الموعظة: سكبها ومضمونها

الموعظة موجّهة الى رعيّة الراعي الذي يعرفها ويعرف أمراضها الروحيّة وسيئاتها، ولذلك تختلف من هذه الزاوية عن تلك التي تُلقى في رعيّة أخرى. في حالات خاصة مثل مشاركة مطران او كاهن غريب، لا شيء يمنع أن يُفوّضا بالوعظ. يتجنّبان عند ذاك الأمور الخاصة، ويبسطون كلمة الله بمعناها العام.

لا بد من مدخل او تمهيد كأن يقول الخطيب: نقيم اليوم عيد القديس الفلاني، او أصاب أكثر الناس وباء، او حلّت بهذه المدينة هذه الحالة التي تعرفون. هذه طريقة. طريقة اخرى ان يضع الواعظ النص الإنجيلي في سياقه التاريخي فيبيّن كيف جاء ولماذا جاء. واخيرا يختم ولا يبقى متحيرًا ولا يجتر الكلام. واذا رأى الخطيب ذلك مناسبا، يختصر بسرعة الفحوى الذي شرحه، وهو يعي ان الخطاب بناء اي تقوم فيه أجزاء على أجزاء وتؤلف هذه معا عمارة واحدة متراصّة حجارتها، مترابطة المعاني.

حتى تتلاحم الأجزاء يمكن ان تتضمن العظة نقطتـين او ثلاثـا. امـا اذا لم يكـن عند الخطـيب الا نقطـةواحدة فيمكن ابراز جهة او جهتين منها.

هذا كان الشكل. اما المضمون فقلنا انه الإنجيل بمعنى ان الكاهن الذي لا يعرف جيدا العهد الجديد والخطوط العريضة في العهد القديم لا ينبغي عليه ان يعظ، لأنه في فراغ عقله من العهد الجديد يأتي الرعية بمفاهيمه هو التي كثيرا ما تكون تافهة او عادية جدا، ونحن ما جئنا لنعرف آراءه في الحياة او السياسة، ولكنا جئنا نتعلّم كلمة الله. لعل اهم فضيلة في الكاهن ان يعرف حدوده.

لمّا كنتُ خادما للميناء، كان ينزل عندي مرتين او ثلاثا من أبرشية اخرى كاهن عنده اسباب لحضوره في رعيتي. وقال لي: “عندي كتاب عن الكهنوت اقرأ فيه كل ليلة فصلا قبل النوم، ثم أقول لنفسي عندما أضع رأسي على الوسادة: يا فلان ما كان إلك حق تصير كاهن”.

ولكن اذا أدرك الكاهن انه لم يكن مستحقا، ينبغي ان يجعل نفسه مستحقا من بعد الرسامة اذ يمكنه ان يدرس ويعلّم، وخوفًا من الخطأ يكتب ويعرض مواعظه على المطران او كاهن لاهوتيّ ليصحح له الكلمة التي وضعها. اذا قرأ عند بولس: “ويل لي إن لم أبشّر”، ماذا يعمل لينجّي نفسه من الدينونة؟ قداس بلا وعظ شيء غير موجود في الكنيسة الأرثوذكسيّة. هذا لا يقدر ان يشلح، ويحب ان يخدم. ولم يأتِ وقت موته. يبدأ بوعي الثغرات ويسدّها الواحدة تلو الأخرى. والرسول قال ايضًا: “عظ في الوقت المناسب وغير المناسب”. أنت إنسان الكلمة.

الى هذا، يشتري (من معاشه) الكتب الدينيّة التي صارت منتشرة في الكنيسة الأنطاكية ولا ينتظر هدية. يخصص لكل يوم ما لا يقل عن ساعتين للقراءة. عنده ساعات فراغ. يملأ رأسه من المعرفة، وتتلاقى المعارف في عقله ويحبها بقلبه ويحس تدريجيا انه يستضيء. وليطرح اسئلة على الزملاء الذين هم أعمق منه في المعرفة. ليس في هذا حياء. قد يصير هذا الأخ واعظًا كبيرا.



جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان).