في الرابط التالي ستجد قصة القديس يوحنا الذهبي الفم بالتفصيل http://www.antiochair.com/history/04...Chrysostom.htm

واعظ انطاكية والمسكونة. التصق اسمه بالقداس الإلهي. تقول عنه نصوصنا الليتورجية انه امُتحن "بالتجارب كالذهب بالنار" وهو "الآلة الملهَمة من الله" و "عمق الحكمة" و "خزانة اسرار الكتب" و "أبو الأيتام ومُطعم الجياع وطبيب النفوس الحاذق الكلي المهارة".

ولد في انطاكية العظمى حوالي 347م. وهو من علية القوم. الدور الأكبر في تربيته كان لأمه انثوزا، زينة الامهات المسيحيات الانطاكيات. درس الخطابة والآداب على المعلم الوثني ليبانيوس فأجاد وتفوق. اعتمد في سن الثامنة عشرة. معمودية الاطفال، كانت يومها معروفة ولكن، غلبت معمودية الكبار للتوقير الشديد الذي أحاط به المؤمنون السرّ. بكلمات پلاديوس ان يوحنا، بعد معموديته، "لم يعرف القَسم ولا افترى على احد ولا تكلم زورًا ولا لعن ولا حتى سمح لنفسه بالمزاح".

طلّق غوايات العلم الدنيوي ومال إلى الرهبنة لأنه اعتبرها اقصر الطرق وأضمنها إلى السماويات. حوّل بيته ديرًا لبعض الوقت لأنه لم يشأ ان يترك رأفةً بأمه الأرملة. ويبدو انه اقتنى، آنذاك، الصلاة النقية وهدوء الذهن ووداعة لا تتزعزع.

إنصرف إلى الجبال، جنوبي انطاكية، بعد وفاة والدته. عاش راهبًا فناسكًا ست سنوات. بالغ في النسك. قيل انه بقي سنتين دون ان يستلقي. أصيب في كليتيه ومعدته فعاد إلى المدينة.

رسمه القديس ملاتيوس الكبير شماسًا (381م) وفلافيانوس كاهنًا (386م) . أولى مواعظه القاها يوم رسامته بحضور الأسقف. كان هذا حدثًا فريدًا لأن الأسقف وحده، يومها، كان الواعظ.

كهن ووعظ في انطاكية إثني عشر عامًا. كان يتدفق كمياه النهر يسبر غور الأسرار الإلهية ويفسّر الإيمان ويربط الكل بحياة الفضيلة. تسمية "الذهبي الفم" متأخرة من القرن السادس. كان يجتذب المدينة ويأسر القلوب ويثير حماس المؤمنين فيصفقون. لم يترك موضوعًا إلا طرقه ولا مفسدة إلا تعرّض لها. ومع ذلك قال: "لو اراد انسان غريب ان يقارن بين احكام الإنجيل وما يمارسه المجتمع لانتهى إلى ان الناس ليسوا هنا (في انطاكية) ليسوا تلامذة المسيح بل اعداؤه".

كان يعظ حتى خمس مرّات في الأسبوع وكانت العظة الواحدة تمتد احيانًا ساعتين . أبرز مواعظه، في تلك الفترة، الإحدى والعشرون بشأن التماثيل.

كان الذهبي الفم قصير القامة، اصلع، نحيلاً، غائر الخدين والعينين، عريض الجبين أجعده، رمادي اللحية. له صوت رفيع ضعيف يستحيل رعدا احيانًا. وكان يكره الضجيج وصبغ وجوه النساء والابتسامات المتكلفة.

عُين رئيس أساقفة القسطنطينية في أوائل 398م. نقلوه إلى المدينة المتملكة بالحيلة.

لم يتذلل للأغنياء ولا لمن حسبوا أنفسهم أولياء نعمته. كان عاديًا معهم. أفرغ داره من الأثاث الثمين والأواني الفضية وحوّل الأموال لبناء المستشفيات
ومضافات الغرباء. أزال عادة إقامة المآدب الرسمية وامتنع عن قبول دعوات مماثلة. كان يتناول طعامه منفردًا. التزم خط الفقر الإنجيلي لكنه سخى على الفقراء واهتمّ بالمرضى والمساجين. ولكي يحوّل الشعب عن الألعاب والمباريات والمسارح اعتاد أن يطلق مسيرات الصلاة والترتيل من الصباح إلى المساء ويقيم السهرانات.

انقسم الناس حياله فريقين :واحد تحمّس له وواحد تحمّس ضده. المتضررون والمتبرمون لفقوا وشيّعوا أخبارا أنه شاذ ومتكبر وان انكفاءه انانية وعزلته للعربدة والمجون. آخرون اعترضوا : "نحن لسنا رهبانا!".

أبرز أعدائه كانت الملكة إفدوكسيا وأسقف الاسكندرية، ثيوفيلوس. هذا الأخير جمع بعض الأساقفة المغرضين الموتورين وعقد ما يعرف بمجمع السنديانة (403م). القرار كان تنحية الذهبي الفم. صدّق الامبراطور على القرار وجرّد الذهبي الفم وأمر بنفيه. لم يفتح قديسنا فاه. سلّم كمعلمه. في اليوم التالي لنفيه زلزلت الأرض فأعادته الملكة تائبة. بعد شهرين نفوه من جديد، فثار الشعب وأريقت الدماء.

جرّره جلادوه ثلاث سنوات وثلاثة أشهر نحو كوكوزا، بين كيليكيا وأرمينيا، ثم نحو كومانا في البنطس. كابد الاستشهاد البطيء. عانى البرد والحر والخطر والمرض والأوجاع. أرهقوه حتى مات. أكثر رسائله كتبها من المنفى. رقد في 14 ايلول 407م. آخر كلماته كان: "المجد لله على كل شيء!" كان قد أتم الستين من العمر والعاشرة من اسقفيته.

تعيّد له الكنيسة في 27 كانون الثاني، ذكرى نقل رفاته إلى القسطنطنية (438م) . وأيضًا في 13 تشرين الثاني بدل 14 ايلول، ذكرى رقاده وبالتالي ولادته إلى السماء. كذلك تعيّد له الكنيسة في 30 كانون الثاني بجانب القديسين باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي في ما يعرف ب"عيد الاقمار الثلاثة". أكرمه الشعب قدّيسًا، على غير العادة المألوفة، وهو بعد حيّ.

هذا وقد حفظ لنا الثراث عن القديس يوحنا مجموعة ضخمة من المؤلفات. أكثر ما عندنا منه مواعظ في تفسير نصوص وحتى كتب باكملها من العهدين القديم والجديد. أبرز هذه المواعظ تلك التي تناول فيها مختارات من المزامير وانجيل متى والرسالة إلى اهل رومية. ولنا منه ايضًا عدد كبير من المواعظ التقريظية تناول فيها شخصيات كتابية وعددًا من الشهداء والاساقفة الانطاكيين. أبرز هذه المواعظ السبع عن الرسول بولس. أكثر مواعظ المناسبات شهرة لديه، الإحدى والعشرون بشأن التماثيل. ولنا منه ايضًا مواعظ اخلاقية متفرقة ومواعظ في بعض الاعياد الليتورجية ومواعظ تعليمية للمزمعين على اقتبال المعمودية. على صعيد المقالات، أبرز كتاباته "في الكهنوت". وله مقالات عن الحياة الرهبانية والبتولية والترمل وتربية الاولاد والالم ومقالات ضد اليهود والوثنيين وغير ذلك. ولنا منه ايضًا 236 رسالة أبرزها الرسائل إلى الشمّاسة الأرملة أوليمبيا وعددها 710 هذا بالإضافة إلى كتابات اخرى يشكك الدارسون في نسبتها اليه.