مقدمة:
لدى دراستنا لمادة اللاهوت العقائدي والمقارن، للكنيسة الأرثوذكسيّة الجامعة، وتمعّنّا فيها. نجد أننا نصل إلى مرحلة نسمى فيها لاهوتيّين، بمعنى أننا ندرس علم اللاهوت الأبائي. لكن “اللاهوتي هو الذي وصل بنور الروح القدس إلى رؤية المجد الإلهي، وهو يشمل جميع الملائكة والقديسين”.[1]إذاً لكي نصبح لاهوتيين، لا يكفي أن نقرأ أو نعرف الكثير عن الله أو عن الكتب اللاهوتيّة، وإنما يجب أن نعاين الله. ولكي يتم ذلك نحتاج إلى قوة الروح القدس ونوره، لأنه مُعطى من الله لنا بالإيمان، لكي نعاينه ليس بالعيون وإنمّا بالقلب والذهن. ويؤكد ذلك إيفاغريوس البنطي اللاهوتي:”إذا كنت حقاً مصلياً، فأنت لاهوتي، وإذا كنت لاهوتياً فأنت مصلياً حقاً”.[2]
لذلك أردت أن أبدأ بهذه الصلاة، التي يبدأ فيها المصلّي نهاره، فإنني أعتبر الحديث عن الروح القدس هو تضرع للأب والابن لأن يقيم معنا بروحه القدوس. “أيها الملك السّماوي، المعزي، روح الحق، الحاضر في كل مكان، والمالئ الكل، كنز الصّالحات ورازق الحياة، هلّم واسكن فينا، وطهرنا من كل دنس وخلص أيها الصالح نفوسنا”.[3]
فالروح القدس هبة نُعطاها من الله، وهو شخص معطى من الأب والابن الحبيب ومنه بالتالي لنا نحن المؤمنين كما وعد وقال الرب يسوع:
- “وهاأنا أرسل إليكم موعد أبي، فأقيموا في أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالي” (لو49:24).
- “وأنا أسأل أبي، فيهب لكم معزياً آخر، يبقى معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يتلقاه، لأنه لايراه ولا يعرفه”.(يو16:14).
- “ولما قال هذا نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تُغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت”.(يو22:20_23).
سآتي على ذكر كل ما يتعلق بألوهية الروح القدس. فأرجوا من الله وابنه وروحه القدوس أن أكون موفقاً وأميناً فيما أُمنت.
لقد عبرت الكنيسة الأرثوذكسية، عن ألوهية الروح القدس في دستور الإيمان، وذلك في المجمع المسكوني الأول في نيقية عام/325/ بأن الرّوح القدس منبثق من الأب دون أن يذكر الابن، مستنداً إلى ما جاء في الإنجيل بحسب يوحنا (26:14). ثم أكُمل في المجمع المسكوني الثاني الذي أنعقد عام/381/ في القسطنطينية. لذلك سُمي دستور الإيمان بالنيقاوي القسطنطينيي.
الرّوح القدس هو روح الله:
نسلم إيمانياً أن سفر التكوين في العهد القديم يتكلم عن خلق الله للعالم. فالله هو الخالق الوحيد، هو الذي صنع وخلق كل شيء. وكلّ هذه الأفكار ارتبطت باسم يهوه( تك1:1)، (أمثال22:8_31)، لكن ليس هذا فقط بل كل من يساعده في عمليّة الخلق والأشراف، دون الانفصال عنه ألا وهو الرّوح القدس. إنه ليس من العدم بل هو من جوهر الله ومستقر فيه.
- “وكانت الأرض خربة خالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفرف على وجه المياه”. (تك 2:1).
- “وأعطيكم قلباً جديداً، وأجعل روحاً جديداً في داخلكم، وأنزع قلب الحجر من داخلكم وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها”. (حز 26:36_27).
- “روح الله صنعتني ونسمة القدير أحيتني”.(أيو4:33).
- “لن أحجب وجهي عنهم لأني قد أفضت روحي على أل إسرائيل”.(حز29:39).
إذاً فحضور الرّوح القدس في قلب المؤمن يشكل في الوقت نفسه علامات مميّزة للإنسان وبداية ملكوت الله.[4]
الرّوح القدس هو روح الرّب:
لقد ظهر روح الرّب لأنبياء العهد القديم بعدة هيئات، وكلّ منهم وصلته رسالة ما من الرّب ليوصلها بدوره إلى الشعب. فكان الرّب يختار أناساً بواسطة الرّوح القدس ويكرسّهم لخدمته، فقد ظهر الرّوح القدس على شكل ملاك يبشر امرأة منوح العاقر بالولادة، وأن المولود سيكّرس لخدمة الرّب، ” تراءى ملاك الرّب للمرأة وقال لها. هاأنت عاقر ولم تلدي. ولكنّك تحبلين وتلدين أبناً. والآن إحذري ولا تشربي خمراً أو مسكراً ولا تأكلي شيئاً نجساً. فها أنت تحبلين وتلدين أبناً ولايعلُ موسى رأسه لأن الصبي يكون نذيراً لله من البطن وهو يبدأ يخلّص إسرائيل من يد الفلسطينيين.”(قضا3:13_5).
- “فكان عليه روح الرّب وقضى لإسرائيل وخرج للحرب …“ (قضا10:3).
- “ويحلُّ عليه روح الرّب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوّة روح المعرفة ومخافة الرّب”. (أش2:11).
- “تقدّموا إليّ اسمعوا هذا. لم أتكلّم منذ البدء في الخفاء. منذ وجوده أنا هناك والآن السيّد الرّب أرسلني وروحه”. (أش16:48).
- “كبهائم تنزل إلى وطاءٍ روح الرّب أراحهم. هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك اسم مجدٍ”. (أش14:63).
الرّوح القدس كملاك:
- “وظهر له ملاك الرّب بلهيب نار من وسط علّيقة. وإذ العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق“.(خر2:3).
- “هاأنا أرسل ملاكاً أمام وجهك ليحفظك في الطريق وليجيء بك إلى المكان الذي أنا أعددته”.(خر20:23).
- “وأنا أرسل أمامك ملاكاً وأطرد الكنعانيين والأمورييّن والحثييّن والفرزّيين والحورييّن واليبوسييّن“.(خر2:33).
- “وقال وجهي يسير فأريحك. فقال له إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من ههنا.“(خر14:33_15).
- هذه الآية موجودة في بعض الترجمات، جاءت فيها كلمة روحك بدل كلمة وجهك ويؤكد ذلك سفر اللاوييّن. ” أني أنا الرّب الذي أصعدكم من أرض مصر ليكون لكم إلهاً، فكونوا قديسين لأني أنا قدّوس”. (لاو45:11).
- أيضاً في سفر العدد ” فصرخنا إلى الرّب فسمع صوتنا وأرسل ملاكاً وأخرجنا من مصر وها نحن في قادش مدينة في طرف تخومك”. (16:20).
- وأيضاً في التثنية ” الرّب إلهكم السائر أمامكم هو يحارب عنكم حسبما كلّ ما فعل معكم في مصر أمام أعينكم”. (30:1).
- وفي حجّاي إذ يقول الرّب:” حسب الكلام الذي عاهدتكم به عند خروجكم من أرض مصر وروحي قائم في وسطكم”. (.5:2). وهذا دليل أن الرّوح القدس كان كملاك.
- “وفي كلّ ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلّصهم بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة.” (أش9:63). فالملاك يسلم رسالة إلهيّة، فنستنتج ألوهية الرّوح القدس من كونه ملهماً للأنبياء وموحياً بالنبوآت.[5]
- وهناك وصف لملاك في العهد القديم في (دانيال5:10_6) ” رفعت ونظرت فإذا برجل لابس كتاناً وحقواه متمنطقتان بذهب أوفاز. وجسمه كالزبرجد ووجهه كمنظر البرق وعيناه كمصباحي نار وذراعاه ورجلاه كعين النحاس وصوت كلامه كصوت جمهور.” يقابله في العهد الجديد رؤيا يوحنا (13:1_16).
صفات وأعمال الرّوح القدس:
وكما قلت في البداية أنّ الرّوح القدس مشارك للأب في الخلق، فهو كذلك مشارك له في السلطة والقدرة. فهو مساوٍ في كلّ شيء وأعني الألوهيّة.
الرّوح الخالق:
- “روح الرّب صنعتني ونسمة القدير أحيتني”. (أيو33:4).
- “ترسل روحك فتُخلق. وتجدّد وجه الأرض”. (مز30:104).
- “بكلمة الرّب صنعت السّماوات وبنسمة فيه كل جنودها “. (مز6:33).
فإذا كان الله هو الخالق،فمن يكون الرّوح إذاً؟ فإنّ به تم الخلق، وذلك باتحاده بالله فهو إله.
الرّوح حاضر في كلّ مكان:
- “أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب”. (مز7:139).
هذا ما قاله داود الملك، وأضاف أنّه إذا هرب إلى السماوات أو الهاوية أم إلى أقاصي الأرض. فهو يرى روح الله أيضاً هناك. - “فقال لي تنبأ للروح ياابن آدم وقل للروح هكذا قال السيّد الرّب هلم ياروح من الرياح الأربع وهب على هؤلاء القتلى ليحيوا “. (حز9:137).
- “السائر أمامكم في الطريق ليلتمس لكم مكاناً لنزولكم، في نارٍ ليلاً ليريكم الطريق التي تسيرون فيها وفي سحاب نهاراً “. (تث33:1).
الرّوح القدس الفاعل بالجميع:
- “ويحل عليه روح الرّب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوّة روح المعرفة ومخافة الرّب”. (أش2:11).
- “قلباً نقياً أخلق فيًّ يالله وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي. لاتطرحني من أمام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني”. (مز10:51_11).
- “فنزل الرّب في سحابةٍ وتكلّم معه وأخذ من الروح الذي عليه وجعل على السبعين رجلاً الشيوخ”. (عدد25:11).
- “ياليت كلّ الشعب كانوا أنبياء إذا جعل الربّ روحه عليهم”. (عدد29:11).
فإن الروح القدس قد تكلم بالأنبياء (وفي دستور الإيمان نقرأ ” الناطق بالأنبياء” هذا يرفع كل ريب يكون الكتاب المقدس ملهماً بها من الله، سواءً في العهد القديم أو العهد الجديد لأن الروح القدس هو هو في الأنبياء والرسل).[6]
وكما نقول في الليتورجيا الأرثوذكسيّة، وبالتحديد في صلاة السحر “بالروح القدس تحيا كل نفس وتتنّقى مرتفعة ولامعة بالثالوث الواحد بحال خفية سريّة”. [7] بالروح القدس ننال كل المواهب التي تجعلنا قريبون من الله، وأن نتعرف عليه بشكل أوضح دون شوائب. فهناك نعمٌ ومواهب تُعطى للإنسان الذي حل عليه الرّوح القدس. فهناك الكثير من مواهب الرّوح القدس قد ذكرتها في أشعيا (2:11). ” أفعال الرّوح القدس هذه تسمى أفعال نعمة. وبما أنها مختلفة الأسماء منها: السابقة والمحرّكة والمبررة والمؤازرة. بأفعال النعمة يعطى الحياة الرّوحية للإنسان المائت روحياً. ومن هنا دعوة الرّوح القدس في دستور الإيمان (المحيي) أي مانح النعمة.[8]
الخاتمة:
يتّضح ممّا سبق من آيات الكتاب المقدس وما علّقت عليه بعض الكتب التي درست وناقشت ألوهية الروح القدس. أصلُ أنا أيضاً كما وصلوا هم إلى نتيجة قاطعة عن ألوهية الرّوح القدس الواضحة المعلنة في العهد القديم والتي أكد عليها العهد الجديد، فبما أنّ الرّوح القدس هو واحد من الأقانيم الثلاثة للثالوث (أي هو مختلف الأقنوم) لكن حسب دستور الإيمان هو متحد ومساوٍ مع الأب والابن في الجوهر. بانبثاقه عن الآب الأزلي. وبالتالي يملك الرّوح القدس إرادة حرة وفعلاً وقوة كليّة. فالله خلقنا على صورته وشبهه (تك26:1أ) و(27:1). فنحن المركبين من جسد وروح فما الأحرى بنا أن نشابه الرّب الذي خلقنا. الذي هو من الأزل جسد وروح فالروح هو مع الله ومن الله ومساوٍ له، والمنبثق منه. وهنا يذكّرنا القديس يوحنا الدمشقي “ينبغي الاعتراف بتقوى، أنّ الرّوح القدس موجود في الطبيّعة الإلهيّة البسيطة وغير المركّبة، ولايجوز أن تعتبر أنّ الرّوح القدس غريباُ يدخل إلى الله من الخارج.[9]
لذا علاقة الرّوح القدس مع الآب مثل علاقة الابن أي اتحاد في الجوهر، لكن هناك اختلاف أقنومي وهو أن الابن مولود من الآب والرّوح القدس منبثق من الآب ولاتجوز الصفتين على الاثنين (وبالعكس) والآب هو الوالد والباثق.
” أن كلمة روح الله نفسها تدل على أنه ليس من العدم بل هو من جوهر الله ومستقر فيه”.[10]
أمّا ممّا جاء على لسان الأباء من تعابير بشريّة عن الرّوح القدس ومساواته للآب في الجوهر واستخدامهم لكلمات خاصّة، وعامّة. فما هي إلا محدوديّة الإنسان المحدود الذي لا يستطيع أن يعبّر إلا بما أعطاه الله من فهم الذي لا يحد ولا يدرك ولا يقترب منه. فكلّ ما قيل يبقى غير كامل والكمال وحده لله.
Amen.
معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي
السنة الثانية-الفصل الأول
المادة: عقائد
أستاذ المادة: الأب الكتور جورج عطية
تقديم الطالب: سليم وسوف (الشماس نيقولاوس) العام الدراسي2002/2003
[أنهى الشماس نيقولاس دراسته عام 2005، وسيم شماساً عام 2025… الموقع]
المصادر:
الكتاب المقدس. دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط
المراجع:
1_عطية، جورج (الأب)، كتاب الأمالي، مادة عقائد، ص63.
2_كتاب السّواعي الكبير.
3_ البلمند (جامعة)، الإناء، معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي، السنة الأولى، العدد الأول، ربيع1991.
4_مجموعة من المؤلفين، الروح القدس، سلسلة تعرف إلى كنيستك15، منشورات النور1983،ص43.
5_ أفلاطون، (مطران موسكو)، الخلاصة الشهية في أخص العقائد الأرثوذكسّية، منشورات النور1983.
6_أليفيزوبولس، أنطونيوس (الأب)، زاد الأرثوذكسيّة،سلسلة تعرف إلى كنيستك18،ت، الأب قسطنطين يني، منشورات النور1980.
7_ مجموعة من المؤلفين، الرّوح القدس، سلسلة تعرف إلى كنيستك15، منشورات النور،1983.
8_مؤتمر الدراسات الآبائية السنوي الثاني، الرّوح القدس عند الآباء، مركز دراسات الآباء4، مؤسّسة القدّيس أنطونيوس، مصر،1994.
Przypisy
[1]_عطية، جصورج (الأب)، كتاب الأمالي، مادة عقائد1،ص1.
[2] _افدوكيموف.بول. الروح القدس في التراث الأرثوذكسي، سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم، ص31.
[3] _كتاب السواعي الكبير ص45.
[4] _أليفيزوبولس، أنطونيوس (الأب)، زاد الأرثوذكسيّة،سلسلة تعرف إلى كنيستك18،ت. الأب قسطنطين يني، منشورات النور1980.
[5] _ مجموعة من المؤلفين، الرّوح القدس، سلسلة تعرف إلى كنيستك15، منشورات النور،1983.
[6] _أفلاطون. (مطران موسكو). الخلاصة الشهية في أخص العقائد الأرثوذكسّية. منشورات النور. بيروت، لبنان.1957 .ص107.
[7] _مجموعة من المؤلفين. الروح القدس، سلسلة تعرف إلى كنيستك15، منشورات النور1983،ص43.
[8] _المرجع السابق، ص108.
[9] _أليفيزوبولس، أنطونيوس(الأب)، زاد الأرثوذكسيّة، سلسلة تعرف إلى كنيستك18،ت، الأب قسطنطين يني، منشورات النور1980، ص108.
[10] _ عطية، جورج (الأب)، كتاب الأمالي، مادة عقائد. ص63.
