"للصّمت وقتٌ وللنّطق وقتٌ" (الجامعة 3: 7). قَلَّما نجد وقتًا للصّمت في أيّامنا الحاليّة، حيث أنّ كلّ ما يحيط بنا يملأه الضّجيج؛ فالنّاس يثرثرون والهاتف يرنّ والسيّارات تبوِّق والموسيقى أصبحت صاخبة وغير ذلك من مظاهر الضّجيج، فيأخذ الإنسان بالاعتياد على صخب المعيشة شيئًا فشيئًا، ولا يعود يعرف طعم الصّمت اللذيذ، وإذا حدث ووُجِدَ في وسطِ صمتٍ ما فإنّه لا يعرف كيف يتصرّف لينقّي ذهنه من الصّراخ العالمي هذا.
نمط حياتنا الصّاخب اليوم أنسانا كيف نصمت لكي نسمع؛ لم نعد نعرف كيف نصلّي بصمتٍ حتّى، الأمر الّذي جعل البعض يُدخِلون الموسيقى العالميّة الصّاخبة والألحان الغنائيّة التي تعوّدتها الأذن الجسديّة إلى الخِدَم الكنسيّة، الأمر الّذي أثّر سلبًا على كيفيّة ترويض جسديّتنا الّتي غلبت الرّوحانيّة في أيّامنا الحاليّة. لم يعد إنسان اليوم يدرِّب أذنيه على سماع صوت الله، لم يعد يعرف كيف يصمت ليسمع، نسيَ أنّ الإنسان يعبّر عن عبادتِه لله بصمتٍ ملؤه الخشية والاحترام (مراثي 2: 10، خروج 15: 16).
إنّ الصّمت ينجّينا من مشاكل جمّة في الكثير من الأحيان حيث لا خطرَ فيه وإذ إنّ "الموت والحياة في يد اللّسان" (أمثال 18: 21). فعن اللّسان البذيء يصدر الكذب والغشّ والرّياء والاغتياب والنّميمة (مزمور 10: 7، سيراخ 51: 2 – 6)، إنّه أفعى (مزمور 140: 4) وسيفٌ حادّ (مزمور 57: 5) وسهمٌ قاتل (إرميا 9: 7، 18: 18). فمتى صَمَتَ الإنسان يكلّمه الربّ معلِّمًا إيّاه كيف يصلّي وكيف يجعل من لسانه فضّةً نقيّة (أمثال 10: 20) هاذًّا بعدل الله ومعلنًا حمده (مزمور 35: 28، 45: 2). إذًا، فإنّ الصّمت هو أداة تعليميّة، فإنّ مرثا انشغلت بالضّجيج العالميّ وارتبكت بأمور كثيرة وأرادت أن تجعل أختها مريم مثلها إذ طلبت من الرّب أن يجعلها تساعدها في تلك الأمور الكثيرة، لكنّ الربّ يسوع أراد أن تصبح مرثا مثل مريم أختها، أي أن تهدأ وتصمت وتجلس لكي تسمع كلامه. إضافةً إلى ذلك، نحن نرتّل في صلاة البراكليسي المقطع القائل: "لتصمت شفاه المنافقين الّذين لا يسجدون لأيقونتِكِ الموقَّرة التي صوّرها لوقا الإنجيليّ الكليّ الطّهر والّتي بها اهتدينا"؛ تُظهِر هذه التّرنيمة أنّ المنافقين عليهم أن يصمتوا ويسجدوا أمام أيقونة والدة الإله الّتي تهدينا، إذ إنّ نفاقهم وكلامهم يضلّهم ويضلّ سامعيهم، أمّا بمماثلة صمت والدة الإله وطاعتها لله (لوقا 2: 19) فإنّنا نهتدي إلى التّعليم الصّحيح وإلى الطّريق والحقّ والحياة.
إنّ الصّمت قد يعني التردّد (تكوين 24: 21) أو الموافقة (عدد 30: 5 – 16) أو الارتباك (نحميا 5: 8) أو الخوف (أستير 4: 14)، وقد يُظهر الإنسان حريّته بتحكّمه بلسانه لكي يتجنّب الزّلل (أمثال 10: 19) وبخاصّة في المجالس الحافلة بالثّرثرة أو الأحكام الطّائشة (أمثال 11: 12، 17: 28)، إلاّ أنّ الله هو الّذي يقيم للإنسان أوقاتًا للسّكوت وأخرى للكلام، إذ يعبّر الصّمت أمام الله عن الخجل عقب الخطيئة (أيوب 40 : 4) أو عن الثّقة بالخلاص (خروج 14: 14).
في النّهاية، فَلنَعملْ بنصيحة القدّيس إسحق السّرياني الّتي تقول: "أحبب الصّمتَ فوق كلّ شيء" وهكذا يمكننا أن نصلّي أكثر وبشكل أفضل، كما يمكننا أن نخدم الآخرين بصمتٍ كليٍّ حيث أنّ الخدمة تقتضي الصّمتَ والصّمتُ يجلب التّواضع. فَلنمارس فضيلةَ الصّمت في حياتنا كمسيحيّين، في عالمٍ تملأه الغيرةُ والرّغبة في النّميمة على الآخرين، وبدلاً من أن نُعمِل ألسنتنا في تهديم حياة الآخرين، لماذا لا نبني أنفسنا والآخرين بالصّمت والصّلاة واتّباع تعاليم ربّنا يسوع المسيح؟ ولا ننسينَّ أنّ اللّسان الّذي نلعن بوساطته أخانا الإنسان، هو نفسه يمكننا أن نبارك فيه الله، وهو نفسه العضو الأوّل الّذي يكون عرشًا للجسد والدّم الإلهيَّين خلال المناولة. إن الاختيار النّهائي هو لنا، فإمّا أن ننشغل بالأحاديث الدّنيويّة، وإمّا أن نصمت لكي نسمع ما يقوله لنا الربّ.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات