نعاني كثيراً في هذه الأيّام من مشاكل عائلية تتسبّبفي تصدُّع الكثير من العائلات،ممّا يكون له ـ سواء على المدى القصير أو البعيد ـتأثيراته السلبيّة، ليس فقط علينا نحن كأزواج وزوجات، لكن أيضاً على أولادناوبناتنا الذين نجعلهم ـ حينما ينشأون في جوّ متوتّر ومُنقَسِمـ يعانون من التمزُّّقوالحيرة تجاه ما نُلقّنهم إيّاه من قِيَم وفضائل وأخلاقيّات من جهة، وما يرونه فيحياتنا من صراعات وأزمات ومشاحنات من الجهة الأخرى.
ممّا يكون له أبلغالأثر على تنشئتهم وشخصيّاتهم ومُثُلهم وقِيَمهم الأساسيّة في الحياة، لا سيّما وهمفي مراحل تنشئتهم وتكوينهم. فهم إذن يعانون من جرّاء مشاكلنا وخلافاتنا، كما أنهمأيضاً ـ بلا أيّ ذنب اقترفوه ـ يدفعون غالباً ثمن صراعاتنا ومشاحناتنا وأزماتنا! ويالها من تَكلِفة كبيرة سيجنونها غداً بعد أن نكون قد زرعناها فيهم اليوم عن غيرقصد ودون أن ندري.
وللأسف غالباً مانكتشف ذلك متأخرين، بعد أن تكون دروسنا السلبيّة قد تأصّلت فيهم. ثمّ تجدنا بعد ذلكنسعى جاهدين لإصلاح ما أفسدناه نحن بأيدينا. ولكن هيهات، من أين لنا أن نستطيعتحقيق ذلك بعد أن يكون قد فاتَ أوانُ الزَّرع وحانَ وقتُ الحَصاد، الذي غالباً مايكون مُرّاً ومُؤلماً لنا ولأولادنا على حدٍّ سواء.
لذلك فإنني أجد لِزاماًعليّ في هذا الصَّدَد أن أوصي بقوّة، كل الأزواج والزوجات كي يسعوا جاهدين لمُعالجةمشاكلهم وخلافاتهم بطريقة هادئة وصحيحة وبلا انفعال، وأن تدور حواراتهم وخلافاتهمخارج المنزل إن أمكن أو في حجراتهم الخاصّة بعيداً عن الأولاد، وفي جوٍّ من النضجوالالتزام والحبّ بعيداً عن أيّ انفعالٍ زائدٍ أو مُتهوّر، حتّى يكون بمقدورهم أنيُنهوا الأمور (الخلافات) بأضيق الحدود وبطريقة صحيحة وإيجابيّة، دون أن يُسبّبواأيّة مشكلة لفَلَذات أكبادهم......
والآن أودُّ أن أستعرض بعض الأسباب الشائعة التي تجعلناـ كأزواج وزوجات ـ عُرضة لأن نتشاجر كلّليلة........
1.الذاتيّةوالكبرياء والأنانيّة والتشبُّث بالرأي:
هذه الصِّفاتـ في الحقيقة ـ هي السببالعام الرئيسيّ والمُحرّك الأساسي الذي يقف وراء معظم خطايا الجنس البشريّ! فكلإنسان بطبيعته البشريّة الناقصة يسعى لإرضاء ذاته وإشباع رغباته والتمسُّكبرأيه(ولو على حساب الآخرين!)،مُعتقداًفي كثيرٍ من الأحيانأنّه هو دائماً الوحيد ذوالرأيّ الصائب والآخرين مخطئين! وبناءً على ذلك فهو يسعى دوماًلإدارة الأموروتوجيهها وفقاً لرؤيته هو،دونحتّى أن يلتفت لوجهة نظر الطرف الآخر! وأمرٌ كهذا كفيلٌ فعلاً بالتسبُّب في تمزُّقالعلاقات وتفكُّك الأُسَر.
وفي هذا الصَّدَد أودُّ أن أُشجّعك ـعزيزي القارئ ـ أن تُدرِك أن الحياة الزوجية الرائعة هي تلك التي تُبنى على العطاءأكثر من الأخذ، وعلى الإتّضاع وإنكار الذات وتقديم الآخر في الكرامة، أكثر منالذاتيّة والتمسُّك بالرأي الذي يُحطِّم العلاقات والأفراد أكثر من أنيَبنيهم!
2. مفاهيم خياليّة وغير واقعيّة عن الزواج:
الكثير من الشباب يدخلون الحياةالزوجيّة بفَهمٍ خاطىءٍ ودون أن يكونوا مُستعدّين جيّداً لخطوة هامّة كهذه. فأيّامالإرتباط الأولى ـ بعد التعارف ـ وبداية الإرتباط العاطفي والنفسي، مروراً بمرحلةالخطبة وأيّام الزواج الأولى (ما دَرَجت المجتمعات شرقيّة أو غربيّة على حدّ سواء،على تسميته: شهر العسل أي(Honey moonلا تمثّل صورةًواقعيّةً عن الحياة الزوجية الممتلئة بالتحدّيات والضغوطات التي ستواجهها الأسرةالوليدة في المستقبل. ومع الاحتكاك والمسؤوليّات تنقشع شمس الهَيام والمثاليّاتوتنقص المحبّة ويكتشف الزوجان أنّ الحياة الزوجيّة ليست كما كانا يفهمان ويتمنّيان،فتضطرب حياتهما وتقوم المشاكل بينهما، والسبب وراء ذلك كلّه ربّما كان هو في الأساسالفهم الخاطئ المثالي وغير الواقعي لماهيّة الحياةالزوجيّة.
3. لأننا لمنتعلّم ولم نمارس الزواج بمفهومه الصحيح (التَرْك، الإلتصاق، الإتّحاد):
المفهوم الصحيح للزواج السويّ هو، أن ينفصل كلٌّ من الزوجوالزوجة عن كل الأطراف والأقرباء الآخرين، حتّى يؤسّسا معاً بيتهما الذي أراده اللهأن يكون. إن الشريكَين عديمَي الخبرة، لا يستطيعان في أحيانٍ كثيرةٍ أن يمارسا مايمكن أن نسمّيه (الفِطام النفسي) الذي يمكّنهما من العَيش باتّزان واستقلاليّة عنأسرتيهما، فنجد أحدهما أو كلاهما لا سيّما في سنيّ الزواج الأولى، يُسرع إلى والديهعند حدوث أيّة مشكلة بينه وبين شريكه، وبالطبع فإن أسرة كل طرف ستتدخّل لصالح الطرفالذي يتبعها، وبالطبع سيكون هناك ردّ فعل مُشابه من جهة عائلة الطرف الآخر، وهكذانجد أن الأمور تتفاقم، ممّا يُهدّد كيان هذه الأسرة الوليدة ويصنع شَرخاً وانقساماًهائلاً بين العائلتين قد يستمرُّ حتى لو انتهت المشكلة بين الشريكين أصلاً!. فمعظمالمشكلات الأسريّة تتضخّم وتستفحل ويصعب احتواءها، لأننا لم نتعلّم كيف نجعلمشاكلنا بيننا فقط ولا تخرج للآخرين مهما كان الأمر. نعم، إن التجربة والواقعيقولان لنا إنّ الكثير من المشكلات والأزمات التي تحدث في الأسرة الوليدة حديثاً،يكون وراءها ـ في أحيانٍ كثيرة ـ أفراد من أولئك البعيدين عن نطاق تلك الأُسرة،سواء كانوا أقرباء أو أصدقاء أو معارف أو ...إلخ، ممّا يزيد المشكلةتعقيداً.
لذافإننا ننصح بشدّة ألاّ يسمح الشريكان بحدوث أمرٍ كهذا بينهما، وأن يُدرِّبا نفسيهماأن تكون المشكلات محصورة بينهما ولها سريّتها وألاّ تخرج لآخرين سواهما، إلاّ فيحدودٍ ضيّقةٍ. وإن حَكَمَت الظروف بأمرٍكهذا، فليكن هذا الآخر شخصاً مُتخصّصاً ومنخارج أسرَتي الشريكَين. ونحن نقول إنّ على كلٍّ من الطرفين إن هما أرادا ضماناًللحياة الزوجيّة الرائعة، أن يتعلّما كيف يترك كلٌّ منهما أسرته (المقصود بالتَّركهو التَّرك النفسي أي الإستقلاليّة وتقليل الإتّكالِيّة، وليس الإهمال وعدمالإعتناء!)، و يلتصق بالآخر بروحٍ وبنَفسٍواحدةٍوبجسدٍ واحدٍأيضاً.
4. عدم المرونةوعدم اللِّياقة النفسيّة:
فالحياة الزوجيّة تتّسم بالكثير منالتقلُّبات والضغوطات التي تواجه الزوجَين، لذلك فالأمر يتطلّب قدراً معقولاً منالمرونة والاحتمال والتقبُّل. فإن لم يتواجدهذا القدر بطريقة مُناسبة، فذلك سيتسبّب بالطبعبالكثير من المُشاجرات والمُشاحناتالزوجيّة.
5. نقص مخزون الحب الاستراتيجي!
إنّ أمراً كهذايمكن أن يحدثكنتيجةٍ لعدمِ قضاءِ أوقاتٍ مُنتَظَمةٍ معاً لتصفية الأجواء ولشَحن وتجديد النشاط،كما يمكن أن يحدث أيضاً كنتيجةٍ لعدمِ تصفيةِ الخلافات أوّلاً بأوّل واختزانها ممّايُصعّب المسألة أكثر، ويُنذر بتفاقم الأمور عند أصغر مشكلة قادمة!.لذا علينا كأزواجٍ وزوجاتٍ ألاّ نترك المشاكلتحتوينا وتكسر علاقاتنا المُتميّزة، بل لنعمل على تصفيتها أوّلاً بأوّل"...إغضبوا ولا تخطئوا، لا تغرب الشمس على غيظكم،ليُرفع من بينكم كل مرارة وسَخَط وغضب وصياح و... وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض،شفوقين متسامحين كما سامحكم الله ..." (أفسس 4 :26،31، 32).
6. عدم وجود البُعد الروحي في حياة الشريكَين كلٍّ على حدى، أوبعلاقتهما معاً كأسرة:
فوجود الله في الأُسرة في حياة كلٍّ من الشريكَين على حدة وفي شركتهما معاً في العبادة العائليّة (إتّحاد أعضاء الأسرة جميعهم في جلسة يوميّة مُنتَظَمة أمام الله للصلاة والدعاء)، هو أمرٌ هامٌّ لا يمكن الاستغناء عنه إذا أرادت الأسرة أن تحيا حياة هادئة وآمنة ومُستقرّة.
والحلّ ...
لم ولن يكون متأخراً جدّاً أن نواجِه مشكلاتنا المُزمِنة بروح المحبّة، وأن نسعى جاهدين بكلّ ثقة وتصميم لأن نبدأ صفحة جديدة بحبٍّ وودٍّ وتفاهم جديد، بالمحبة نعالج الأخطاء ونواجه الضَّعفات ونسلّم كل ضعفاتنا ليد الله القدير الذي يمكن أن يعيد صياغة وتشكيل حياتنا بشكل جديد ورائع
:sm-otl-18:
منقول

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر


رد مع اقتباس

المفضلات