معنى قول السيد المسيح لليهود:”متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ ستعرفون أنى أنا هو..” (يو28:8أ)عند القديس كيرلس الأسكندرىدياكون د. مجدى وهبهشرح أول :
بسبب أن اليهود نظروا إلى الجسد وما يتعلق به، فقد تحرك تفكيرهم فى السيد المسيح باستخفاف، فعلى سبيل المثال، عندما جاء إلى وطنه (الناصرة)، وكان يعلم فى المجمع، بُهتوا وقالوا ” من أين لهذا هذه الحكمة والقوات أليس هذا ابن النجار أليست أمه تًدعى مريم وأخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا أو ليست أخواته جميعهَّن عندنا فمن أين لهذا هذه كلها فكانوا يعثرون به ” (مت54:13-57؛ أنظر أيضاً مر5:2-7؛ يو56:8-59).
وإذ وضع اليهود هذا البرقع على عيون أذهانهم، لم يريدوا بالتالي أن يعرفوا أنه الله، ولذا كان من الضرورى أن يخاطبهم قائلاًَ: ” متى رفعتم ابن الإنسان...” أى حينما تَكفُون عن تفكيركم الصغير والوضيع عنى، وحينما يكون لكم فكر مرتفع وسام وغير أرضى من جهتى، وتؤمنون إنى أنا الله رغم أنى من أجلكم صرت إنساناً، فحينئذ ستعرفون بوضوح أنى أنا الذى أكلمكم من البدء (يو25:8) .
وواضح أيضاً من كلمات المخلص أنه إن كان لإنسان ما فكر وضيع عنه، وينظر إليه كمجرد إنسان، أو حتى نبي وليس إلهًا بالطبيعة، بالتأكيد لن يؤمن، به ولن يقبله كمخلص وفادى. وما هى النتيجة عندئذ؟ إنه سيكون قد سقط من الخلاص، لأن اقتناء الخلاص هو بواسطة الإيمان، وقد تلاشى الإيمان.
ويرى القديس كيرلس الأسكندرى أن الإنسان بتعديه الوصية (أنظر تك1:3ـ7):
فقد علاقة الأبوة بالله لأن الخطية قامت كحاجز فاصل بينهما ( أنظر تك8:3ـ13) .
وتشوهت صورة الله فيه (الإمكانيات)، وبالتالى أصبح الوصول إلى هدف الخلق (أن يكون الإنسان مثال الله فى الفضيلة وليس فى الجوهر) مستحيلاً، وهذا هو الموت الروحى للإنسان ( أنظر تك26:1ـ28 ، 16:2ـ17 ).
كما دخل الموت أيضا على طبيعته البشرية أو الفساد للطبيعة البشرية (أنظر تك19:3).
ويؤمن عمود الدين أن السيد المسيح بتجسده وفدائه خلص الإنسان من هذه النتائج الثلاثة كالآتى :
أ ـ أعاد علاقة الأبوة بين الإنسان والله من جديد، وذلك لأن كونه هو الوحيد الذى بلا خطية والذى مات عوض الخطاة، استطاع أن يرفع الخطية التى كانت سبب انفصالنا عن الله، كما يؤكد ذلك بولس الرسول بقوله: ” أن الله كان فى المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم...” (2كو19:5). وهكذا لم يعود الله يسمينا بعد عبيداً بل أحباءً (أنظر يو15:15).
ب ـ أعطى الإنسان إمكانية تحقيق حياة جديدة فضلى مع الله (أنظر يو10:10) وذلك لأن اتحاد اللاهوت بالناسوت فى السيد المسيح أعطى للطبيعة البشرية إمكانية نوال كل نعمة ونصرة على الخطية وعلى الشيطان (أنظر عب14:2ـ15)، وأيضا إمكانية قبول وسكنى الروح القدس بداخلها والذى يقودها إلى كل فضيلة (أنظر يو15:14ـ17) .
ج ـ أما الموت الجسدى فهو العدو الأخير الذى سيبطل ولن يسود بعد، وذلك فى الحياة الأبدية، عندما تقوم أجسادنا فى عدم فساد وفى مجد وقوة وروحانية، وقد أخذنا ضمان تحقيق ذلك بقيامة السيد نفسه فى مجد، كباكورة للخليقة الجديدة (أنظر 1كو15).
وهكذا فإن من يؤمن بالمسيح ويرفعه إلى ما يليق بالألوهية رغم أنه صار إنسانًا، ويعتمد على اسمه، ينال غفران الخطايا والولادة الروحية الجديدة ومشابهة المسيح نفسه (أنظرمر16:16؛يو3:3ـ5) وسوف يصل بأمان إلى المدينة التى هى فوق، وينال هناك مكافأة الإيمان. أما غير المؤمنين فسيكون نصيبهم فى البحيرة المتَّقدة بنار وكبريت ( أنظر رؤ8:21 ).
شرح ثانى:
قاوم اليهود السيد من البداية ولم يكفوا عن التجديف عليه وبلا أى حذر، فإنهم ذات مرة على سبيل المثال، أهملوا حديثه وبدون تقوى دعوه كاذباً. لأن قولهم ” شهادتك ليست حقاً” (يو13:8) ماذا يعنى غير هذا؟. وفى مرة أخرى بينما هو بمحبته يعلن الأمور المختصة بالخلاص، ويقول لهم: ” إن لم تؤمنوا أنى أنا هو تموتون فى خطاياكم ” (يو24:8)، فإنهم بدأوا يقاومونه بشدة قائلين: ” مَن أنت” (يو25:8)، ولقد وصلت مقاومتهم ضده إلى النهاية المرعبة، أى إلى الصليب والقتل. لذلك فبالنسبة لهؤلاء الذين كانوا يتمرغون بدون تحفظ فى التهور، كان هناك احتياج لكلمة تهديد تخبرهم بكل وضوح، أنهم لن ينجوا من العقاب وأنهم سينالون فى المقابل نصيبهم الذى لا يحتمل، ولقد أوضح السيد ذلك بقوله مرة عن المدينة المقدسة مخاطباً إياها: ” يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يُترك لكم خراباً” (لو34:13ـ35). فها ” ستأتى أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفى زمان افتقادك” (أنظر لو41:19ـ44). ومرة أخرى قال: ” حينما ترون أورشليم محاطة بجيوش، حينئذ تقولون للجبال اسقطى علينا وللآكام غطينا” (أنظر لو20:21، 30:23) كما أنه طلب من النسوة الباكيات أن لا يبكين عليه بل أن يبكين على أنفسهن وعلى أولادهن بسبب هذا الخراب الذى ينتظرهم (أنظر لو28:23).
وبناء على ما سبق يكون معنى القول ” متى رفعتم ابن الإنسان...” أنه حينما تسلمون ابن الإنسان للصلب، وتنالون عندئذ عقابكم الجزائي، وترون إنكم تدفعون العقوبات المقابلة العادلة لأعمالكم المتهورة ضدى، حينئذ ستعرفون أنى أنا هو الله الكلى القدرة، لأنه إن كان عصفور واحد لا يدخل فى فخ الصياد بدون إذن الله . فكيف تمضى أرض بأكملها والأمة المحبوبة، إلى خراب كامل لو لم يكن الله الضابط الكل قد أذن أن يصير هكذا؟. وفى الحقيقة لقد نال اليهود عقاباً لا يُحتمل فى حربهم مع الرومان والتى حدثت بعد صلب المخلص، حوالى سنة 70م، والعجيب أنها حدثت يوم جمعة عيد الفصح فى تلك السنة، فلقد حاصر الرومان أورشليم ومع الحصار الشديد والمستمر، ظهرت المجاعات فى كل المدينة، والتى دفعت اليهود إلى أكل أطفالهم، وعندما دخل الرومان المدينة المقدسة بعد ذلك هدموا كل شئ فيها وخربوا الهيكل وقاموا بإجلاء الكثيرين من اليهود عن وطنهم، وذبح من بقى منهم بطريقة وحشية. كل هذا وأكثر يرويه المؤرخ يوسيفوس فى تاريخه (الحروب اليهودية).
وربما يتوارد هنا على ذهن القارئ هذا السؤال: هل الله ينتقم لنفسه من البشر أو هل هذا من صفات الله (المنتقم)؟. ونجيب بالطبع لا، فالذى عَلَّم مؤمنيه أن ” يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم ويحسنوا إلى مبغضيهم ويصلوا لأجل الذين يسيئون إليهم ويطردونهم ” (مت43:5ـ44). كيف يكون هو بمنتقم بعد ذلك. فى الحقيقة أن ما ناله الشعب اليهودى من خراب، هو النتيجة الطبيعية لأعمالهم الشريرة ” فالذى يزرعه الإنسان إياهُ يحصد أيضًا” (غلا7:6) ولكنك قد تقول كيف يكون هذا والآية تعلن بصراحة ” لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل أعطوا مكاناً للغضب لأنهُ مكتوب لى النقمة أنا أجازى يقول الرب” (رو19:12؛ تث35:32). نعم الآية صريحة ولكنها تعنى أن السيد الرب لا يطالبنا بالانتقام لأنفسنا، بل أن نترك هذا له لأنه عمله فى ساعة الدينونة، كما يقول الكتاب أيضًا ” ها أنا آتى سريعاً وأجرتى معى لأجازى كل واحد كما يكون عملهُ ” (رؤ12:22).
شرح ثالث :
لقد صرف السيد المسيح زمناً طويلاً وهو يقيم مع اليهود ويتحدث معهم فى كل مجمع، واضعًا أمامهم مرات كثيرة وبوفرة، تعليماً نافعاً، وكان يدعوهم باستمرار إلى الاستنارة، ويمكن للمرء أن يرى هذا بوضوح من كلماته: ” أنا هو نور العالم..” (يو12:8) ” ومادام لكم النور سيروا فى النور لئلا يدرككم الظلام” (يو35:12) و” أنا قد جئتُ نوراً إلى العالم حتى كلُّ مَن يؤمن بى لا يمكث فى الظلمة” (يو46:12). ولكنهم إذ كانوا يفكرون بحماقة شديدة، كانوا دائماً يقاومونه ويرفضون تعاليمه. وحدث أنه بعد موت مخلصنا المسيح وقيامته أن النور ابتعد عن إسرائيل بعدل وذهب إلى الأمم، ولذا فإن أذهان اليهود قد أظلمت، بينما قلوب الأمم قد استنارت، وبالتالى يكون معنى قول السيد ” متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ ستعرفون..” أى سيعرف حينئذ اليهود أن السيد لم يقل عن نفسه كذباً أنه ” نور العالم ” لأنهم سيرون أنفسهم مظلمين وجموع بلا حصر من الأمم مستنيرين (أنظر لو30:2ـ32 ).
وحقيقة أن حضور المسيح (النور) فى حياة المؤمن يجعل الظلمة تتلاشى، كما أنه يعطى العقل استنارة تجعله قادراً على التمييز بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الحقيقة والوهم. هكذا يصبح الإنسان كله جسداً ونفساً تحت سلطان العقل المستنير بالمسيح، وهكذا يتغير ويتجدد الإنسان ويتجلى وينال بعض النصيب من ذلك المجد الروحاني العتيد أن يكون فى قيامة الأبرار ” قد خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذى يتجدّد للمعرفة حسب صورة خالقه” (كو9:3ـ10) أما احتجاب النور أو رفضه ينتج الظلمة، ومَن يسلك فى الظلمة لا يعلم أين يمضى، لأن الظلمة أعمت عينيه (أنظر 1يو11:2).
والعجيب أن الرب يسوع كان يتحدث بهذا لليهود عند الجزء من الهيكل المسمى ”صندوق التقدمات” (يو20:8) حيث كانت الشموع توقد رمزاً إلى عمود النار الذى قاد شعب بنى إسرائيل فى البرية (أنظر خر21:13ـ22) وفى هذا السياق دعا الرب يسوع نفسه نور العالم.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات