[frame="3 70"]
أحد الأجداد
للسيادة المطران جورج خضر
[/frame]
[frame="11 95"]
هذا الأحد في كنيستنا يدعى أحد الأجداد أي أجداد المسيح لكونهم أعدّونا للميلاد. أرادت الكنيسة به ان تكشف تواصل الإنسانية التي هيأت ظهور المخلّص ليس لتقول المسيحية إن يسوع الناصري سليل البشريّة منذ بدئها ولكن لتقول، بخاصة، ان البشرية القديمة، بصورة أو بأخرى، تحمل بذار المسيح ولو كان مباشرة وليد مريم. وعندما يقول الإنجيل انه نزل الى الجحيم في موته لينقذ الذين سبقوه من عبودية الموت فلكي يعني انه مخلص العالم مذ وُجد العالم لأنه ليس فقط الكائن الكامل لكنه ايضا المخلص الكلي، الشامل لأزمات الناس جميعا. ومن هذا المنظار ليس هو بدءا كليا الا بمقدار انه انصباب كل خير وحق تجليا في الانسانية القديمة كما سيكون منطلقا للإنسانية الجديدة اذ يتعمّد فيه الذين سبقوه والذين تبعوه.
بهذا المعنى يمكن ان نفهم قول بولس عنه إنه "باكورة الراقدين" (١كورنثوس ٢٠:١٥). وكذلك يقول الرسول نفسه: "في المسيح سيحيا الجميع". واذا حيا الجميع فيه "يكون الله الكلَّ في الكل" (١كورنثوس ٢٨:١٥).
سؤال شرعي بسبب من بشريّة يسوع ان تفتش عما اذا كان المسيح في عقله البشري مدينا للحضارات الدينيّة التي سبقته خصوصا ان البلد الذي نشأ فيه يسمى "جليل الأمم" اي منطقة وُجد فيها وثنيون يتكلّمون اللغة اليونانية. وما من شك في ان من بين تلاميذه من كان يحمل اسما يونانيا مثل اندراوس وفيلبس. هناك أسطورة اخترعها كاتب انكليزي في القرن التاسع عشر ان المعلّم سافر الى الهند. الأكيد انه ليس من وثيقة هندية أو يهودية تثبت ذلك وان ليس من تعليم هندوسي أو بوذي ظاهر في الإنجيل. كثرة الآلهة في الهندوسية والتقمّص ان اكتفينا بذكرها يناقضان الأناجيل. وعدم وجود الله في البوذية يجعلها غريبة كليا عن المسيحية. فاذا كان الناصري لم يقتبس من ديانات الهند شيئا ماذا يكون قد عمل فيها؟
الى هذا ان تكون الفلسفة اليونانية ببعض أبعادها الروحية قريبة من المسيح فلا يعني هذا انه قرأها خصوصا ان فلاسفة اليونان يتكلّمون عن آلهة عدة. الفلسفة اليونانية تلمّست الحقيقة ولكن هذا لا يعني أن السيد استمد منها شيئا. ولا شيء يدل على أن يسوع تكلم غير الآرامية. ربما عرف بعض الكلمات اليونانية لكنها لم ترد على لسانه وما كانت كافية لتطلعه على نصوص يونانية. الى هذا ورد في انجيل يوحنا بعد اقامة لعازر ما يأتي: "وكان بعض اليونانيين يرافقون الذين صعدوا الى اورشليم للعبادة في ايام العيد، فجاؤوا الى فيلبس، وكان من بيت صيدا في الجليل، وقالوا له: "يا سيد نريد ان نرى يسوع. فذهب فيلبس وأخبر أندراوس، وذهب فيلبس وأندراوس وأخبرا يسوع" (٢٠:١٢-٢٢). لماذا توسط هؤلاء اليونانيون التلميذين الوحيدين اللذين يحمل كلاهما اسما يونانيا؟ خصوصا ان يسوع ما كان محتاجا الى بروتوكول ليكلّمه الناس. أليس لأنه لم يكن يفهم اليونانية؟
من الأناجيل الأربعة لنا ان نعرف ان السيد كان يقرأ العبرية وتكلم بالآرامية المحكية في فلسطين. يقول لوقا انه دخل مرة الى مجمع الناصرة "وقام ليقرأ فدُفِع اليه سفر اشعيا". طبعا هذا من التوراة وفي العبرية. بعد هذا توجه الى الناس ليعظهم اي ليفسّر لهم هذا الذي قرأه. هذا لم يكن ممكنا الا باللغة المحكية آنذاك في فلسطين وهي الآرامية.
ں ں ں
بقي لنا بعض من التراث الآرامي وكان منتشرا جدا بين القرن السادس والقرن الرابع قبل الميلاد ولكن لم تكن مكتبة آرامية في ايام السيد ولا يعقل ان يطمح ابن النجار كما كان يُسمى الى معرفة عالية. هذا ما يخوّلني ان أقول ان يسوع الناصري كان يعرف التراث العبري فقط أعني العهد القديم وذلك الأدب اللاهوتي الذي بدا بعد الانتهاء من وضع اسفار التوراة. من الواضح أن يسوع يعرف جيدا العهد القديم وانه مفسر مبدع له ولك ان تتبيّن خلافه مع هذا المذهب التفسيري أو ذاك كما لك أن تتبيّن قرباه اللاهوتيّة من مذهب الفريسيين ولو قاوم سلوكهم الخلقي وربما قرباه من فرقة الأسينيين دون التصاق بهم كما قد يُظن.
لا غرابة ان يكون المسيح في خط الأنبياء القدامى اذ كان يعتبر ان كلمة الله انسكبت في "موسى والانبياء والمزامير" وبعد هذا تحققت فيه، فمضمونها مضمونه ولو تجاوز الحرف القديم بتجليات كبرى. "ما جئت لأنقض بل لأكمل". الحقيقة قديمة لكنها لا تتخذ مداها الا بموته وقيامته ولا تتحقق الا بمحبته. من ظلال العهد القديم نهتدي الى القائل: "انا نور العالم" وعند سطوع هذا النور نعود الى هذه الظلال لنفهمها تداعيات لهذا الضياء.
بالنسبة الى العهد القديم يتحتم القول ان يسوع لم يأخذ تراثا غريبا. لقد أخذ من نفسه. هذا وقد حافظت الكنيسة على المسيح غير مختلط بشيء آخر. لقد أخطأ هارناك قديما وأخطأ كتاب عرب بزعمهم ان المسيحية هي مزيج بين الإنجيل والفلسفة اليونانية. لقد أردنا ان نستعير ألفاظا يونانية لتبليغ الشرائح المثقّفة في الامبراطورية اليونانية فحوى الإنجيل ولكننا لسنا مدينين في جوهر تعليمنا للفكر اليوناني. ليست بذار الأقدمين مزروعة فينا. نحن زرع الله فقط.
فاذا أقصينا التمازج العقدي بيننا وبين من سبقنا لسنا ننكر أن هناك افكارا أو صورا في الحضارات القديمة شبيهة بما عندنا وهذه ما سماها أحد كبار آبائنا يوستينوس الفيلسوف الشهيد الكلمات المزروعة وكان من نابلس وقد رأى وجه الشبه بين حقائق قديمة والحقيقة الساطعة في المسيح من غير ان يكون هناك تلقيح. قال الكلمات المزروعة بمعنى ان الله نفسه زرع في الحضارات القديمة ما يهيئها لاستقبال المسيح. بهذا المعنى فقط للمسيح أجداد. ولكن كل فكر قديم يجب ان يقتبل صبغة الله التي هي معمودية الفكر فيجمع بين الصواب الذي كان فيه والصواب الكامل الذي في الانجيل. وكما ان الانسان البالغ يتحرر من خطاياه بالمعمودية هكذا يتحرر الفكر القديم من أخطائه ليتعمد بالفكر الجديد، الدائمة حقيقته. بهذا المعنى يصير القديم جديدا.
ں ں ں
السؤال الأخير هل للمسيح أحفاد بالمعنى الفكري اذا اعتبرناه مركز التاريخ أو اذا اعتبرناه هزة أرضية من غير ان نؤمن به. لست أريد هنا ان أتبنى مجانا حديث هنري برغسون مع ريسة ماريتان Maritain زوجة جاك ماريتان وريسة اليهودية كانت قد تمسحنت وبرغسون مستعدا للاهتداء. هنا برغسون قال لها ما مفاده ان كل شيء عظيم وجليل جاء بعد المسيح نحن مدينون به للمسيح.
طبعا هذا يحتاج الى توضيح. فالماركسية عندي بحد نفسها فيها شيء من مسيح. كارل ماركس اليهودي الأصل كان مسيحيا معمّدا. السؤال هو مَن محرّك القلوب لتحب الفقراء؟ ولئن كان فيها شفقة مَن دفع تاريخيا الى هذا الاشفاق؟ من دفع روسيا في آخر القرن العاشر الى الحضارة سوى رهبانها؟ هناك الشأن ملموس. مَن مدّن أوروبا بعد سقوط روما وهجمات البربر سوى الرهبان الايرلنديين؟ هل يمكن ان تُفهم الحضارة العربية الاسلامية دون مساهمة المسيحيين في بنائها في تكوين الأبجدية والطب والعمارة ونقل الفلسفة اليونانية وما الى ذلك؟ روح العطاء الكبير في كل المجالات بلا كلل في سبيل استمرار الحياة واستقامة الفكر مع كونه نزعة في الوجدان كان يجب تفعيله تاريخيا والسهر عليه والتذكير به في التربية. ان تذهب فتاة اريستوقراطية غنية تاركة أهلها واي خطيب متوقع أو موجود لتهتم بأطفال الأفارقة ولكن مَن دفع يسوع الى هذه النفس حتى تحقق انجيله هناك؟
ليسوع أحفاد أو أبناء أو إخوة عاشقون له يجترحون معجزات في كل مكان وفي كل أزمنة الناس.
أحد الأجداد هذا استعدادا للميلاد ينبغي ان نفهمه ايضا على انه أحد الأحفاد ليبقى السيد مركز القلوب.
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات