وقال ايضا لتلاميذه كان انسان غني له وكيل فوشي به اليه بانه يبذّر امواله. فدعاه وقال له ما هذا الذي اسمع عنك؟ اعط حساب وكالتك لانك لا تقدر ان تكون وكيلا بعد. فقال الوكيل في نفسه ماذا افعل.لان سيدي يأخذ مني الوكالة.لست استطيع ان انقب واستحي ان استعطي. قد علمت ماذا افعل حتى اذا عزلت عن الوكالة يقبلوني في بيوتهم. فدعا كل واحد من مديوني سيده وقال للأول كم عليك لسيدي. فقال مئة بث زيت. فقال له خذ صكك واجلس عاجلا واكتب خمسين. ثم قال لآخر وانت كم عليك. فقال مئة كرّ قمح. فقال له خذ صكك واكتب ثمانين. فمدح السيد وكيل الظلم اذ بحكمة فعل.لان ابناء هذا الدهر احكم من ابناء النور في جيلهم. وانا اقول لكم اصنعوا لكم اصدقاء بمال الظلم حتى اذا فنيتم يقبلونكم في المظال الابدية
( لوقا16: 1 - 9 )
هذا المثل يوجهه الرب لتلاميذه في حضرة الفريسيين العاشقي الأموال والمجد الباطل، محدثاً إياهم عن وكيل يعمل لحساب سيد غني وكان يبذر أموال سيده بلا حساب، فلما وصل هذا الكلام إلى السيد دعاه وطلب إليه أن يسلّم ما في عهدته من أموال وينصرف، لأن من يبذر الأمانة لا يقدر أن يبقى أميناً عليها. فلما رأى هذا الوكيل أنه سيخسر مكانته وعمله وسوف يجلس فيستعطي من الناس الذين كان يجبي الأموال منهم ولا يأبه لفقرهم أو ضيق حالهم، ومن سينظر إلى حاله وهو لم يأبه يوماً لحالهم؟ كان يكره أن يرى نفسه منتقلاً من تلك المكانة الرفيعة لدى سيده إلى شحاذ يستعطي قوت يومه ويحتمل نظرات الناس وسخريتهم. فعمد إلى كسب ودّهم ومحبتهم من خلال تخفيف مديونياتهم لسيده. فالذي عليه مئة وزن من الزيت دوّن له خمسين، والذي عليه مئة وزن من القمح سجل له ثمانين وهكذا ...
أراد الرب أن يقول للفريسيين وللناس السامعين أن المجد الأرضي والسلطة الزمنية لاتدومان مهما تطولان. وكما تقول تلك الترتيلة التي تقال في جناز الراقدين " أي نعيم في الدنيا استقام على الأرض ثبت لم يخالطه حزن ؟ ام اي مجد استقام على الارض من غير انتقال " أراد أن يفهمهم أن الأنسان من التراب أُخِذ وإلى التراب سيعود، لذلك عليه أن يعمل للحياة الآتية.
هذا الوكيل الذي علم أن حياته الرغيدة قد قاربت على نهايتها سارع إلى اكتساب أصدقاء له، يقبلونه في بيوتهم متى طرده سيده. وقد امتدحه سيده على ما صنعه! لم يمتدحه على تبذيره المال ولا على ظلمه، ولا على سرقته، ولا على الطريقة التي تصرف بها؛ وإنما امتدحه على تفكيره بحياته القادمة والتي حاول شراءها وكسبها بخيرات ومتاع الحياة الحاضرة التي له.
نوجز باختصار غاية هذا المثل في النقاط التاليَّة:
أولاً: من واجب الخطاة في توبتهم وعِودتهم إلى بيت أبيهم أن يتصفوا بالحكمة. فكما استهان هذا الوكيل بالحاضر من أجل راحته المقبلة، هكذا يليق بنا في توبتنا أن نسلك بروح الحكمة التي تتعدى الاحتياجات الزمنيَّة وتعبر بنا إلى طلب الراحة العتيدة في السماويات.
ثانيًا: يحدثنا المثل عن الصدقة وحب العطاء، لا كما من مالنا، بل مما أوكلنا الله عليه، فنكسب لنا أصدقاء من مال موكلنا فيقبلوننا معهم في السماوات.
يؤكد القدِّيس كيرلس الكبير في تعليقه على هذا المثل أن السيِّد المسيح إذ يقدَّم لنا مثلاً لا يدعونا أن نطبقه في كل الجوانب بحرفيته، وإنما في المنحى الذي قصده السيِّد. هكذا لا يليق بنا أن نتمثل بهذا الوكيل بتبذيره أموال الوكالة ولا بتلاعبه في الصكوك، وإنما نتمثل بالتزامنا بالحكمة والنظرة المستقبليَّة (الأبديَّة). فيما يرى المغبوط أغسطينوس أنه إن كان "الوكيل الذي عمل بخداع استطاع أن ينال مديحًا... فكم بالحري الذين يسرون الله بتنفيذهم وصاياه في أعمالهم؟" .
"لأن أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم": الإنسان الذي يعمل لحساب حياته الزمنيَّة يُحسب ابنًا لهذا الدهر، أما من يعمل لحساب مملكة النور الأبديَّة، فيحسب ابنًا للنور. يود الله أن يكون أبناء النور عاملين بحكمة من أجل مملكة النور، لكن للأسف أحيانًا يسقطون في التهاون ولا يبقون على نفس الهمّة والتفكير بالنصيب الصالح هناك، فيفقدون الحكمة السماويَّة، ليصير السالكون بحسب هذا العالم أكثر منهم تعقلاً من جهة تحقيق غايتهم.
لقد سلّم الموكل ( الذي يرمز إلى الله مانح كل عطية صالحة ) أمواله في يدّي الوكيل ( الإنسان ). هكذا نعيش نحن كوكلاء الله، كل ما هو بين أيدينا من عمل يديه أو عطيَّة من عنده، سواء مواهبنا أو قدراتنا أو دوافعنا أو عواطفنا أو ممتلكاتنا حتى جسدنا وأوقاتنا. نحن وكلاء، سنعطى حسابًا عن كل كلمة وعمل. غاية الله من هذه الوكالة ليس مكسبًا ماديًا ملموسًا، إنما تدريبنا على "الأمانة" وعلى كيفية استخدامها، لكي بها نتأهل لننال النصيب الأعظم في السماوات. الله لا يشغله في العالم شيء إلا أن يرانا أولادًا له نحمل سماته فينا التي تتمركز في "الأمانة". ولطالما " عدم أمانتنا " لم تكن لتبطل " أمانة الله " ، فإسرائيل الشعب المختار ليكون رسولاً لله بين الشعوب سقط مراراً كثيرة في عدم الأمانة، إلا أن الله بقي أميناً بوعده بالخلاص ولهذا تجسد وقبل حتى موت الصليب لكي به " نعبر" من هذه الحياة الزائلة إلى حياة ملكوته " بالفصح الأبدي " يسوع المسيح ربنا.
دعا السيِّد المسيح ما لدينا من أموال وإمكانيات وقدرات "مال الظلم"، لأن توزيع هذه الأمور بين البشريَّة يسوده قانون الظلم، أي قانون ها العالم، فيُولد طفل ليجد والديه قد أورثاه الملايين، بينما يُولد آخر ليجدهما أورثاه ديونًا ومشاكل بلا حصر. إنسان يُوهب ذكاء أو صحة أو قدرات ومواهب يُحرم منها غيره. فما نملكه وإن كنا لم نغتصبه ظلمًا، لكننا تسلمناه في عالم يسوده قانون الظلم. لذا يليق بنا أن نستغله فيما هو لبنياننا في العالم الآخر حيث لا يوجد "ظلم". لنقتنِ به أبديتنا!
يقول العلامة ترتليان " كيف يمكننا أن نقيم لأنفسنا أصدقاء من المال، إن كنا نحب المال، ولا نحتمل فقدانه؟ فإننا بهذا سنهلك مع فقداننا للمال أيضًا!"، ويعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم ويقول " فإن كنا لا نستطيع أن نحمل غنانا معنا عندما نرحل من هنا لكننا نستطيع أن نحمل محبتنا. حريّ بنا إذن أن نرسلها أمامنا فتعد لنا موضعًا في المساكن الأبديَّة " ويتابع قائلاً " الصدقة هي أكثر الفنون مهارة؛ لا تبني لنا بيوتًا من الطين بل تخّزن لنا حياة أبديَّة. في كل الفنون نحتاج إلى من يعيننا، أما بالنسبة لإظهار الرحمة فلا نحتاج إلا إلى الإرادة وحدها ". ويختم القديس جيروم قائلاً " ما هو للغير: كمية من الذهب أو الفضة؛ أما ما هو لك فهو الميراث الروحي، إذ قيل في موضع آخر: "فديَّة حياة (نفس) إنسان غناه" (أم 13: 8) ".
ثروة هذا العالم هي مال الظلم، سواء كانت تلك الثروة مالاً أو علماً أو مواهب فكرية لا تستغلّ في منح الآخرين حياة أفضل. الرب جاء بلا ثروة ولا جاه بل فقيراً لا موضع يسند إليه رأسه، لكي " يكون لهم حياة ويكون لهم ما هو أفضل ". بمال الظلم في هذا العالم كيف يمكن أن نفسّر إقامة مستشفيات للكلاب والحيوانات في بلدان " العالم الأول " تعنى بأبسط وأعقد المشاكل الصحية للحيوانات بينما يموت أطفال ورجال ونساء من الجوع والأوبئة في بقاع كثيرة من العالم؟ كيف يمكن أن يأكل الحيوان المستحضرات المعقمة والمغذية التي يحرم منها طفل أفريقي أو آسيوي ؟ كيف يمكن أن يكون إنسانٌ موهوب فكرياً وعلمياً ويسخّر موهبته لصنع أو تصميم سلاح فتاك يودي بأرواح الملايين حول العالم؟ كيف يكون إنسان أعطي موهبة الترتيل ويمتنع أن " يطرب كنيسة المسيح " بالأناشيد الحسنة الإيقاع مثلاً؟ كيف لشخص أن يغفو بهدوء بينما جاره في مشكلة وهو يعلم ويستطيع مساعدته ولا بالمواساة ولا يفعل؟ ... إلخ
حريّ بالعالم أن لا ينسى الحيوان المسكين، ولكن حريّ به أن لا يترك إنساناً يموت من الجوع والفقر والعوز بينما الملايين يبذرون أموال الظلم في القمار والملذات والسعادة الزائلة . وحتى وإن كنا لسنا في موضع من يدين أحداً ، لكننا لا بد وان نتساءل: من من الأثرياء في هذا العالم يقدر أن يطرح غناه أمام قدمي الفقراء من حوله؟ ومن ينحني ليغسل أقدام القديسين كما انحنى الساكن في النور الأزلي الذي لا يُدنى منه وغسل أوساخنا؟
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
المراجع:
يعقوب ملطي، تادرس : تفسير إنجيل لوقا، الإصحاح 16

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات