

- لإخوتي في المجمع الإنطاكي المقدّس: أنا الأصغر فيما بينكم، شكراً لكم صلّوا من أجلي.
- للآباء الكهنة المخلصين أقول: أنتم عيناي ويدايا وأذناي من خلالكم سوف أطلّ على الرعيّة كلّها.
- لأصحاب السيادة، والرؤساء الدينيين والوطنيين أقدّم تقديري واحترامي وأمدّ يدَ التعاون والمودّة.
- أما للشعب الحسن العبادة فأُهدي محبّتي وصلواتي.. لكم جميعًا أوجّه شكري وفرحي في هذا اليوم المبارك. لن أدعَ أيةَ فضيلة لدى سلفي المثلث الرحمات المطران الياس قربان
دون أن أسعى للإستفادة منها وللإستمرار فيها على قدر المستطاع.

نعم، هو يوم مباركٌ من الله، عسى أن يكون بدايةَ ورشة عمل لبنيان الكنيسة والوطن ولتمجيد الله على الدوام. آمين.

شكراً جزيلاً لصاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس الرابع بطريرك انطاكية وسائر المشرق.
شكراً لأبي وسيّدي المطران جورج خضر المعتتمد البطريركي الذي رعاني ويرعى نفوسًا كثيرين.
شكراً لكم جميعاً ولله على الدوام

كلمة الميتروبوليت جورج (خضر) في دخول المطران أفرام كرياكوس
إلى أبرشيّة طرابلس والكورة وتوابعهما وتنصيبه
سيدي ملاك طرابلس

هذي أرضك استلمها. هذا الشعب اجتمع ليلتمس بركاتك ويحلّق الى الأعلى. يعرف اليوم أن له راعيا يحفظه في الوديعة سالمة، في التقوى، في العلم والعمل. كل واحد من هذه الأمّة المقدسة يريد نفسه ابنًا لك لعلمه بأبوّةٍ لك تنزل عليك من الله الآب ويثق بأن حنانك يربّيه وهو طالب منك التربية.يستقبلك اليوم لأنه يريد منك الإنجيل حتى يحيا به ويستقيم ويدعو الثالوث المقدس ليُمطِر عليك نعمته لتبدو الكنيسة «مجيدة لا عيب فيها ولا تجعّد وما أشبه ذلك، بل مقدّسة لا عيب فيها». وعندما يقول الرسول «لا عيب فيها» مرتين يدرك أبناء أبرشيتك أن الطريق أمامهم طويلة وأنك هنا لتُقيمهم من عثار فيما أنت تحفظ نفسك في البرّ.الأولاد جياع، اكسرْ لهم الخبز حتى اذا أكلوا تكون لهم الحياة الأبدية، واذا أكلوا يفهمون قولة السيد المبارك: «مَن أكل جسدي وشرب دمي يثبت فيّ، وأثبت أنا فيه».هنا أريد أن أقول لأبناء هذه الأبرشيّة التي عُمّدتُ فيها أن دورهم في هذا البلد وأمام آفاق الملكوت أن يحفظوا أنفسهم من الدنس فإنهم غالبون الدهر وفوق كل تقلّباته وكل ما عدا ذلك يُعطى لهم زيادةً. إن لم يكن على دهركم مسحة من الدهر الآتي فلستم على شيء. جسّدوا الباقيات في الفانيات، تقوَوا على الفانيات. نحن نحيا على كل صعيد بالكلمات التي فاه بها يسوع. هذه ننتظرها من فمك. سيدي. هذا سيكون مضمون رعايتك حتى لا نموت عطشا.هذه هي تقدمتنا الأساسية للبلد الذي نرجو أن ينهض ويتجدد ويُسهم في عطاء الحق للإنسانية جمعاء. هذا ينشده اللبنانيون جميعا ما يعني مشاركة أبنائك كل أهل المدينة والمنطقة حبّهم للوطن الواحد. طرابلس على وجه التأكيد عاشت أجيالا طويلة وحدة لبنان وشرعة التماسك بين المواطنين. أهل هذه المدينة والكورة والضنية يمدّون أيديهم بعضهم الى بعض ويرعون المودّات والألفة والكياسة ويرجون تغذية ميولهم هذه من شرائحهم كلها وقياداتها في انفتاح عظيم.بعصا الرعاية لا تضرب أحدًا وقد ورثت تواضع المعلّم ولكنك تُوجّه بها حملانك الوديعة الى الالتقاء الوجدانيّ بالجميع. انت تخاطب قلوب الناس. هذه لغتك الوحيدة وهي خطاب الله في البشر.مَن كان الله مبدئه ومنتهاه يعرف أن يقيم سلام الله. الذين استلهموا هذه الرؤية يعيشون من اجل الناس جميعًا ومن اجل وحدتهم. هذه أعلى ذروة في اللقاء البشريّ. هذا أسمى من مصالح الطوائف على الصعيد السياسي. كل رقيّ، كل سموّ في أيّة جماعة أخرى يُفرحنا ونعمل في سبيل توطيده. نحن لسنا لقاء منافع. نحن لقاء حب. هذا هو فيك سيدي الأول والآخر. سيحاول هذا الشعب أن يسير بين هذا وذاك اذا أبصر وجهك متجلّيا. عند ذاك، يُدهش تلألؤه العالم، آمين.
المطران جورج خضر
19 تشرين الأول 2009