لو 9
«وإذا ملاك الرب وقف بهم، ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفاً عظيماً». الليل ليل شتاء، وظلمة الشتاء ثقيلة، وأي بصيص نور يجذب الأبصار، فما بالك بنور مجد الله بضياء يملأ السماء والأرض على مستوى البرق، وفي لحظة يلفُّهم النور وكأنهم صاروا في بؤرة الشمس بلا حرارة. فأي خوف يتحتَّم أن يعتريهم؟ وهم رعاة سُذَّج. ولكن الذي يسترعي أبصارنا نحن أن يكون هذا ضياء مجد الرب نفسه، وهو نفسه ملقى هادئاً في المذود يلفُّه قماط!!! وتم القول: » الذي نزل من السماء (إلى الأرض)، ابن الإنسان الذي هو في السماء «(يو 13:3). مَنْ يفهم ومَنْ يصدِّق ومَنْ يسبِّح؟ أليس هذا المنظر فيه ما يفك أُحجية التجسُّد؟؟ على المستوى العلني والمنظور.
لو 10
«فقال لهم الملاك: لا تخافوا. فها أنا أُبشِّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب». “خوف عظيم”، و“فرح عظيم”:
أليس هذا هو الإنجيل أي البشارة المفرحة جداً؟ أول مَنْ فسَّره ملاك،
وأول مَنْ سمعته آذان رعاة! واللغز هنا بديع، فالبشارة للرعاة، والفرح للشعب، وما على الرعاة إلاَّ البلاغ. وكأنه في مخافة عظيمة جداً يتقبَّل الرعاة البشارة لينقلوها مفرِّحة لجميع الشعب. وهكذا فأول مَنْ سمع البشارة ورأى المولود هم الرعاة، إن في هذا تناسقاً بديعاً.
ولكن نقطة التركيز في هذه الآية أن البشارة بالميلاد فيها فرح عظيم، وكم مرَّة عيَّدنا للبشارة ولم نفرح؟ بل وكم مرة قرأنا وسمعنا البشارة ولم نفرح؟ إن في هذا إشارة إلى عطل في السمع والفكر في تقبُّلنا لأعمال الله وأسراره، لنا آذان لا تسمع! إن الفرح العظيم الذي يكون لجميع الشعب انطلق من الميلاد ليؤسِّس دعامة في قلب الإنسان لا يمحوها الزمن، ارتفعت عالياً يوم القيامة لتنهي عهد شقاء الإنسان إلى الأبد: » أُبشِّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب «كل الأيام.
لو 11
«أنه وُلِدَ لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح الرب». هذا هو “الفرح العظيم”، يقول الملاك: » أُبشِّركم بفرح عظيم... أنه وُلد لكم مخلِّص « نقول تعليقاً على قول الملاك: “الفرح قد وُلِد في أرواحنا وليس في جسدنا. والجسد يموت ويبقى الفرح العظيم
نحمله معنا إلى السماء، فلا الموت ولا الحزن ولا العالم يقدر أن يلغي فرحنا. فرحنا في روحنا، فهو بمنأى عن أتعاب هذا الدهر. يشقى الجسد ويمرض ويتألم جداً وطويلاً، ولكن يبقى فرحنا غالباً. المسيح قام، والمسيح لن يموت بعد، وهكذا فرحنا لن يموت إلى الأبد”.
هنا دخلت الرواية التاريخ رسمياً، وابتدأ للتو العدّ التصاعدي للصليب.
فليس اعتباطاً أن يقرن الملاك المولود بـ “الخلاص”. فيوم الرب هو يوم الخلاص بكل تأكيد. فإن كان قد وُلد يسوع حسب تسمية الملاك ليوسف سابقاً؛ فهو، بآن واحد، مسيَّا الله القادم بالخلاص على كتفيه: » لأنه يخلِّص شعبه من خطاياهم. «(مت 21:1)
عيني على الطفل المقمَّط في المذود كيف وُلِد ليُصلب؟ إذ حمل هذه الألقاب جميعها من فم الملاك: “مخلِّص هو المسيح الرب”.
أما فرحة الرعاة بالحمل المولود، فلأنه سيعفيهم من رعي الغنم لحساب الهيكل ومن سهر الليالي في شتاء بيت لحم القارس، فقد قدَّم نفسه - عوضاً عن جميع خرافهم - مرة واحدة لخلاص العالم كله. فليقفل الهيكل أبوابه ويسرِّح رعاته مع قطعانهم!!
لو 12
«وهذه لكم العلامة: تجدون طفلاً مُقمَّطاً مُضجعاً في مذود». وكما أَوحى ملاك البشارة للعذراء القديسة لزيارة أليصابات كونه أعطاها مثلاً لتتأكَّد منه على أنه ليس شيءٌ غير ممكن لدى الله، فهو كما يعطي العاقر ولداً يعطي العذراء حَمْلاً، هكذا ملاك الرعاة أعطاهم العلامة: طفلاً مقمَّطاً موضوعاً في مذود وعلى قيد خطوات من مركز سهرهم! فقاموا كما قامت العذراء وأسرعوا، وكان قصد الملاك على المستوى الأعلى أن يروا المسيَّا رؤية العين ويقين اللمس: » الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة!! «(1يو 1:1) حتى إذا رأوا ولمسوا وتحققوا، يذيعون خبرتهم هذه التي بالعين واليد: » وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب
وأُظْهِرَت لنا (طفلاً في مذود). «(1يو 2:1)
وهكذا صار الرعاة أول الشهود وأول الرسل. ولكن كان الملاك بادئ كل ذي بدء عاطفاً أشد العطف على تلك العذراء الوالدة، فأراد أن يفرِّح قلبها بأعظم شهادة تجيئها في منتصف الليل من فم الرعاة كما رأوا في السماء وسمعوا أن الذي في حجرها تسبحه الملائكة وهو حقاً المسيَّا والمخلِّص.
تجدون طفلاً مُقمَّطاً مُضجعاً في مذود:
منظر لفقر الابن الذي بلغ أقصى قراره، معطياً صورة منظورة لسرِّ الإخلاء من أمجاده غير المنظورة. فالذي هو في صورة الله في البهاء والمجد، أخلى ذاته ليظهر مستضعفاً هكذا في صورة عبد**!
عجيب وليس عجباً، أن الذي خلقنا على صورته، يعود ويأخذ صورتنا لنفسه، لكي بنفسه يفدي الصورة التي خلق!!
عظيم السموات ارتأى أن يُلفَّ بالخرق، لأن الذي هو في حضن الآب اشتهى أن يحتضنه مذود!
مروِّع للذهن جداً انحدار الابن من سماواته العُلا إلى تراب الأرض وطين المذود.
فأدركنا وارتعبنا أن هذا هو المعادل لانحدار الإنسان من البرارة أمام الله إلى حضيض العصيان وطين الخطية.
وما كان المذود إلاَّ توطئة لتمزيق ذات الجسد على خشبة العار، ثم إسناده إلى ظلمة القبر ميتاً.
ولكن هي محبة الآب التي أحدرته إلى عالمنا، لكي بميلاده لنا يلدنا له، وليمحو بعاره عارنا، ويلغي بموته موتنا، وببره يبرِّرنا!!
لو 13:2و14: «وظهر بغتةً مع الملاك جمهورٌ من الجند السماوي مُسبِّحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرَّة».
ثلاث تسبيحات على مستوى الثلاثة التقديسات، لأن سرَّ اللاهوت انفتح على عالمنا.
هنا بحسب اللاهوت: إعلان ™pif£neia واستعلان qeof£neia معاً. أما الإعلان فبيد ملاك هو “ملاك الرب” الخاص حاملاً إعلاناً من الله للرعاة، وأما الاستعلان فهو استعلان الله نفسه الذي سبق وعبَّر عنه القديس لوقا بأن «مجد الرب أضاء حولهم» بهذا نفهم الفرق بين الملاك وجمهور الجند؛ فالملاك مُرسَل من الله، أما جمهور الجند السمائي فهم خُدَّام العرش المحيطون بالرب يظهرون لحظة استعلان الرب أو ظهوره، وهنا استعلان في السماء وظهور على الأرض!!
لذلك يُلاحظ هنا أن التسبحة بدأت أولاً بـ “المجد لله”، وهو صراخ الذُكصا كإعلان تسبيحي لحضور العظمة في ملء السموات العُلا فوق الصبي! أما “السلام على الأرض” فهو لنزول رب السلام لحظة لمس جسد المولود أرض الشقاء ليملأ أرضنا سلاماً لا يُنزع منا إلى الأبد؛ وأما “في الناس المسرَّة”، فلأن مصدر السرور والفرح الإلهي أخذ لحماً من لحمنا وتجنَّس بجنسنا، ولن ينزعنا عنه إلى الأبد. فيا لسعدنا بالذي وُلد لنا. وهل يُعقل أن يُولَد لنا ولد ونُعطى ابناً هو من السماء وليس من أرضنا، والله أبوه أرسله إلينا ليحملنا إليه؟
كان لابد للملائكة أن تترنَّم في السموات العُلا وتردد صداها الأرض إلى الأبد. فالقدير صنع بنا عظائم،
وأحزان البشرية أشرق عليها سلام وفرح!
إن ما يقوم به أهل الغرب، ليلة الكريسماس، بالفرح والتهليل بكل آلات الموسيقى والغناء والرقص في كل شارع وميدان وزقاق وركن ويخرج الجميع عن رزانتهم، هو استجابة سنوية لتهليل السماء. ومنذ القديم وإشعياء يترنَّم أيضاً بلسان النبوَّة قبل الميلاد بسبعمائة عام:
+ » ولكن لا يكون ظلام للتي عليها ضيق. كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتالي، يُكْرِم الأخير طريق البحر عَبْرَ الأردن جليل الأمم.
الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور. أكْثَرْتَ الأُمَّة، عَظَّمْتَ لها الفرح. يفرحون أمامك كالفرح في الحصاد، كالذين يبتهجون عندما يقتسمون غنيمة...
لأنه يُولَد لنا ولد، ونُعْطَى ابناً، وتكون الرياسة على كَتِفِهِ، ويُدعى اسمه: عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية، على كرسي داود وعلى مملكته ليثبِّتها ويَعْضُدَها بالحق والبرِّ من الآن إلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا. «(إش 1:9-7)
طوباك يا إشعياء، يا مَنْ رأى النور في حَلَكْ الظلام، والسلام والفرح والبر والملكوت في حجر المولود في مذود بيت لحم!! وهكذا فإن كانت الملائكة سبَّحت بأفضل ما عندها، فلم تعدم البشرية نبيًّا سبَّح بأعظم منها!!
لو 15
«ولَمَّا مضت عنهم الملائكة إلى السماء، قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب». وكما أسرعت مريم لزيارة أليصابات لتحكي لها ما فعل الرب بها، أسرع الرعاة أيضاً إلى مريم يحكون لها ما أعلمهم به الرب وما رأوه وسمعوه. وكما تشدَّدت مريم بأليصابات، تشدَّدت مريم بالرعاة.
ويقول التقليد إن مغارة بيت لحم كانت مغارتهم فهدتهم إليها أرجلهم. كما يقول في موضع آخر أن الذي هداهم إلى مأواهم القديم مصباح كان يشتعل، وضعه أصحاب الخان على باب المغارة، فكان الرعاة أول إرسالية اختارتها السماء كمندوبين فوق العادة من ذات المهنة يمثِّلون العذارى الساهرات.
لو 16
«فجاءوا مسرعين، ووجدوا مريم ويوسف والطفل مُضْجَعاً في المذود». يا للمنظر العجيب والبهي الذي أُغرم به الشعراء والفنانون في كل عصر وكل مصر([1]). وكم مئات بل آلاف الصور والتماثيل والكريشات التي ملأت البيوت والقصور والكنائس، وتباهى بها الملوك والرؤساء والأمراء. وكم يلذ للرسامين أن يجعلوا بجوار أُذن الطفل المولود رأس بقرة أو حمار كأنه يُسِرُّ إليه بفرحتهم ويُحيِّي مقْدِمَه إلى دارهم، وقد أصرُّوا جميعاً أن يتنازلوا عن مذودهم الخصوصي لمزيد راحته، ثم يقدِّمون له شكواهم إذ طال عليهم زمان شقائهم: » لأن انتظار الخليقة يتوقَّع استعلان أبناء الله، إذ أُخضِعَت الخليقة للبُطل ليس طوعاً (وهي بريئة) بل من أجل (آدم) الذي أخضعها على الرجاء (ملعونة الأرض بسببك). لأن الخليقة نفسها أيضاً ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن... «(رو 19:8-22). وكأنه ليس مصادفة أن يختار المخلِّص مكان ولادته بين الحيوانات وينام مرتاحاً في مذودهم، فهي الخليقة التي عانت أكثر ظلماً والتي تعهَّد باستجابة شكواها.
لو 17:2و18: «فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي. وكل الذين سمعوا تعجَّبوا مما قيل لهم من الرعاة».
نعم لقد رأى الرعاة عياناً بياناً كل ما سمعوا من الملاك، فكانوا شهود إثبات أثلجوا صدر يوسف والعذراء، وباركوا الحمل ليوم الصليب!!
ويبدو أن الرعاة أثاروا حولهم الغرباء الذين اكتظت بهم المدينة فجاءوا مسرعين معهم وسمعوا ونظروا وتعجَّبوا. ولكنهم كانوا ذوي عيون لا تبصر وآذان لا تسمع لأن: » سر الرب لخائفيه. «(مز 14:25)
لو 19
«وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكِّرة به في قلبها». وكما تحقق كلام الملاك للرعاة، تحقق كلام الرعاة لكل ما سمعته ورأته العذراء وهي تختزن كل هذه التداخلات الإلهية الفائقة في قلبها. ولكن دون أن يدري القديس لوقا خرجت منه هذه الآية لتفصح بلا أي شك أنه أخذها سماعاً من فم العذراء!!
فكون القديس لوقا ينقل لنا ما قاله الملاك وما قاله الرعاة جيد، ولكن أن ينقل لنا ما بداخل قلب العذراء نفسها فهنا يكون قد باح بسرِّ إنجيله وروايته كلها عن الميلاد!! وهنا لا نعدم عظيماً من عظماء الألمان المتحفظين
المتتلمذين على الآباء وهو العالم ثيئودور زاهن T. Zahn (1838- 1933) ليقرر هذا التقرير الآبائي عينه أن القديس لوقا ينقل من فم العذراء مباشرة!!! وذلك في شرحه لإنجيل القديس لوقا (ليبزج 1913) ص 147. كذلك العالم إيستون B.S. Easton في شرحه لإنجيل القديس لوقا (1926) ص 25، وشورمان Shürrman في شرحه لإنجيل القديس لوقا (1969) ص 117، وكذلك العالم ف. فارر في كتابه: “حياة المسيح” - ترجمة عربية - ص 29، حيث يقول:
[على أنه استقاها من شفتي العذراء نفسها، والحقيقة أنه يصعب أن نفطن إلى مورد آخر أخذها عنه، لأن الأمهات هُنَّ المؤرخ الطبيعي لسني الطفولة].
وهؤلاء وغيرهم اتفقوا أن هذه الآية تكشف عن المنبع الذي استقى منه القديس لوقا قصة الميلاد بأكملها، والحق ينطق بهذا!!
لو 20
«ثم رجع الرعاة وهم يمجِّدون الله ويسبِّحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم». لقد دخل الرعاة شهود سماع ورؤيا وتحقيق لميلاد المسيح، فكانوا علامة تاريخية محقِّقة في رواية القديس لوقا. وبذلك أدخلوا ضمناً قصة الميلاد إلى شهادة تاريخية وجغرافية وسماوية معاً لها وزنها.
المفضلات