رسالة رعوية بمناسبة عيد الظهور والعام الجديد 2011
"صوت الرب على المياه"

أيها الأبناء المُفتَدون والمحبوبون جداً بالرب
يظهر الرب اليوم ليقدّس بدءَ العام الجديد، فأسأله لكم جميعاً أن يرافق ظهورُه حياتَكم طيلة السنة القادمة بالنعمة.
تتغنّى طقوسُنا وصلواتنا، هذه الأيام، بقدرة الله! فالمياه والبحار هي كالنار، المكان الذي يعجز عنده الإنسان. لطالما ارتعب الناس من ظروف الطبيعة كالزلازل والأمراض، إلا أنّ هذه يمكن، بشكلٍ ما، تجنب أضرارها. أما المياه وعجيجها وغورها فهي عوالم الرعب والضياع. يأتي الآن "صوتُ الرب"، فتجزع المياه.يسكب الله نعمته فيتغلّب الإنسانُ على الرعب والضعف.
رغم كلّ ما تحمله هذه الصور من معانٍ حقيقية بين الله والإنسان والطبيعة، فإنها تحوي في مضمونها ما هو أكثر، وهو "العهد" من الله أن يغلبَ السلامُ الخوفَ والخيرُ الشرَّ والحياةُ الموتَ! لهذا ينبئُنا سفر الرؤيا أنّ الملاك كان يدوس على "بحرٍ من زجاج" (رؤ 4: 6، 15: 2) فغدا البحرُ كاليابسةِ، وما كان غوراً للغرق صار طريقاً للعبور، لكن بقدرة الله وفعله.
لا تخف، إذاً، أيها القطيع الصغير (لو 12:32). لقد خُلِقَ الإنسانُ ليسود لا ليركع، لقد أرسلنا الله خيراً على الشرّ. لتغيب الظلمة يكفي بصيصٌ من نور. حوّل َظلمةَ العالم إلى نورِ الإنجيل صيادو سمك، واثنا عشر! قلَبَ عتوةَ إمبراطورية بساطةُ إنجيل. خميرةٌ صغيرة تخمّر العجينَ كلّه! "ثقوا قد غلبتُ العالم" (يو 16: 33). بين مئات أنبياء البعل كان إيليا واحداً، وفي زمنٍ تاه فيه شعبٌ نطق فمُ إشعياء أو دانيال... كلمةُ الله تحوّل لججَ البحر إلى زجاج. الغلبةُ للخير أمرٌ محققٌ إن نطقتْ بفمنا كلمةُ الله وليس كلماتُنا! قلةٌ لا تغلب كثرةً، ومؤمنون بالحب والسلام قلائلُ لا يغلِبون تياراتٍ من الدهريّة. لكنّ الغلبة من النعمة!
إنّ كلمة الله هي القادرة أن تمسَّ قلوبَ البشر فتليّنَها وتجعلها روحية غير قاسية. لا يخمّر العجينَ عجينٌ بل حفنةٌ من خمير! ما أحوجنا إذاً لتعلّم كلمة الله وحملها!
يا أحباء، هذا هو طعامنا وسلاحنا، "كلمة الله". تعالوا ننهلها في بيوتنا، فنصلّي، نسجد، نصوم، نطالع الإنجيل، نقرأ كتباً روحية. وتعالوا نتمتّع بها ونشبع منها في طقوسنا، هناك في الصلوات والأعياد والقداس الإلهي والاجتماعات في أخوياتنا...
ما أفقرنا إن تكلّمنا (بكلامنا)، وما أغنانا إن بشّرنا (بكلمة الله). نحن "سفراء" المسيح في العالم. لنصلِّ: "افتح يا رب شفتيّ فيترنّم فمي بتسبحتك" (مز 50: 15) و"بروحك الرئاسي اعضدني، فأعلّم الأثمة طرقك والكفرة إليك يرجعون".
ما أحوج العالم إلى النعمة! ما أحوج العالم إلى السلام. العالم متنوعٌ والتنوع اختلاف. وعديدون للأسف يسلكون سياسةَ الحرب والعنف تجاه ذلك! العالم مضطربٌ لأنّ المحبة ليست غايتَه. العالم خائفٌ حين يعوز وحين يغنى لأنه ليس فقيراً بالروح إلى الله. العالم ضعيفٌ لأنه مؤسَّسٌ على هوان الإنسان وليس على كرامته. ما أحوج العالم، يا سفراءَ النعمة، إلى كلمة الله! ما أحوج عائلاتنا، وأنفسنا، وأخوياتنا، ولقاءاتنا،... إلى كلام نعمةٍ! صوتُ الرب يحوّل عجيجَ البحر إلى سطحِ زجاج. صوتُ الرب يليّن القلوب، صوت الرب حقٌّ ونعمةٌ وسلام. أنتم أبواقُ الكلمة، أنتم دويُّ روحٍ عاصفة، أنتم رسلُ الإيمان والأخلاق و"محبو ظهور السيد" وملكوته في العالم.

"أين أنتم؟"، أفي الخدمة تشجَّعوا، في النسيان تذكَّروا، في الشك تشدَّدوا! الحصاد كثيرٌ والفعلة قليلون. إنّ كنيستكم تقوم بكم وتحتاج إليكم، جميعاً. سنعاني حتى يدخل آخرُ واحدٍ منا إلى الخدمة، لن نرتاح وفي الرعية ساهٍ واحدٌ أو سارح. كلّنا مسؤولون. كلّنا أبواقُ الكلمة، صوّتتْ أم صمتتْ. تلك نصلّي ليشدّدها الروح، وهذه نصلّي لتفتحها المسؤولية. لا نهابُ امتدادَ الظلمة، ولا نخشى تفشي السوء، المستقبل رهنُ خيارنا. الأمسُ مضى، والحاضرُ اختبارٌ، والمستقبلُ خيار. لا نسعى إلى المستقبل بما عندنا بل بالـ "كلمة".
"تعالوا يا مباركي أبي رثوا المُلكَ المعدَّ لكم..." (متى 25: 34)، هذه صلاتي الأبوية،
أن يسمعَ كلٌّ منكم هذا الصوت العذب يوماً، لا بل كلَّ يوم.
وكــلّ عام وأنتـــم بخير.

المطران بولس يازجي

عن موقع مطرانية حلب