الشرح الرابع والأخير :
حيث إن اليهود كانوا يؤمنون أن السيد المسيح مجرد إنسان ويعتبرونه واحدًا مثلهم، ولم يضعوا فى ذهنهم كرامة الألوهية والمجد النابع منها، وبالتالى سيكون عملهم العنيف جداً أي الصلب وموت الجسد عليه ” متى رفعتم ابن الإنسان ” هو علامة واضحة جداً لهم وبرهاناً قوياً عن كون السيد المسيح هو الله، لأنه سيقيم حينئذ هيكله ثانية. وهذا ما يمكن أن نراه وهو يقول بوضوح لليهود الذين طلبوا منه آية ليؤمنوا: ” انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمه فقال اليهود فى ست وأربعين سنة بنى هذا الهيكل أفأنت فى ثلاثة أيام تقيمه وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده. فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا..” (يو18:2ـ22).

وأيضاً وهو يقول للفريسيين الذين جاءوا ليجربوه قائلين: ” يا معلم نريد أن نرى منك آية” (مت38:12) فإنه قال ” جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان فى فلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال” (مت39:12ـ40). لأنه أية علامة تليق بسلطان الله أعظم وأكثر وضوحاً من أن يبطل الموت ويلاشي الفساد؟ ويخبرنا الإنجيلي متى أن اليهود كانوا يخافون جداً آية القيامة لأنها قادرة على الإقناع بأن المسيح هو إله بالطبيعة، فهم حينما سمعوا بقيامة المخلص وأنه ليس موجودًا فى القبر، اضطربوا وخافوا جداً وبسبب قساوة قلوبهم، دبروا للتخلص من تصريحات الجنود وذلك بإعطائهم فضة كثيرة وجعلهم يقولون ” إن تلاميذه (السيد) أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام ” (أنظر مت11:28ـ15).


ملاحظات :
1 ـ يقرأ الفصل (يو28:8ـ42) مرتين فى السنة: فى عشية عيد الصليب (17توت/27سبتمبر ، 10 برمهات /19مارس ). لما جاء فيه من إشارة إلى رفع المسيح على الصليب واستعلان لاهوته .

(2) أن السيد المسيح يستخدم فى قوله ”متى رفعتم” الاصطلاح المحبب إليه ”ابن الإنسان” وهو الاصطلاح المعروف فى التقليد العبرانى (أنظر مثلاً حز26:1، ودا13:7)، والذى يرد كثيراً فى الأناجيل مرتبطاً بالآلام وبالمجئ الثانى (أنظر مثلاً مت22:17-23، 28:19، 30:24).

(3) التعبير ” أنا هو” أو أنا أكون أو أنا الكائن 'Egè e„mi تكرر ثلاث مرات فى الإصحاح الثامن (12:8 ،24،28) وهو التعبير أو الاسم الذى استعمله الرب فى العهد القديم حين سأله موسى عن اسمه فقال أهية الذى أهية ='Egè e„mi Ð ên (خر14:3).

(4) وأخيراً ليس من الضرورى أن يكون معنى قول السيد ” متى رفعتم.. ستعرفون أنى أنا هو ” أن اليهود سيعرفونه فى الصلب أو بعد الصلب، فقد تحققت فيه من قبل كثير من النبوات، ومع ذلك لم يؤمنوا به، أنظر على سبيل المثال (ميلاده من عذراء مت23:1، وإش14:7؛ ولادته فى بيت لحم اليهودية مت5:2، مى2:5؛ هروبه إلى مصر وعودته إلى أرض إسرائيل مت15:2، هو1:11؛ سكناه فى الناصرة مت23:2، مز6:22؛ عن تعليمه ومعجزاته مت16:4، إش1:9و2و42).

أيضاً فى الصلب طلب منه اليهود أن ينزل وهو حى عن الصليب ليؤمنوا به، فلم ينزل، ولكنه قام وهو ميت من القبر ومع ذلك لم يؤمنوا به. أى أنهم طلبوا منه أن يفعل أمرا سهلاً (النزول وهو حى من على الصليب) لكى يؤمنوا، ففعل الصعب (القيام وهو ميت من القبر) ومع ذلك لم يؤمنوا.

ولكن رغم أن اليهود فى جملتهم لم يعترفوا بالمسيح، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل الحقيقة أن الكثير منهم قد أمنوا به، سيان قبل الصلب (أنظر مثلاً يو23:2، 41:4ـ42) أو بعد الصلب (أنظر مثلاً أع2و7:6).
باختصار نستطيع أن نقول ” إن النور قد جاءَ إلى العالم (ولكن) أحبّ الناس الظلمة أكثر من النور (وذلك) لأن أعمالهم كانت شريرة، لأن كل من يعمل السيَّئات، يبعض النور ولا يأتى إلى النور لئلا توبخ أعماله. وأما من يفعل الحق فيقبل إلى النور لكى تظهر أعمالهُ أنها بالله معمولة(يو19:3ـ21). لقد أعلنها يوحنا صراحة ومن البداية: ” إلى خاصته جاءَ وخاصتهُ لم تقبله ” (11:1)[1].

2 المرجع: تفسير إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الأسكندرى، الجزء الرابع الإصحاح الثامن، إصدار مركز دراسات الأباء القاهرة 2000 .