تقيم كنيستنا المقدّسة في التّاسع والعشرين من شهر كانون الأوّل تذكار أطفال بيت لحم الذين أرسَلَ هيرودس الملك يقتلهم بعدما ذهب المجوس من دون أن يخبروه عن مكان المسيح المولود جديدًا (متى 2: 16-18).
هذا الحدث سبق إرميا النّبي أن تنبَّأ عنه قائلاً: "هكذا قال الربّ. صوتٌ سُمِعَ في الرَّامة، نوحٌ بكاءٌ مرٌّ. راحيل تبكي على أولادِها وتأبى أن تتعزّى عن أولادها لأنّهم ليسوا بموجودين" (إرميا 31: 15-17). إنّ هؤلاء الأطفال، كما نسمع في خدمة سحر 29 كانون الأوّل، قُدِّموا ضحايا كاملة للمسيح السيِّد، فقد ذُبِحوا من أجله لذلك يملكون معه.
في أيّامنا هذه نجد الكثير من الهيرودسيّين قتلة الأطفال، إلاّ أنّ أطفال هذه الأيّام لا يُقتَلون من أجل المسيح، بل من أجل القاتل نفسه، فكيف يكون ذلك؟
كثيرًا ما نسمع عن حالات إجهاض تحدث هنا وهناك لأسباب عديدة أهمّها حقوق المرأة في المحافظة على جسدها، وانعدام المسؤوليّة لدى عنصر الشّباب الذي جاء نتيجة سوء فهم الحريّة واستعمالها، إضافةً إلى الأسباب الاقتصاديّة والمعيشيّة التي تصبح دافعًا للإجهاض من دون أن يتذكّر الوالدان كلام الربّ: "أنظروا إلى طيور السّماء، إنّها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السّماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحريّ أفضل منها؟" (متّى 6: 26). ولا ننسَ الأسباب الطبيّة التي تُجبِر على الإجهاض، الأمر الذي يتمّ بمشورة الطبيب والأب الرّوحي.
أصبح الإجهاض في أيّامنا أمرًا عاديًّا يتمّ بدمٍ باردٍ وبخاصّة لدى المراهقات اللواتي يتأثّرنَ بالحريّة التي يتمّ التسويق لها بشكل خاطئ عبر الأفلام والمسلسلات، فأصبحت نتيجة الخطأ إجهاضًا، كما أنّ نتيجة الخطيئة الموت. هنا تكون النّتيجة موتًا مزدوجًا: موت جسديّ للجنين، وروحيّ للأهل.
لقد دانت الكنيسة منذ البداية جريمة الإجهاض وجعلت عقوبته مساوية لعقوبة القتل، فنقرأ مثلاً في القانون 91 من قوانين المجمع السادس: "إنّ النساء اللواتي يعطين عقاقير لإسقاط الجنين واللواتي يأخذن السموم لقتل الجنين يقعن تحت قصاص القتلة"، كما نقرأ عددًا من القوانين المشابهة لدى القدّيسين باسيليوس الكبير ويوحنّا الذّهبي الفم وفي مجامع مسكونيّة أخرى. إذًا، فإنّ الإجهاض في نظر الآباء القدّيسين والكنيسة هو جريمة مساوية لجريمة القتل.
الأمّهات في هذه الأيّام لا يشبهن راحيل التي تحدّث عنها النبي إرميا. تلك انتحبت على أولادِها المقتولين وأمّا نساء اليوم يقتلن أجنّتهنّ طوعًا واختيارًا لأسباب عديدة. أصبحت الأمومة لدى النّساء المجهضات نقمةً بدلاً من النّعمة، وبوجودهنَّ انتقلت الأمومة من صورة الرقّة التي تغنّى بها شعراء العالم أجمع إلى صورة وحشيّة ترفضها الإنسانيّة.
إنّ الأهل الذين يسعون إلى الإجهاض يماثلون هيرودس، في حين أنّه على الأزواج أن يكونوا على صورة الثالوث القدّوس حيث يكون المسيح هو ثالث فردٍ في العائلة وهو الذي يجمعها ويباركها ويصونها، فمتى ابتعدنا عن الله اتّجهنا نحو الخطيئة وبها نحو الموت. إضافةً إلى ذلك، فقد أُعطينا أمًّا كانت مثالاً للأمومة والقداسة، أي مريم العذراء "فخر العذارى والأمّهات". فعندما تتبع النّساء خطى سيّدتنا والدة الإله لن يعدن إلى التّفكير بأيّ أفكار مؤذية، بل سيسعين إلى القداسة وطاعة الله كما كانت مريم العذراء "أمةً للربّ".
في قنداق عيد الشّعانين يُقرأ على مسامعنا التالي: "أوصنّا لابن داود إذ لن تعود الأطفال تُذبَح كما قيل من أجل طفل مريم، بل وحدك تُصلَب من أجل جميع الأحداث والشيوخ". هذا ما فعله المسيح من أجل العالم، إذ صُلِبَ حامِلاً خطاياه وماحيًا آثامه بدمه الكريم. نحن بأعمالنا الخاطئة نكون جاحدين تجاه هذا العمل الخلاصي بدلاً أن نتقدّس ونسعى إلى التوبة الحقيقيّة والعيش بحسب الله. وكلّ امرأة تفكّر في أتعاب الحمل وآثاره على جسدها فلتفكّر بالعواقر اللواتي يتمنّين الإنجاب ولا يقدرن، وكلّ مَن تفكّر بالإجهاض فلتفكّر براحيل ومريم العذراء وبدلاً من أن تكون عبدةً للخطيئة فلتكن "أمةً للربّ".

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات