تُطالعنا في هذه الأيام وسائل الإعلام كافة، الصحف والمجلات والتلفزيونات ومساحات الإنترنت بخبر مهم قد جعله الله في علمه فقط ولم يعطَ ولا يسمح لأحد بمعرفته مهما علا وارتقى شأنه. يقول الخبر أن الأرض ستدمَّر سنة 2012 نتيجة إصطدامها بكوكب آتٍ من الفضاء أثناء دورانه. وسيؤدي هذا الإصطدام القيامة المنتظرة وتطرَّف البعض بالقول الى أن سفر الرؤيا قد أعلن عن ذلك.
وليست هذه هي المرَّة الأولى التي توقع فيها الناس حضور السيِّد له المجد وحلول اليوم الأخير يوم القيامة العامة، فعلى مدى الحوادث التاريخية كانت الفكرة تعم وأحياناً كانت تأخذ طابعاً مكانياً: فيوم سقوط أورشليم بيد الرومان ظنَّ الاسرائيليون أنها القيامة العامّة ولكنها لم تكن. ويوم حدثت الزلازل الكثيرة في الخامس للميلاد ظن الناس أيضاً أنها القيامة العامّة ولكنها كانت عبارة عن كوارث طبيعيّة تحدث في كثير من مناطق العالم حيث توجد الفوالق الطبيعيّة. ويوم أخذت تركيا أي السلطنة العثمانية بمهاجمة الدول الأوروبية ووصلت حتى أبواب فيينا قال الأوروبيون أن القيامة العامة قد قامت وذلك تحت تأثير الإنذهال والدهشة من شدة الحروب والمجاعات والأوبئة والقتلى في تلك الأيام أي حدث تقريباً ما يورد الإنجيلي متى في الإصحاح 24. ولكن القيامة العامّة لم تكن.
من ناحية ثانية على المستوى الديني حاولت الكثير من الطوائف أن تحدد يوم القيامة، وكانوا على الغالب إما في أميركا أو من القادمين الى بلادنا من أميركا وحتى من بلاد شرق آسيا. فحددوا نهاية القرن التاسع عشر وكذلك الحرب العالميّة الأولى والحرب العالميّة الثانية ولا زالوا يحددون يوم القيامة ويدَّعون أنهم ينتظرون، لإيهام الناس أنهم يعلمون بالغيبيات وقد كشف الله أسراره التي لم يعلنها لأنبيائه. فحوادث كوريا الجنوبية ومقتل العديد من الناس إنتظاراً ليوم القيامة العتيد مازال الكثيرون يذكرونه. وما حدث في أميركا وسمعناه من وسائل الإعلام حول القتل الجماعي الذي مارسته إحدى الشيع هناك مازال ثابتاً في الأذهان.
إننا في الكنيسة الأرثوذكسيّة نؤمن بأن الله سبحانه تعالى قد جعل لكلِّ شيء أجَل أي نهاية وللأرض جعل لها نهاية ولكن متى؟ يقول ربنا يسوع المسيح هذا ما جعله الله في سلطانه. وكما للأرض نهاية كذلك لكل الكواكب نهايات وتموت في الثقوب السوداء. ونحن في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقيَّة ما وقفنا في يوم من الأيام في وجه العلم مهما كان نوعه ونحترم كل اختباراته الصائرة لأجل البنيان واكتشافاته القائمة لأجل الخير لا بل نفرح بكل خبر علمي جديد "فكل عطيَّة صالحة وموهبة كاملة هي من لدنك يا أبا الأنوار" أي هذا كله قد جعله الله في خلقه.
إنَّ ما يجول اليوم في وسائل الإعلام قد يحدث، وقد يكون كذبة إعلاميّة لترويج فيلم بغية حصد الأرباح الطائلة والهائلة من وراء هذا الفيلم ولكي تكون أرباحه كثيرة وكبيرة وجب أن يشدَّ الناس إليه على قدر المبتغى من ورائه. فسُجلت هذه الدعاية على الأنترنت التي نسبت للناسا وكذبتها هذه الوكالة الفضائية.
سؤال هنا يطرح ذاته ما الذي يهم الناس في يوم القيامة ولماذا الخوف والهلع وهل أدى الخبر الى ازياد التقوى بين الناس والعودة للإيمان بسبب الانذار كما حدث مع أهل نينوى والنبي يونان أم أن الفوضى قد دبت في النفوس وكثرت الهلوسات وتعددت حالات الخوف واضطربت نفوس الناس، وصاروا يتسابقون على الأطعمة والملذات.
سؤال آخر يطرح نفسه ما هو الفرق بالنسبة للفرد بين اليوم المحدد سنة 2012 وبين اليوم الذي يموت فيه؟ وكذلك يصحُّ السؤال بالنسبة لدمار الجماعات. الذي حدث في هايتي ومات بسبب ذلك الزلزال أكثر من مئة ألف، ألا يمكننا اعتباره يوم القيامة بالنسبة لأولئك الناس والمنطقة.
أيها الإخوة والأبناء الأحباء إن اليوم الأخير آت بالنسبة للفرد أو الجماعات أو الدنيا بكاملها ولكن ليس هذا هو المهم، بل المهم أن يوجد الإنسان في ذلك اليوم ساهراً صاحياً مصلياً، تائباً، محباً، عاملاً للخير، يثمر فيه الروح القدس ثماره التي ليس من ناموس ضدها. هذه الثمار التي يقدِّمها لله لتكون جواباً حسناً للواحد منا أمام منبر الله الرهيب في ذلك اليوم العظيم. فصلوا وصوموا لكي لا تدخلوا في تجربة، وعيشوا في المحبة اليوم وغدٍ والذي بعده حتى عام 2012 وما بعده لأننا بها نَكْمُلُ في الذي أحبنا حتى أنه بذل إبنه الوحيد لأجلنا كفارة عن خطايانا ولكي يفتدينا من ناموس الخطيئة ويحررنا من ربقة ناموس الشريعة.
إن ما يهمنا هو رضى الله ولا يهمنا من هذه الدنيا لا الوقت ولا الساعة. ولا شيء من الأزمنة يحكم فينا كما يقول الرسول بولس بل نصرخ بلهفة الأبناء نحو الله أبينا الذي في السماوات أيها الآب تعالى ونحو ربنا يسوع المسيح تعال أيها السيد. إنزل أيها الروح القدس واسكن في قلوبنا وأثمر بها ثمار الإيمان والمحبة واجعلنا أبناء لملكوتك أيها الثالوث القدوس الإله الواحد لكي نسبحك مع الملائكة والقديسين ونستقبلك مستحقين في يوم المجيء الثاني مجيء الابن الوحيد ربنا يسوع المسيح الذي له السلطان أن يخلص كل الخليقة في يوم قدومه الرهيب.
باسيليوس
مطران عكار
الأحد 24 كانون الثاني 2010

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات