انا الحكمة اسكن الذكاء واجد معرفة التدابير ... الرب قناني اول طريقه من قبل اعماله منذ القدم. منذ الازل مسحت منذ البدء منذ اوائل الارض. اذ لم يكن غمر أُبدئت اذ لم تكن ينابيع كثيرة المياه. من قبل ان تقررت الجبال قبل التلال أبدئت. اذ لم يكن قد صنع الارض بعد ولا البراري ولا اول اعفار المسكونة. لما ثبت السموات كنت هناك انا. لما رسم دائرة على وجه الغمر. لما اثبت السحب من فوق لما تشددت ينابيع الغمر. لما وضع للبحر حده فلا تتعدى المياه تخمه لما رسم أسس الارض. كنت عنده صانعا وكنت كل يوم لذّته فرحة دائما قدامه. فرحة في مسكونة ارضه ولذّاتي مع بني آدم فالآن ايها البنون اسمعوا لي.فطوبى للذين يحفظون طرقي. اسمعوا التعليم وكونوا حكماء ولا ترفضوه. طوبى للانسان الذي يسمع لي ساهرا كل يوم عند مصاريعي حافظا قوائم ابوابي. لانه من يجدني يجد الحياة وينال رضى من الرب. ومن يخطئ عني يضر نفسه.كل مبغضي يحبون الموت ... ( أمثال 8: 11-36 )
الحكمة تتحدث هنا في سفر الأمثال، وما هي الحكمة؟ هل يذكر أحدنا تلك الترنيمة التي ننشدها في خدمة سَحرِ الفصح العظيم المقدس والتي تقول في مطلعها " أيها المسيح الفصح الأجلّ الأمثل، يا حكمة الله وكلمته وقوته، أنعم علينا بان نساهمكَ بأوفر حقيقة في نهار ملكك الذي لا يغرب أبداً "؟
" الرب قناني اول طريقه من قبل اعماله منذ القدم " ينطق الروح القدس على لسان الملك سليمان مخبراً مسبقاً عن الحكمة الحقيقية التي يجب أن يسعى المرء لاقتنائها ، وكما يقول هو عينه في أول سفر الجامعة " باطل الأباطيل الكل باطل " ( جا1:1 ) ولكن " رأس الحكمة مخافة الرب " ( مزمور 111: 10 ). هذه هي غاية حياتنا المسيحية، اقتناء الحكمة ، أي معرفة الله، أي اقتناء الروح القدس . كيف ذلك؟
بلا شك لا يتكلم النص عن حكمة هذا العالم، فمن جهة حكمة العالم منقوصة وليست كاملة فلا يصح أن نلصق بها ( ألـ ) التعريف؛ ومن جهة أخرى يتحدث هنا عن الحكمة التامة التي هي عند الله منذ البدء وقبل خلق العالم، قبل أي زمن " أول طريقه " وقبل أن يقوم بأي عمل. وبما أن الله لم يكن من وقت لم يكن فيه موجوداً ولم يكن من زمن لم يكن فيه عاملاً ، فالحكمة المقصودة أزليةٌ كأزلية الله الآب " منذ الازل مسحت منذ البدء منذ اوائل الارض. اذ لم يكن غمر أُبدئت اذ لم تكن ينابيع كثيرة المياه. من قبل ان تقررت الجبال قبل التلال أبدئت. اذ لم يكن قد صنع الارض بعد ولا البراري ولا اول اعفار المسكونة " .
" كنت عنده صانعا وكنت كل يوم لذّته فرحة دائما قدامه "، كل شيء صنعه الله بحكمته ، وبحكته قد سُرَّ الرب إلهنا . يقول القديس التلميذ يوحنا اللاهوتي الإنجيلي " به - بالكلمة، يسوع المسيح - كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كُوِّن " ، الكلمة هو الذي قام بعملية الخلق، ولهذا كان من الطبيعي والمنطقي أن تكون عملية تجديد الخليقة من اختصاص الابن كذلك، لهذا تجسّد وأتى إلى العالم لتكون لخليقته حياة ويكون لهم ما هو أفضل ( يوحنا 10:10 ). الكلمة هي حكمة الله التي منذ البدء، وهي يسوع المسيح. يسوع، الابن ، هو فرح الآب ولذته " هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ". الله يحب الابن لأن الابن أحب العالم كما أحبه الآب ، ولهذا تقول الحكمة " ولذّاتي مع بني آدم "، فالإله خلق الإنسان لأنه يحبه ويريد لهذا الكائن ان يشاركه فرحه الأزلي. الله مكتفٍ بذاته ولكن لو تصورنا الله بدون المخلوقات فهل يمكننا ان نتخيل مع من سيشترك في الحب؟
الله خلق الإنسان لأن الذي يحب لا يحتفظ بالحب لنفسه، بل يسعى لمشاركة المحبوب في سعادته وفرحه. وهذا هو العطاء الذي هو محور كل حب حقيقي، وهذه هي محبة الله التي تتوجت بقمة العطاء وهو أن يتجسد الله ويختبر مع البشر آلامهم وخطيئتهم ونتائجها بالجسد " لانه في ما هو قد تألم مجربا يقدر ان يعين المجربين " ( عبرانيين2. 8 ). انت لا تقدر أن تعين متألماً ما لم تشعر بألمه وتختبر مصابه. هكذا احب الله العالم وبذل ابنه الوحيد لكي يكون لهم فيه حياة أبدية إذا هم آمنوا باسمه.
" فطوبى للذين يحفظون طرقي...لانه من يجدني يجد الحياة ... ومن يخطئ عني يضر نفسه، كل مبغضي يحبون الموت " ، الرب يسوع عرّف عن نفسه بثلاث كلمات " انا هو الطريق والحق والحياة " ، لا يوجد طرق متعددة بل طريق واحد وباب واحد لهذا قال " انا هو الطريق " ولم يقل انا طريقٌ ما. هؤلاء هم المغبوطون في فرح الرب الذين يحفظون طرقه ووصاياه.
إن الحكمة هي غايتنا، وهي الطريق والحق والحياة. لا سبيل إليها بقدرتنا البشرية الضعيفة وحدها، بل بمعونة وإرشاد الروح القدس " واما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم "( يوحنا 14: 26 ). هذا المذكِّر بكل مشيئة الله يجب أن نترك له حياتنا ليستلم دفة قيادتها لأن المرتل يقول بالروح " فم الصدّيق يلهج بالحكمة ولسانه ينطق بالحق " ( مزمور37: 30 ). والإنسان لا يصبح صدّيقاً ما لم يمتليء من الروح القدس الذي هو المعطي كل حكمة وفهم ومخافة الرب كما يقول النبي أشعياء " ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب "( أش 11: 2 ). وهذه الحكمة الحقيقية التي يعطيها لا يقدر احد على مقاومتها لأنها ليست من حكمة هذا الدهر، وهكذا لم يستطع أهل هذا الدهر ان يقاوموا كلام الحكمة والحق المنسكب من على شفتي القديس الشهيد الشماس استفانوس " ولم يقدروا ان يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به " ( أعمال 6 : 10 ) . من هنا نرى بجلاء ان الحكمة الحقيقية هي عطيّة الروح القدس، وان الحكمة الحقيقية هي معرفة الرب يسوع المسيح، ومن يعرف يسوع المسيح يكون قد عرف الآب " من رآني فقد رأى الآب " ، وبهذا تكتمل معرفتنا بالثالوث الأقدس واتحادنا به.
الحكمة البشرية هي حكمة منقوصة ونسبيةعلى أبعد تقدير، ويميز الرسول القديس بولس بوضوح بين الحكمة الإنسانية والحكمة الإلهية التي من روح الله القدوس " وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الانسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة " ( كورنثوس الأولى 2: 4 ). ويوضح الرسول القديس يعقوب أخو الرب هذه الحكمة النازلة من فوق فيقول " الحكمة التي من فوق فهي اولا طاهرة ثم مسالمة مترفقة مذعنة مملوءة رحمة واثمارا صالحة عديمة الريب والرياء " ( يعقوب3: 17 ).
ومنه فإن كانت غاية حياتنا ان نقتني مواهب الروح القدس على حد تعبير القديس سيرافيم ساروفسكي، فإننا باقتنائنا له نقتني الحكمة التي من فوق، وهذه الحكمة هي معرفة الرب يسوع المسيح وحفظ طرقه والحياة الأبدية به، ومن عرفه يكون قد عرف الثالوث الأقدس وصار في شركة الله.
آمين

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات