[frame="14 98"][ALIGN=CENTER][TABLE1="width:100%;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]
البعد الأفقي و البعد العمودي
بقلم المطران جورج خضر
[/ALIGN][/CELL][/TABLE1][/ALIGN]

[ALIGN=CENTER][TABLE1="width:100%;"][CELL="filter:;"][ALIGN=right]
الرب هو النور الوحيد في عتمات الدنيا. ما عدا ذلك لهوٌ أو شقاء. أنا أفهم أن يظن الإنسان أن له بلهوِه امتدادًا وبشقائه انقباضًا ذلك أن الإنسان في سطحية وجوده يذهب أفقيا بسبب من بشريّته التعبة وانحصاره في أفقٍ رسمه لنفسه واكتفى لأنه جعل نفسه مركز وجوده.
هكذا يكون ابن الحادث أو الحادثة، وليد مرضه وحزنه. يُنشئه الزمان الذي يعيشه اذ يحسب أن لا شيء خارج الزمان ولا شيء خارج المدى. يقيم في حدود جسمه وحدود ذكرياته والآمال التي تُغذي الجسم والتصوّرات أو يبيت حصراً في آخر ويُسر بعبودية تكفيه متاعب تجاوز نفسه وبيئته وقبيلته.
والأحداث قد تكون جساماً كالحرب أو خشية وقوعها. والعوَز الدائم وأزمات بلد تشبه الحرب وما من شك أن الإنسان ضحيّة جهله أو فقره أو غناه ونزاعات في عائلته أو مهنته أو حزبه. بسببٍ من هذا أو من بعضه يلمس هبوط نفسه وقد يشقى لعدم علمه بها. لهذا كله سمّى الكتاب هذه الأشياء وادي الدموع إذ لا حدّ للوجع، للإعاقة، لفقدان الأعزة أو لغيابهم.
كل هذه الشجون جزء من حياتنا وهي تصيب البارّ كما تصيب الشرير، ويخترع الإنسان الفاقد الرباط مع ربه تسليات يحس بعد تعاطيها أنها لا تغنيه بشيء. فكما خيّبته اللذات التي استساغها تخيّبه اللّذات اللاحقة. يسعى المرء إلى استلذاذ يظن أنه يشفي عزلته او يخفف مرارته. قد يبقى اذا فقد وعيه النيّر أسير ما استنبطه من تعاطي جسده أو تعاطي فكر لا ينقذه من تخبطات هذا الفكر وليس له وهو في وسط الاحداث التي تعذّبه إلا أن ينتظر زوالها واذ بأحداث لا تقل عن الأولى مضاضةً تصيبه أو هو يرى أن ما هو له يمزقه ويجعله مقيما في القنوط. معنى هذا أنه يخلق جحيمه بنفسه وقلّما يعرف الكثيرون سبيلاً إلى الخروج من الجحيم. ولست أغالي في استعمال هذه المفردة لأني سمعت مئات من المرات من اختارها اذ يقول لي المتأزمون في حياتهم العائلية: لقد باتت حياتي جحيماً ولا أعرف الخروج منها.
•••
كل هؤلاء الناس وضعوا أنفسهم في المجال الأفقي ولم يسمعوا بالمجال العمودي أي بالقوة التي تربطهم بالله. أما الذين لهم إله فيعيشون في راحة وسكينة في الحرب أو توقعات الحرب. هم في هدوء في الصحة والمرض، في اهتزاز حياتهم البيتيّة أو في ثباتها ولا يرون بَأسا إذا حلّت بهم مصيبة أو انتابهم مرض جسديّاً كان ام نفسياً لأن الله مقيم فيهم أو هم قائمون به.
أعرف أناسا يلوذون بالله إن عاشوا في فرح أو عاشوا في ضيق لأنهم أيقنوا أن الله صحّتهم وصمودهم أي أنهم تجاوزوا أنفسهم وانتقلوا منذ الآن إلى السموات. الفقير المؤمن غذاؤه الرب والغني المؤمن ثروته الرب ولا يولي ما له من مكانة في ذاتيّته. أنت تطلب من الخالق المخلّص أن ينزل إليك وتستقبله على أنه حياتك كلّها على قول بولس: "لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ".
أنت لا تستطيع تفريغ نفسك من آلامها إذا استعرت ما يعوضها من دنياك لأن الدنيا لا تغذيك بالحقيقة. اللذة ليست بديلة عن لذّة ولا ترفيه أعظم من الترفيه الذي أنت عليه. كل لذة بحد نفسها فارغة. هي تنسيك متاعبك بصورة موقّتة حتى تحل بك متاعب أخرى لأنك تستقي كل هذا من العالم الذي جعلت نفسك مركزه. اما إذا اخترت إلهك مركزا لوجودك لا تبقى مستعبدا لمرض أو قمع أو اضطهاد أو أزمة في بيتك او في البلد.
انت لا تنجو من وطأة أحوال دنياك أكانت من السياسة أم من الاقتصاد. فهذه الدنيا على ما نرى مليئة بالحروب ولك أن تطلب السلام ولكنا نرى أن الحروب لا تنتهي وأن المرض لا ينتهي وأن كل خطيئة تليها خطيئة أخرى إذا أنت قبلتها وكل معصية مرة إذ يبقى عندك ضمير في الطبيعة هو يوبّخك ولا يستطيع إلا المسوخ أن يخنقوا ضمائرهم حتى النهاية.
وإذا قررت أن تلازم بعدك الأفقي أي إذا قبلت السطحيّة فأنت متّ داخليا. ربما استطعت أن تؤمن بشيء من القيَم وأن تذكرها. غير أن القيم في عمقها تؤتاك من الإيمان وحسباني أن القيم مقولة فلسفيّة حاول بعضهم أن يقيمها مقام الله في حين أن ذاتك لا تستطيع أن تعيش إلا من ذات الله فلماذا إبدال الوجود الإلهي بمفاهيم ثقافية؟ الإيمان بالله إيمان فعال في القلب أي مغير لهذا القلب او شاف له. ولك مع ربّك مواجهة أو تواصل او وصال بين ذاتك وذاته لأن فيه حياة تفعل في حياتك والمفاهيم الفلسفيّة ليست بديلة منه. ذلك أن الله حي وما عداه أفكار يقبلها عقلك ولكنها لا تنعش نفسك.
• • •
أنا ما ركزّت على الآلام التي تعانيها من جراء ذنوبك أو من المرض وأزمات البلد والعالم لست أوحي انها هي وحدها المطل إلى الله. أجل في الكتاب آيات كثيرة تدعو المتوجّع إلى أن يستعين الله لأن الكتاب الإلهي يريد شفاءنا. وبهذا قال داود: "من الأعماق صرخت إليك يا رب" والأعماق يعني بها الألم الذي رمينا أنفسنا فيه. ولكن الصالحين يصعدون إلى الله من فرحهم ويعرفون أنه هو مصدرها. لذلك يقيمون في النجوى ولا يقيمون فقط في الإستغاثة.
وعندما نتكلّم نحن المسيحيين عن الصليب المصلوب عليه كل شخص نطلب إزاحته عن أكتافنا من حيث هو وجع لكوننا نؤمن أن صليبنا الشخصي هو طريقنا إلى القيامة ولسنا نريد بها القيامة في اليوم الأخير ولكننا نريد بها أن الله هو حياتنا وقيامتنا وهذه ينبغي أن نحققها هنا. إن آلامنا الحاضرة إذا قبلناها بالرضاء والشكر والرجاء تحمل إلينا طاقة التعزيات لعلمنا أن الرب يفتقدنا بها أو يزورنا بها كما يقول القديسون، ونعلم ان الله يساكن الألم إن كنا مؤمنين ويسكننا ونحن في الخطيئة ليرفعها عن كاهلنا حتى يتنقّى القلب.
الأوجاع محنة تأتي كما تأتي لأن العالم ساقط. هي كما هي ولسنا نعرف دائما اسبابها والله يعالج الانسان كما وصل إليه وضعه. يحاوره ويلومه ويؤدّبه ويحبّه في آن حتى يرتفع عنه الغضب ويحل فيه السلام. وبهذا السلام الداخلي يعايش الحرب والجوع والضيقات والمتاعب النفسيّة. قد يأتي الشفاء الجسدي من رحمة الله وقد يلازمك طوال حياتك. السلام هو علاجك مع بقاء المرض. وأنت تعيش أي وضع معقولا كان بلغة الناس أم غير معقول. نحن في المسيحية لا ندعو إلى البطولة ولكننا ندعو إلى الصبر؛ والصبر ليس استكانة ولا انهزاماً أمام الموجود ولكنه اتكال على الله الذي يداويك كما يشاء ويوحي إليك أن المصيبة الكبرى فيك هي الإثم الذي تواجهه أنت بالتوبة أي بحضرة الله فيك.
الله لا يلغي التاريخ الذي تصنعه الشعوب ولا يلغي زمانك الشخصي ولا المدى الذي تعيش فيه ولكنه يرافقك في زمانك ومداك وإذا صبرت هنا تنال هنا تعزيات منه. فتقيم السماء فيك قبل أن تقيم أنت فيها في اليوم الأخير. أي إن الله لا يغنيك عن الأبعاد الأفقيّة التي تلازم جسدك ومشاعرك ولكنه يرحمك بالبعد العمودي ويسهر علي محافظتك عليه.
هذا الإله ليس فكرة مجرّدة كما ترى. إنه حق ووجود ومتعة وفرح. هكذا تواجه نفسك وتاريخ أمتك وتوجّعات العالم. غير أن هذا لا يتم فيك إلا إذا آمنت أن الله هو المرتجى وأنه عطاءٌ لك لا ينقطع.
[/ALIGN][/CELL][/TABLE1][/ALIGN]
[/frame]
المفضلات