بعد أربعين يوماً من ولادته بالجسد، قُدِّم المسيح إلى الهيكل بحسب العُرف الشرعي. ولأنّ الذين استقبلوه في الهيكل هم أشخاص محرَّكون بالروح، وخاصةً سمعان الذي أخذه بين يديه، فهذا العيد يُسمّى أيضاً عيد اللقاء.
لقد حدّدت الكنيسة الاحتفال بهذا العيد العظيم للرب ووالدة الإله في الثاني من شباط، لأنّه اليوم الأربعين بعد الخامس والعشرين من كانون الأول، يوم الاحتفال بعيد ميلاد المسيح بالجسد. بهذه الطريقة تُقَسِّم الكنيسة السنةَ بحسب نقاط الانعطاف في التدبير الإلهي الذي يباركها. في الوقت نفسه هذا يجعل تأسيسَ الإنسان في سر تجسد ابن الله وكلمته ممكناً.
1-
الله نفسه، أي كلمة الله غير المتجسّد، أعطى وصية التطهير في اليوم الأربعين لموسى. أُعطيت هذه الوصية لموسى قبل خروج اليهود من مصر، وقبل عبورهم البحر الأحمر. الوصية هي كما يلي: "وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي" (خروج 13: 1-2). تشير أيضاً هذه الآية إلى تقدمة البكر من ذكور الحيوانات الذي كان ينبغي أن يُفرَز ويُقدَّم إلى الرب. وصية الرب واضحة: "أَنَّكَ تُقَدِّمُ لِلرَّبِّ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ، وَكُلَّ بِكْرٍ مِنْ نِتَاجِ الْبَهَائِمِ الَّتِي تَكُونُ لَكَ. الذُّكُورُ لِلرَّبِّ." (خروج 13: 12). هذه التقدمة كانت علامة على الاعتراف بإحسان الله، معروف جداً أن الوصية بتخصيص بكر الذكور قد أُعطيَت بموسى مباشرة بعد قتل أبكار المصريين، عندما أذن فرعون بالخروج، وقبل عبور البحر الأحمر. تفسير هذا العمل مميز: "وَيَكُونُ لَكَ عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَتَذْكَارًا بَيْنَ عَيْنَيْكَ، لِكَيْ تَكُونَ شَرِيعَةُ الرَّبِّ فِي فَمِكَ. لأَنَّهُ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أَخْرَجَكَ الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ." (خروج 13: 9).
في كتاب آخر من العهد القديم، اللاويين، نرى أن الله يعطي تفاصيل أكثر عن طقس التكريس والشكر. على المرأة التي تحمل ذكراً أن تختنه في اليوم الثامن وتقدّمه إلى الهيكل في اليوم الأربعين. ومع هذه التقدمة "وَمَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا لأَجْلِ ابْنٍ أَوِ ابْنَةٍ، تَأْتِي بِخَرُوفٍ حَوْلِيٍّ مُحْرَقَةً، وَفَرْخِ حَمَامَةٍ أَوْ يَمَامَةٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، إِلَى الْكَاهِنِ" (لاويين 1:12-6).
بما أنّ كلمة الله بنفسه أعطى الوصية لموسى، فقد كان عليه أن يحفظها عندما اتّخذ جسداً بشرياً، حتى لا يكون مخالفاً للناموس. يقول القديس كيرلس الإسكندري أنّه عندما يرى الإنسان أن المسيح يحفظ الناموس، عليه ألاّ يُصدَم، وألاّ يُنظَر إليه كعبد وهو الحر, بل عليه أن يمتلك فهماً أفضل "لعمق التدبير". هذا الحفاظ على ناموس التقدمة في الهيكل هو جزء من سر التنازل الإلهي لابن الله وكلمته.
على المنوال نفسه، بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، لم يكن المسيح بحاجة للتطهير، لكن بما أن العهد القديم قد شرّع هذا التطهير الطقسي، للأهل وللأولاد، فقد طبّقه لكي يطيع الناموس الذي أعطاه هو بذاته. لم يكن المسيح بحاجة للتطهير الطقسي، لأنّه كان قد حُبِل به من دون زرع ووُلد به من دون فقدان للبتولية. "بالتأكيد لم يكن من حاجة للتطهير، لكنّه كان عمل طاعة". كان لهذه الطاعة معنى احترام ناموس الله، وأيضاً احترام آدم الجديد، على عكس عصيان آدم القديم. وإذا كان عصيان آدم القديم قد أنتج السقوط والفساد، فإن طاعة آدم الجديد، المسيح، قد جلبت الطبيعة البشرية المتمردة إلى الله وشفت الإنسان من المسؤولية عن هذا العصيان.
2
- إن حمل الأولاد إلى الهيكل في اليوم الأربعين كان عيداً للتطهير. كان على الأم والولد أن يتطهرا من نتائج الولادة. بالتأكيد، ولادة الأولاد هي بركة من الله، لكن يجب إدراك أن الطريقة التي بها يُولّد الإنسان هي ثمرة السقوط ونتيجته. إنّها ما يسمى الكساء الجلدي الذي لبسه آدم بعد السقوط، وفقدان نعمة الله. على هذا الضوء علينا أن نفهم كلمات المزمور "هاأنذا بالآثام قد حُبل بي وبالخطايا ولدتني أمّي" في آخر الأمر، فإن الله قد بارك هذه الطريقة التي بها يُولَد الإنسان مع إنّها ثمرة السقوط. على الأهل والأولاد معاً أن يحفظوا هذا في فكرهم. أيضاً ينبغي تفسير طقس التطهير في هذا الإطار اللاهوتي.
- إنها لَصورة مؤثّرة، كيف أنّ المسيح كطفل يُقدّم إلى الهيكل. الإله السرمدي الذي، ككلمة الله، كان دائماً متّحداً بأبيه وبالروح القدس وفي الوقت نفسه أدار العالم، الكونَ بأكمله، يُقدّم إلى الهيكل كطفل على يدي والدته.
مع أن المسيح كان طفلاً إلا أنّه كان في الوقت نفسه "إلهاً قبل الدهور"، وبالتالي كان أكثر حكمة من أي شخص آخر. نحن نعرف أن الطبيعة البشرية تألّهت في رحم والدة الإله باتحاد الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص الكلمة، وبالتالي فإن نفس المسيح اغتَنَت بملء الحكمة والمعرفة.
لقد حدد الناموس تقديم زوجي يمام أو حمام لأنّ اليمام يشير إلى حكمة الوالدين اللذين اجتمعا معاً بحسب ناموس الزواج، بينما يشير فرخا الحمام إلى العذراء والمسيح، لأنّ المسيح وُلِد من العذراء وبقي بتولاً هو نفسه إلى النهاية. وهكذا، فيما الأوّلان عنيا الزواج المكرّم والمبارَك، عنى الآخران بتولية العذراء والمسيح (القديس غريغوريوس بالاماس).
- إن حضور سمعان البار وحنّة النبية أظهر حقيقة أخرى أيضاً، وهي أنّهم كانوا زوجاً عقلياً من اليمام استقبل المسيح عند صعوده إلى الهيكل. إذاً، بالإضافة إلى زوج اليمام غير العاقل، أرسل الروح القدس زوجاً من اليمام روحياً وحاملاً للروح، سمعان وحنّة. بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، هذا يُظهِر طبيعة الذين سوف يستقبلون المسيح وكيف يجب أن يكونوا. يفترض الاتحاد بالمسيح حياةً مماثلة. سمعان كان باراً، ولا يُذكَر إذا ما كان قد سبق له أن اقتبل الحياة الزوجية، بينما حنّة بعد موت زوجها، اختبرت بركة الترمّل حافظة حياة طاهرة وبلا دنس.
نقلا عن نشرة الاحد لدير مارجرجس