[FRAME="13 70"] 2.
إن حمل الأولاد إلى الهيكل في اليوم الأربعين كان عيداً للتطهير. كان على الأم والولد أن يتطهرا من نتائج الولادة. بالتأكيد، ولادة الأولاد هي بركة من الله، لكن يجب إدراك أن الطريقة التي بها يُولّد الإنسان هي ثمرة السقوط ونتيجته. إنّها ما يسمى الكساء الجلدي الذي لبسه آدم بعد السقوط، وفقدان نعمة الله. على هذا الضوء علينا أن نفهم كلمات المزمور "هئنذا بالآثام قد حُبل بي وبالخطايا ولدتني أمّي" (مزمور 5:50). في آخر الأمر، فإن الله قد بارك هذه الطريقة التي بها يُولَد الإنسان مع إنّها ثمرة السقوط. على الأهل والأولاد معاً أن يحفظوا هذا في فكرهم. أيضاً ينبغي تفسير طقس التطهير في هذا الإطار اللاهوتي.
عندما نفكّر في هذه الحقائق اللاهوتية، يمكننا أن نرى أنّ المسيح لم يكن بحاجة للتطهير ولا والدة الإله. الحمل بدون زرع والولادة مع الحفاظ على البتولية لا يشكّلان دنساً. تقول الوصية التي أعطاها الرب لموسى: "«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: إِذَا حَبِلَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدَتْ ذَكَرًا، تَكُونُ نَجِسَةً سَبْعَةَ أَيَّامٍ. كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِ عِلَّتِهَا تَكُونُ نَجِسَةً" (لاويين 2:12). يظهر هذا المقطع طهارة السيدة لأن المرأة التي ولدت من زرع رجل هي غير الطاهرة. أمّا السيدة فقد حبلت من الروح القدس ومن غير زرع وبالتالي هي غير دنسة. هذا يعني أن الوصية لا تنطبق عليها ومع هذا فقد ذهبت إلى الهيكل لتتمم الناموس.
3.
وصية الله كانت واضحة: "«إِذَا كَانَ إِنْسَانٌ فِي جِلْدِ جَسَدِهِ نَاتِئٌ أَوْ قُوبَاءُ أَوْ لُمْعَةٌ تَصِيرُ فِي جِلْدِ جَسَدِهِ ضَرْبَةَ بَرَصٍ، يُؤْتَى بِهِ إِلَى هَارُونَ الْكَاهِنِ أَوْ إِلَى أَحَدِ بَنِيهِ الْكَهَنَةِ." (لاويين 2:13). هذه الوصية هي في الوقت نفسه نبوءة تشير إلى تجسّد ابن الله وكلمته. إنها لا تتعلّق بالمطلق بكل بكر ذكر، لأنه ليس ولا إنسان، ولا حتى البكر، يفتح رحم أمه. في عظته حول هذا الموضوع، يقول القيس أثناسيوس الكبير أنّ الأطفال لا يفتحون أرحام أمهاتهم "بل لقاء الرجل بالمرأة". يُفتَح الرحم عند لقاء الزوجين والحبل بالطفل. لكن المسيح فتح مستودع أمه من دون أن يفسد عذريتها، لأنّه تركها مغلقة مجدداً، "عندما لم يطرق شيء من الخارج، فتح الطفل من الداخل".
بعد الإشارة إلى أنّ ما جرى في العهد القديم كان مثالاً لميلاد المسيح، يقول القديس نيقوديموس الأثوسي أن المسيح وحده فتح مستودع العذراء "بطريقة تليق بالله وتفوق الفهم، إذ بعد أن فتحها بولادته تركها مغلقة مجدداً كما كانت قبل الحبل به وولادته".
المسيح هو البكر وبهذا يميزه الكتاب المقدس. بالتأكيد، لا يعني هذا التمييز أنّ هناك مولود ثانٍ أو ثالث، بل يعني أنّه وُلِد أولاً، بغض النظر عمّا إذا كان هناك ثانٍ أو ثالث. ينبغي عدم ربط عبارة "البكر" بعبارة "المولود الوحيد"، التي يشير بها الكتاب المقدس ايضاً إلى المسيح. إن عبارة "البِكر" تشير ايضاً إلى ميلادي المسيح، الذي قبل الدهور من الآب البتول من دون أمّ، وإلى الميلاد من الأم العذراء بدون أب (القديس غريغوريوس بالاماس). يُدعى المسيح بكراً من ثلاث نواحٍ. أوّلاً لأنّه وُلِد من الآب قبل كل الدهور. يقول الرسول بولس: "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ." (كولوسي 15:1). وكما رأينا سابقاً، يماهي البعض بين البكر والمولود الأول الوحيد. ثانياً، إنّه يُدعى بكراً بميلاده البشري، بغض النظر عمّا إذا كان قد وُلِد غيره من البتول "وولدت ابنها البكر" (لوقا 7:2). وثالثاً، إنّه يُدعى البكر من الأموات لأنّه كان أوّل القائمين من الموت، جاعلاً بهذا القيامة ممكنة للجميع في الوقت المناسب. يقول الرسول بولس: "وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. " (كولوسي 18:1). يرتبط أوّل معاني "البكر" بالولادة بحسب طبيعة ابن الله، أي أن العبارة تشير إلى اللاهوت، أمّا الأخيران فهما مرتبطان بتجسّد الكلمة وتشيران إلى التدبير.
بحسب القديس غريغوريوس النيصي، صار المسيح البكر بثلاث طرق لكي يعطي الحياة لطبيعتنا البشرية. بالطبع، إنّه لا يشير إلى ولادته من الآب قبل كل الدهور. كما أنّ طبيعتنا البشرية قد أُعطيَت الحياة بثلاث ولادات، أي من الأم، ومن المعمودية، ومن الأموات على ما نرجو في المستقبل، كذلك المسيح أيضاً صار بكراً لنا بثلاث طرق، حتى تُعطى طبيعتنا البشرية الحياة وتتألّه. فالولادة بالجسد يجب أن تتبعها ولادة بالروح.
4.
إنها لَصورة مؤثّرة، كيف أنّ المسيح كطفل يُقدّم إلى الهيكل. الإله السرمدي الذي، ككلمة الله، كان دائماً متّحداً بابيه وبالروح القدس وفي الوقت نفسه أدار العالم، الكونَ بأكمله، يُقدّم إلى الهيكل كطفل على يدي والدته. مع أن المسيح كان طفلاً إلا أنّه كان في الوقت نفسه "إلهاً قبل الدهور"، وبالتالي كان أكثر حكمة من أي شخص آخر. نحن نعرف أن الطبيعة البشرية تألّهت في رحم والدة الإله باتحاد الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص الكلمة، وبالتالي فإن نفس المسيح اغتَنَت بملء الحكمة والمعرفة. إلى هذا فإن هذه الحكمة أُظهرَت على حسب عمره، إذ لو كان الأمر خلاف ذلك، لكان ظهر وكأنّه عرّاف (القديس يوحنا الدمشقي). في أي حال، مع أنّ المسيح كان طفلاً، فقد كان إلهاً برغم ذلك، ممتلكاً ملء الألوهة وكل الحكمة والمعرفة البشريتين بفعل الاتحاد الأقنومي لطبيعتيه الإلهية والبشرية.
لقد شفى المسيح بواسطة طفولته فكر آدم "الطفولي". عندما كوّن الله آدم في الفردوس، كان آدم قاصراً على النعمة والتقديس. لم يكن عنده نوس مستنير، بل كان ينبغي امتحانه ليبلغ التألّه. بما أنه كان غير مصقول وقاصراً في الروح، ولأنه كان صاحب فكر طفولي، انخدع بسهولة من الشيطان الذي أيقظه إلى الخطيئة والشر. إذاً المسيح، بامتلاكه جسدياً عمر ولد، لم يشفِ فكر آدم الطفولي وحسب، بل أيضاً الطبيعة البشرية وتمم ما عجز آدم الأول عن إتمامه. وهكذا، بتجسد ابنه، جعل الله تألّه الإنسان أكثر رسوخاً ونفاذاً. في المسيح لم يعد الشيطان قادراً على خداع الطبيعة البشرية، على غرار ما فعل بسهولة مع آدم الأول.
إنّ تنازل ابن الله وكلمته، أو مواضعة الذات، على ما يظهر أيضاً في تقدمته إلى الهيكل، قد تخطّى فهم الملائكة، لأنّهم أيضاً كانوا مندهشين لتنازل الله الهائل. النبي حبقوق تنبأ عن تجسد كلمة الله: " اَللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. سِلاَهْ. جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ." (حبقوق 3:3). عبارة "الجلال" تعني تجسد كلمة الله وتنازله الإلهي. "غطى السماوات" تعني أنّها غطّت ودثرت حتى علو الملائكة، لأنّه حتى الملائكة اندهشوا لرؤيتهم تنازل كلمة الله الذي لا يُوصَف ولا يُقاس.
5.
لقد حدّد الله أن تقدمة البكر يجب أن تصحبها تقدمة حمل لا عيب فيه أو زوجين من الحمام. يرد في اللاويين: "وَمَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا لأَجْلِ ابْنٍ أَوِ ابْنَةٍ، تَأْتِي بِخَرُوفٍ حَوْلِيٍّ مُحْرَقَةً، وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، إِلَى الْكَاهِنِ،" (6:12). يقول لوقا الإنجيلي أن والدي المسيح حملاه إلى الهيكل "َلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ. " (24:2).
والدا المسيح لم يقدّما حملاً كما يشير الناموس، لأنّهما كانا فقيرين. الطبقات الميسورة كانت تقدّم حملاً حولياً، بينما الطبقات الأكثر فقراً كانت تقدّم زوجي يمام أو حمام. لقد وُلد المسيح في عائلة فقيرة ونشأ كرجل فقير. في النهاية، لم يكمن فقر المسيح في أنّه وُلِد وعاش في الفقر، بل بالأحرى في أنّه تجسّد واتّخذ طبيعة بشرية. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي أنّ المسيح، فيما كان غنياً، صار فقيراً لنصبح أغنياء بألوهته.
لقد حدد الناموس تقديم زوجي يمام أو حمام لأنّ اليمام يشير إلى حكمة الوالدين اللذين اجتمعا معاً بحسب ناموس الزواج، بينما يشير فرخا الحمام إلى العذراء والمسيح، لأنّ المسيح وُلِد من العذراء وبقي بتولاً هو نفسه إلى النهاية. وهكذا، فيما الأوّلان عنيا الزواج المكرّم والمبارَك، عنى الآخران بتولية العذراء والمسيح (القديس غريغوريوس بالاماس).
إن تقدمة الرب التي حدّدها الناموس كانت صورة للمسيح. كما يشير القديس كيرللس الاسكندري: "اليمام مهذار بين عصافير الحقل، لكن الحمام لطيف ووديع". هذا يرمز إلى المسيح، لأن المسيح خرخر كحمامة لكل العالم وملأ كرمه، أي، نحن الذين نؤمن به، بصوته العذب، وكمثل حمامة كان وديعاً إلى أقصى درجة. إذاً بشكل واضح تشير هذه التقدمة إلى تجسد الإله الرحوم.
6.
أحد أهمّ الشخصيات وأكثرها مركزية في اللقاء، بالطبع غير المسيح والسيدة، هو سمعان "البار التقي"، الذي مُنِح أن يستقبل المسيح، ويأخذه بين ذراعيه ويتعرّف عليه بقوة الروح القدس وفعله. بالواقع إنه شخصية عظيمة لأنه رأى المسيح، كما وبسبب ما قاله في تلك اللحظة. يتطابق اسم سمعان مع حياته وتوقعاته، ولكن أيضاً مع إعلان الله له، لأن كلمة سمعان في العبرية تعني الطاعة (القديس نيكيتا) أو "الذي سمع الرب" (القديس يوحنا الذهبي الفم).
يميّز الإنجيلي لوقا سمعان بأنه رجل عاش في أورشليم وكان باراً وتقياً "منتظراً عزاء إسرائيل". في الوقت نفسه يقول أن عنده الروح القدس وأنّه أُعلِم أنّه لن يموت قبل أن يرى السيد المسيح (لوقا 25:2-26). كل هذه العلامات تميز الانسان المُلهَم. لهذا، فالكتاب المقدس لا يهتمّ لأصل الرجل ولا لعناصر شخصيته البشرية، لأن له حياة أخرى هي حياة الروح. جمّع القديس نيقوديموس الأثوسي آراء المفسّرين في مَن يكون سمعان. وقد قام بهذا لأنه ليس في الإنجيل إشارة جلية إلى ما إذا كان كاهناً أو لا، فالكتاب بدعوه رجلاً. وهكذا فإن يوسف كاتب التسابيح سمّاه "الكاهن الأقدس" (مَن يتفرّغ لوظيفة مقدّسة). الشهيد القديس مثوذيوس يدعوه "كاهناً ممتازاً". القديس فوتيوس وثيوفيلاكتوس يقولان أنه لم يكن كاهناً، بل أرفع من كاهن، وغيرهم يقول أنّه كان أحد السبعين الذين ترجموا العهد القديم، والذي لم يكن يؤمن عند ترجمته لنبوءة إشعياء "ها هي العذراء تحبل..." وعند ذلك الوقت بالذات أُعلِم أنّه سوف يحيا ليستقبل المسيح بين ذراعيه. البعض يرى أنّه كان أحد أبناء البطريرك العبري هيلال ووالد جملئيل معلم الناموس، وغيرهم يرى أنّه كان رئيس السنهدريم اليهودي. كما يُقال بأنّه كان قد تخطّى المائتين والسبعين من السنين عمراً. في تعليقه على هذه الأمور، يكتب القديس نيقوديموس أن كلّ الذين يريدون أن يتبعوا الإنجيل بأمان يكرّمون سمعان الذي استقبل الإله ببساطة على أنّه "رجل محرَّك بالروح".
بالواقع، سمعان القابل الإله أتى إلى المعبد بقوة الروح القدس وفعله. لقد كان حاملاً للروح القدس وبه تلقّى المعلومة بأنّه سوف يرى المسيح قبل أن يموت، وبواسطة الروح القدس أتى إلى المعبد (لوقا 25:2-27). هذا يعبّر عن حقيقة وجوب أن يمتلك الإنسان الروحَ القدس ويتعلّم منه. فالروح القدس لا يكشف الأسرار للناس غير الطاهرين والذين لا يمتلكونه أصلاً.
تنبأ النبي إشعياء: "شَدِّدُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ، وَالرُّكَبَ الْمُرْتَعِشَةَ ثَبِّتُوهَا. 4قُولُوا لِخَائِفِي الْقُلُوبِ: «تَشَدَّدُوا لاَ تَخَافُوا. هُوَذَا إِلهُكُمُ. الانْتِقَامُ يَأْتِي. جِزَاءُ اللهِ. هُوَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُكُمْ»." (3:35-4). هذا تمّ قبل الكلّ لسمعان القابل الإله، إذ كما يقول لوقا الإنجيلي "أتى إلى الهيكل محرَّكاً بالروح". ليس فقط أن الروح القدس قاده، بل هو يتقوّى به أيضاً. لا يمكن لأحد أن يرى الإله إذا لم يمتلك قوى روحية، ولم يتقوَّ بقوة الروح القدس وفعله. بهذه الطريقة إذاً، الروح القدس ثبّت قدميه ليذهب إلى الهيكل، ويديه ليحمل المسيح أيضاً. يقول جاورجيوس النيقوميذي أنّه لم يستعمل قدميه ليقارب السر، لأن الروح القدس صار له مركبة خفيفة نقلته.
عندما أتى سمعان البار إلى الهيكل، تعرّف على ابن الله وكلمته بقوة الروح القدس. في ذلك الوقت أُعطي له أن يرى تجسد كلمة الله الذي رآه الأنبياء نبوياً. كما يقول القديس باسيليوس الكبير، سمعان وحنّة رأيا القوة الإلهية التي كانت في المسيح "كنور عِبر أغشية زجاجية من خلال الجسد البشري". تماماً كما نرى النور في المنزل عبر النافذة، أو كما نبصر النور عبر الأنوار الزجاجية، هنا أيضاً طاهر القلب يرى عبر جسد المسيح نورَ الألوهية غير المعلوم وغير المرئي للآخرين.
أنشد القديس أثناسيوس الكبير المدائح لسمعان القابل الإله، لأنّه كان محرَّكاً بالروح القدس وقد أُعطي له هذا الشرف العظيم. فقد قال أنه بالرغم من كون سمعان رجلاً بالظاهر، لكنّه كان أكثر من رجل بفهمه الروحي. بالجوهر كان إنساناً، لكنّه كان أرفع بالاستحقاق، أعلى بكثير من غيره من البشر. إنسان بالطبيعة لكنه ملاك بالفضيلة. لقد كانت أورشليم المنظورة مسكنه لكن أورشليم العلوية كانت عاصمته. لم يكن فقط أرفع من الناس، بل أيضاً "أرفع من الملائكة".
7.
إلى جانب سمعان القابل الإله، كانت في الهيكل حنّة النبية التي أُعطي لها أن تتعرّف إلى الإله وأن تعلن أنّه المخلّص. كانت حنّة ابنة أربع وثمانين عاماً وأرملة بعد أن عاشت مع زوجها سبع سنوات (لوقا 36:2-40).
الميزة البارزة لحنّة كانت أنّها في الهيكل ليلاً ونهاراً ولم تتركه. وهكذا، فيما كان سمعان مُقاداً بالروح إلى الهيكل، هي كانت هناك وبالروح القدس تعرّفت إلى الرب. يسمّيها الإنجيلي لوقا نبية لأنها حازت الروح القدس. يقول القديس قوزما المنشئ أنّ حنّة المقدسة "اعترفت بتوقير". لكنّ هناك فرق بين النبي والمفسّر، بحسب القديس نيقوديموس الأثوسي. النبي يعلن ما سوف يجري بعد بعض الوقت، بينما المفسّر يشرح الحاضر أو الماضي، أو بعض الأمور التي سوف تجري في وقت قصير. يبدو أن الإنجيلي لوقا استعمل كلمة "نبية" بمعنى المفسّر، لأنّ حنّة بالروح القدس تعرّفت إلى مجيء كلمة الله.
إلى هذا، للنبوءة في العهد الجديد معنى تفسير الشرع بالروح القدس، وبشكل أوسع تفسير الكتاب المقدس. بناءً عليه، الأنبياء هم، بلغة الكتاب المقدّس، لاهوتيون يميّزون الأرواح. حنّة استبدلت الاعتراف بالشكر والتسبيح لله على إرساله خلاص إسرائيل. إن ما قامت به يدمج الشكر والإعلان لأنّها "تكلّمت عنه" (لوقا 38:2).
8.
إن حضور سمعان البار وحنّة النبية أظهر حقيقة أخرى أيضاً، وهي أنّهم كانوا زوجاً عقلياً من اليمام استقبل المسيح عند صعوده إلى الهيكل. إذاً، بالإضافة إلى زوج اليمام غير العاقل، أرسل الروح القدس زوجاً من اليمام روحياً وحاملاً للروح، سمعان وحنّة. بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، هذا يُظهِر طبيعة الذين سوف يستقبلون المسيح وكيف يجب أن يكونوا. يفترض الاتحاد بالمسيح حياةً مماثلة. سمعان كان باراً، ولا يُذكَر إذا ما كان قد سبق له أن اقتبل الحياة الزوجية، بينما حنّة بعد موت زوجها، اختبرت بركة الترمّل حافظة حياة طاهرة وبلا دنس.
الحياة في المسيح هي بتوليّة على مثال الزواج المعطى من المسيح ومن الله، على ما يقول القديس غريغوريوس بالاماس. يشير كثيراً في عظته عن عيد الختان إلى الشر الذي يسببه الزنا ويقول أنّه يستحيل على الإنسان إقامة علاقة مع المسيح فيما هو يرتكب الزنا. مهم أن نصلب الجسد وشهواته. لا يعتمد خلاص الإنسان على نوع الحياة التي يختارها، سواء الزواج أو العزوبة، بل على طريقة الحياة، وعلى علاقته بالمسيح. وفي الحالتين، البتولية والحكمة مطلوبتان. تشير الحياة الأسرارية كما الحياة النسكية في هذا الاتجاه، المسيح الإله-الإنسان يقود الإنسان إلى هذه الطريقة من الحياة.
[/FRAME]
المفضلات