الحقّ والباطلأكثر النّاس، في كلّ زمان ومكان، يعرف الحقّ، نظريّاً، لكنّه قلّما يتعاطاه إلاّ متى وافق مراميه. يحبّ الباطل، في الممارسة، أكثر من الحقّ. هذا واقع! ويُسأل: لماذا؟ لأنّ الحقّ متطلّب ولا يناسب معظم النّاس. لا يناسب مصالحهم ويتعارض ورغبات قلوبهم. يتطلّب تضحيات جمّة. الباطل لهم أسهل وأوفق. رغم ذلك كلّ إنسان يهمّه أن يظهر بمظهر الحقّ. إستئساره لأهوائه، من ناحية، وتمسّكه بالحقّ، ظاهريّاً، من ناحية أخرى، يجعلانه، بعامة، باطنيّاً، بصورة تلقائيّة، في تعامله مع الآخرين. يُظهر ما لا يُبطن ويُبطن ما لا يُظهر. كما يجعلانه رخواً في تعامله مع نفسه، ومائلاً إلى الشكليّة في تعاطي الأمور. همّه الأساسي لا يعود معرفة نفسه وإصلاح ذاته بل تجميل صورته سواء بإزاء نفسه أو بإزاء الآخرين. من هنا الرياء كمسرى في حياة الإنسان. ومن هنا التركيز على المكيجة في تعاطي الجسد والنفس والفكر وعلم الكلام، وفي تعاطي الخليقة بعامة. اختصاص الإنسان، في هذه الحال، هو التلفيق. خبير هو، في معطوبيّته، بالتلفيق. والتلفيق، لغةً، هو زخرفُ الحديث وتمويهه بالباطل. وفي الأساس، لفَقَ الثوب معناه ضَمَّ إحدى الشقّتين فيه إلى الأخرى وخاطهما (محيط المحيط). هذا يجعل حرفة الإنسان الأولى تلفيق الحقّ والباطل، وضمَّ شيء من هذا إلى ذاك بحيث يمسي الباطل بمثابة البطانة للحقّ والحقّ بمثابة الواجهة للباطل. فلا غرو، عمليّاً، إن قال الإنسان بعض الحقّ وتغاضى عن بعضه الآخر، وتحمّس لمسائل في شأنه وتحفّظ على سواها، وسعى، في خباثة نفسه، إلى التواري وراء صناعة الكلام والتهذيب. يلفِّق الحجّة ويتمادى إلى حدّ اختلاط الحقّ والباطل لديه. الحقّ، إذ ذاك، يمسي أدنى إلى الإخراج لفكرٍ باطل عنده. يستحيل صناعة ولا يعود نَفَساً وقاعدة وهدفاً لأصالة الحياة.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
في هذا السياق، تلقى الإنسان دائم التبرير والتنظير. يظنّ نفسه واقعيّاً، ويقيس نفسه على مَن هم مثله أو دونه. مَن هم على غير ما هو عليه، في عينيه، شواذ على القاعدة. يكذب بسهولة لأنّ الكذب من طينة طويَّته. يرائي بيسر لأنّ الرياء أرضيّته. هو في الحقّ، في مرآة نفسه، وغيره في الباطل. لذا عنده أنّ الذين في الحقّ دونه هم ذوو نوايا غير نقيّة، وهم متكبِّرون، مُدَّعون، وقحون. يرميهم، بسهولة، بتهمة الأصوليّة، بمعناها الشائن، اليوم، بمعنى أنّهم يتمسّكون بالشكل ويغضّون عن الجوهر، وهم متصلِّبون ولا يقبلون الحوار ويعطِّلون التواصل الطيِّب المرن بين النّاس، وهم زمِّيتون، ضيِّقو الأفق، يحولون، بجمود منطقهم، دون الحداثة في الفكر والإبداع والموقف والتعاطي، ويردِّدون كالببغاء مقولات جوفاء عفّ عنها الزمن، ويظنّون أنفسهم أمناء للحقّ.
هذا وغيره الكثير يرشق به القابعون في باطل نفوسهم مَن يتمسّكون بالحقّ. والسبب أنّهم لا يعرفون أنفسهم. يظنّون أنّهم ما يتصوّرونه عن ذواتهم، وهم أسرى محبّتهم لأنفسهم. في العمق، في الأساس، لا يعبدون غير ذواتهم وأهوائهم وأفكارهم ويلتمسون إلهاً، إن التمسوا، على صورة رغباتهم. وهم ممتلئون من ذواتهم. الباطل دائماً متكبِّر وأعمى وديّان!
تواجههم بالوقائع. فلان فعل ما لا تجيزه القوانين. قال كذا وكذا. لا يقرأون! يبنون رأيهم على القال والقيل والإشاعات. وإن قرأوا فمن منطلَق رافض وناقض مسبَق. وإذ لا يجدون ما يقولونه حيث الوقائع بيِّنة صريحة صارخة يعتبرون المقالة تهجّماً شخصيّاً على فلان أو علتان. لا يميِّزون بين الموقف من الشخص والموقف من رأي الشخص وفعله. فإذا سكتوا لزموا صمت القبور لعلّة غير نقيّة في أنفسهم. وإذا تكلّموا ادّعوا أنّهم لا يشاؤون أن يجرحوا المعنيّ بما قيل. الاحترام واللياقة والمقام يفرض! وتتساءل: لِمَ لا يتكلّمون بالحقّ وليسوا بغرباء عن أورشليم؟ فلا تجد تفسيراً سوى في التزلّف والتملّق المتحكّمَين بهم. يتضرّرون إن قالوا الحقّ! هذا لأنّ همّهم، في الأساس، هو تأمين راحتهم ومصالحهم وكسب ودّ المتنفّذين وذوي السلطان. كيف تعرف ذلك؟ لأنّهم يعرفون جيِّداً أن يهاجموا مَن لا مصلحة لهم لديهم، أعَلَى حقّ كان هؤلاء أم على باطل. مع الذين هم خارج دائرة مصالحهم تجدهم عنفاء، سلِّيطين، وقحين إثباتاً لأنفسهم وإرضاء للذين يتزلّفون لهم ويتملّقونهم ولو كان الذين يوجِّهون سهامهم ضدّهم على حقّ، فيما تلقاهم على قدر كبير من الكياسة والتهذيب واللياقة إذا ما مسّ الأمر مَن يتودّدون لهم، ولو كان هؤلاء على باطل. مَن لا مصلحة لهم لديه دائماً مدان، ومَن لهم مصلحة عنده دائماً مبرَّر!
مثل هذا الموقف تلقاه بين المعدودين من كنيسة المسيح ومن خارجها سواءٌ بسواء. النفس البشريّة مريضة. كلّ نفس معتلّة، أمّارة بالسوء إلى أن يستهويها الحقّ ويلطّفها ربّها. الاحساس بالحقّ نعمة من فوق، لكنّه لا يُعطى إلا للمستقيمين، مَن يقولون عن الخير خيراً والشرّ شرّاً، وهذا من الطبيعة البشريّة. أما إن التوى الإنسان واعتبر الخير ما هو من مصلحته وأهوائه، والشرَّ ما هو من غير مصلحته وغير موافق لأهوائه، فإنّ ما للطبيعة البشريّة لديه ينحرف ولا يعود بإمكانه أن يقتبل الحقّ، الذي هو في المدى الخير يسوع ونعمته، ولا أن يشهد له. إذ ذاك يحلّ محل الحقّ حبّ الذات ولا يعود ثمّة فرق بين الفضيلة والرذيلة. كلاهما يصير مقبولاً لدى الإنسان لأنّه يخدم مصلحته. يستحيل الإنسان، إذ ذاك، حيواناً مستهلِكاً، أهوائيّاً. يفقد هوّيته الإلهيّة وتالياً بُعدَه الإنساني.
عالمنا، في واقعه، قطيع صغير قائم في الحقّ جنباً إلى جنب وجماهير مقيمة في الباطل. كبار، قلّة، في الحقّ قائمون، ولكنْ على الصليب، يمدّون العالم بالنّور، وسط كثرة غائرة في أوهانها، إن علّمها الوجع تابت وجذبها النّور وإن استرسلت في أهوائها اختنقت وقضت في الباطل. الحقّ للجميع، لكنّ غواية الباطل أقوى! النّفس مائلة إلى الباطل ولا يعرف الإنسان الحقّ إلاّ عنفاً. هذا لأنّ ملكوت السموات لا يؤخذ إلاّ غِلاباً!</span>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات