[FRAME="13 70"]
سلام الرّب لروحك أختي مي

أعتقد أنك تقصدين سر الإعتراف المقدس, لأنه ليس هنالك مسألة في هذا السر. وكلمة "شرط", إن صح التعبير, هي من المصطلحات الدخيلة في الإيمان واليقين وهي وليدة فكر الطبيعة البشرية المحدودة "الناسوت" . بمعنى آخر, دعيني أضرب لك مثلاً, كي أنجح في مادة الجغرافيا يُشتَرط أن أحضر 95 بالمائة من المحاضرات في الفصل الدراسي وأن أحقق 80 بالمائة من علامات الفحص النهائي. تلك تكون شروط النجاح أليس كذلك؟ طيب, وماذا عن الطالب الذي حصل على العلامة التامة لكنه تغيب عن معظم المحاضرات؟
هنا يتدخل الفكر البشري ويبدأ بتغيير الشروط !

أما الإيمان واليقين , فالمعطيات تختلف والمقاييس المشترطة تسقط. إيماننا وحدة متكاملة ذات مجهود مترابط ومتماسك إن تصدع جزءاً منها تأثرت باقي الأجزاء وفتر لهيبها أو اضمحل وجودها وتلاشت إلى العدم. الإيمان واليقين حلقة دائرية الشكل, مركزها الثالوث المقدس والنقاط التي تشكل محيطها هي مسيرة الإنسان الدنيوية كلما اقتربت من المركز اشتدت وارتقت إلى الألوهية وبابتعادها عن ذلك المركز تتجمد وتبقى على طبيعتها الوهنة المنحلة. ويمكننا القول إن حذفنا إحدى نقاط المحيط من تلك الدائرة تحولت إلى خطٍ ملتوٍ يسبح في عالم من جحيم الأهواء. أرجو أنني قد أصبت الرّد من الناحية العلمانية.

حسناً إذاً, وماذا عن استفسارك من الناحية الروحانية؟ سأجيبك حسب موهبة المسيح التي أُنعمتُ بها ومتكلاً على المعزي في كل قول :

أولاً في الإعتراف
لو وضعنا في قارورة ما طيباً، حتى ولو لثوانِ، وأفرغنا العطر من القارورة الحاوية، ألا تبقى مفيضة لأريج الطيب الذي أفرغناه منها؟ ولو كررنا لعدة مرات وضع الطيب في القارورة وسكبناه منها، ستبقى مفيضة لأريج الطيب، ورويداً رويداً ستكتسب تلك القاروة عطر و أريج الطيب.

الإنسان، أخيتي, مثل القارورة، والروح القدس الذي يحل ساعة الإعتراف بخطايانا ويمنح الصفح هو كالطيب. رويداً رويداً، ولو بدون أن يرغب الإنسان، سيفيض أريج عطر الروح القدس. عندها يرضى الإنسان بهذا الأريج الجميل ويبدأ ببغض الخطيئة. وبالنتيجة يطلب الإنسان ويلتمس من الروح القدس الثبات المستقر بشكل دائم في حاوية نفسه الذي هو الجسد.

إذاً، الإنسان الذي يخطأ باستمرار ثم يتقدم إلى سر الإعتراف، ويكرر هذا الأمر، يكسب بالنهاية المعركة ضد الشيطان. ويصير وعاءَ الروح القدس الذي يفيض أريجاً عطراً. إذاً لا وجود لليأس.

ربما تحدثنا النفس: أنا أرسم صليبي وأقوم بصلاتي أمام الإيقونة، وأقر بخطاياي أمام الله وأطلب الصفح. أليس هذا إعتراف؟ ألا يصفح الله لي؟

في الحقيقة, هذا المعتقد القائل أنه يكفي الإعتراف أمام أيقونة بدون أب معرف، هذا إبطال لسرّ الإعتراف. ولو أخذنا بهذا الرأي , أنستطيع أن نعتمد أو أن نتزوج أمام الأيقونة!؟ بالطبع لا..

جميع الأسرار، المعمودية، الميرون، الافخارستيا، الزواج،،، أسسها الله وبيّنها لنا بشكل واضح في الكتاب المقدس ليتممها الرسل وخلفاءهم. كذلك سر الإعتراف، الرّب يسوع المسيح أعطى سلطان ترك الخطايا للتلاميذ ليتمموه، فقط هُم، إذ قال لهم: "خذوا الروح القدس وكل من تركتم خطاياه، تُركت له، وكل من أمسكتموها أمسكت له". والرسل بدورهم سلموا هذا السرّ، وباقي الأسرار، لخلفاءهم الذين هم أساقفة وكهنة الكنيسة

قوة وسلطان إتمام الأسرار المقدسة أعطيت من الله للتلاميذ، والتلاميذ سلموها من بعدهم لكهنة كنيستنا. والإعتراف هو سرّ من أسرار كنيستنا المقدسة، والكهنة فقط لديهم سلطان حلّ الخطايا.

لا أريد التوسع هنا في سرّ الإعتراف مخافة من أن أطيل عليكِ الشرح لكنه بقي لي كلمة أخيرة في الإعتراف علها تنقل بنا إلى الصوم وهي أنّ بإسلوب الإعتراف هذا الذي حدده الله، يساعد الإنسان نهائياً لأن يحارب الخطيئة الكبيرة، الكبرياء. لأن الإعتراف يحتاج إلى صدق وتواضع.

تعلمين كم من الصعب أن يتواضع الإنسان، فإن لم نتواضع، علينا أن نعلم أنه لا نستطيع نيل نعمة الله، لأن المسيح قال هذا بوضوح: "يقاوم الله المتكبرين أما المتواضعين فيعطيهم نعمة" يعقوب 4: 6

هنا ننتقل إلى الصوم, دعيني لو سمحت أن أستعين بكلمات قدس أبونا توما بيطار, يعلمنا كاهننا الجليل أن الغرض من الصوم هو أن يتحرَّر الإنسان من تسلّط أهواء النفس والجسد، ومن ربقة الموت وتسيِّد الشيطان عليه. وهذا يطال ما للمعدة وما للحواس قاطبة، كما يطال كل ما للفكر الأهوائي فينا. الخطيئة أساسها فكرٌ وإرادةٌ في النفس. هذا الفكرُ بحاجة إلى نسك. لذا للفكر، أيضاً، صومه. صوم الفكر على نوعَين: داخلي وخارجي. تجوِّع الفكر، داخلياً، حين نمتنع عن تعاطيه، حين نَحدُّ من حركته، حين نَعزله، حين نُحوِّل انتباهنا عنه، حين نُقاومه إذا ما اضطرم، حين نُخرسه إذا ما ضجّ... هذا عن الصوم الداخلي. أما الصوم الخارجي فأن نَمنع عن فكرنا ما يغذّيه، كلَّ الإمدادات الخارجية، كل ما يأتيه عبر الجسد، لإضعافه وكبحه والقضاء عليه. فكر الزنى، مثلاً، نَقْطَع عنه المنشطّات الداخلية حين نَتصدّى للخيالات والأحاسيس التي تغذّيه. حاجتنا في ذلك هي إلى الإرادة الطيِّبة واسم يسوع واليقظة والصبر. كما نَقطع عنه الغذاء الخارجي بصون ذاتنا من المشاهد المثيرة. طبعاً الصوم، بهذا المعنى، أوسع مدى من أن يُحصَر في فترة الصوم الكبير. صومنا، على هذه الصورة، دائم.

لكنَّ الأصوام الموسمية معينٌ على شحذ الهمم وإعادة جمع النفس التماساً، بكثافة، لما هو لله.

الغرض من الصوم، في نهاية المطاف، أن أخرج من مثلّث الفساد (الخطيئة والموت والشيطان) الذي فينا وأن ُعِدَّ أنفسنا للدخول في سرّ الله. لذلك الصوم مقرون، دائماً، بالصلاة. أما سرّ الله فهو سرّ التجسّد، عمّانوئيل، الله معنا. هذا وحده الجديد تحت الشمس. كل ما عداه عتيق. ابن الله صار ابن الإنسان لنصير نحن فيه أولاد الله أي المؤمنين باسمه (يو 1: 12). لا يُصعدنا الصوم إلى السماء لكنّه يُعدُّنا لاقتبال السماء التي نزلت إلينا بوالدة الإله، في ابن الله المتجسّد، "لننال التبنّي" (غلا 4: 5). "عظيم هو سرّ التقوى الله ظهر في الجسد" (1 تيمو 3: 16)!

التجسّد هو الحقيقة المحورية التي جمعت الخليقة إلى الخالق. فيه تجلّى السرُّ "المكتوم منذ الدهور في الله خالقِ الجميع" (أف 3: 9). وفيه أيضاً بلغ تاريخ البشريّة غايته. من جهة ما لله، يسوع هو أعمق أسرار الله للإنسان (القدّيس مكسيموس المعترف)، ومن جهة ما للإنسان، هو أكثر حضورٍ بين الناس حميميةً وواقعيةً لله (القدّيس يوستينوس بوبوفيتش). من دون يسوع يبقى تشوّف الناس إلى الله مجرّدَ شوقٍ إلى ما يجهلون. وحده يسوع صورة الله الآب السماوي (2 كو 4: 4). لذا وحده مَن يراه يرى الآب (يو 14: 9). ولا أحد يأتي إلى الآب إلاّ به (يو 14: 6). هو وحده الطريق (يو 14: 6). "مَن له الابن فله الحياة ومَن ليس له ابن الله فليست له الحياة" (1 يو 5: 12). من دون يسوع تبقى ديانات الأرض، حتى أكثرها سموّاً، تخبط خبط عشواء في أدغال الأسرار الإلهية. الديانات التي لا تأتي بأصحابها إلى يسوع إما أنّها فاسدة وإما يقبض الشيطان على أفهام الناس لها ويسيِّرهم، زوراً وخلسةً، باسم الله، من حيث لا يعلمون، إلى الكفر والإلحاد والموبقات. من دون يسوع يبقى تاريخ البشريّة أرضَ العبث واللامعنى. القصد من خلق الإنسان أن يتجسّد ابن الله، والغرض من تجسّد ابن الله تأليه الإنسان.
بعد السقوط بات الخلاص بغير شخص الله مُحالاً. لذا قيل عن يسوع الناصري إنّه "ليس بأحد غيره الخلاص، فإنّه ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص" (أع 4: 12). المقصود أنّ الله يأتي بنفسه ليخلِّص. لا يَخلُص مخلوق بمخلوق. لذا قال في أنبيائه: "أنا أنا الرب وليس غيري مخلِّص" (إش 43: 11). "أنا أنا هو الماحي ذنوبكَ لأجل نفسي وخطاياكَ لا أَذكرها" (إش 43: 25).
هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة أنّ كلمة الله هو خالق العالَمين وأنّه هو إيّاه مَن صار إنساناً من أجل خلاصنا (القدّيس أثناسيوس الكبير).
لقد أدخلَ السقوطُ الخطيئةَ والفسادَ إلى العالم. إذا كان بإمكان الإنسان أن يتوب عن خطيئة فلم يكن فإمكانه أن ينجو من الفساد بقوّة ذاته. النعمة غادرته. لذا كان لا بدّ لغير الفاسد، للحيّ إلى الأبد، أن ينعطف على الإنسان ليبثّه عدم الفساد والحياة الأبدية. لو لم يتّحد الإنسان بالله بالتجسّد، على حدّ تعبير القدّيس إيريناوس الليّوني، لما كان بإمكانه أن يكون شريكاً في عدم الفساد.
التجسّد هو فعل محبّة الله الأكمل والأمثل من نحو الإنسان. سقط الإنسان وكان بحاجة لمَن يقيمه. تألّم وكان بحاجة لمَن يداويه. انحرم الحياة وكان بحاجة لمَن يحييه. تاه وكان بحاجة لمَن يرشده. استؤسِر للعتمة وكان بحاجة لمَن ينيره. في أسره احتاج إلى مخلِّص، وفي عبوديّته إلى محرِّر وفي أساه إلى معزّ. كل هذا، بحسب القدّيس غريغوريوس النيصصي، كان كافياً لحمل ابن الله على التجسّد. "أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمّلها... كلّنا كغنم ضللنا. مِلنا كلُّ واحد إلى طريقه والربّ وضع عليه إثمَ جميعنا" (إش 53: 4، 6). أعظم محبّة الله تجلّى في تجسّد ابن الله. بكلام الذهبي الفم، تجسّدُ الله هو فعل محبّةٍ للإنسان أعظم، بما لا يُقاس، من خَلْق العالم!
هل كان التجسّد ضرورة لا خلاص من دونها؟ كلا البتة! لم يكن ما فعله الله للإنسان ضرورة بقدر ما كان قراراً محبّياً. وقد أتاه الله لأنّ فيه خير ما يعبِّر عن محبّته للإنسان وخيرَ ما فيه نفع الإنسان (القدّ. أثناسيوس الكبير). ليس الله خاضعاً للضرورات الغاشمة لأنّه إله محبّ، ولا أراد أن يجعل الناس تحت الضرورة أيضاً لأنّه رغب إليهم أن يكونوا على شبهه في المحبّة. بلى كان الله قادراً على عدم التجسّد والصفحِ عن خطايا العالَمين عن بُعد. كان بإمكانه، على حدّ تعبير ثيودوريتوس القورشي، أن يتراءى من غير جسد كما تراءى لإبراهيم ويعقوب وسواهما لكنّه رغب في تجديد الطبيعة البشريّة. رغب في أن يلتزم الإنسانُ مسيحَ الربّ وكلمتَه وسيرته قدوة بالإيمان حتى كما خاض ابن الإنسان حرباً لا هوادة فيها ضدّ الشيطان وغلب يكون للمؤمنين به أن يُحرزوا، هم أيضاً، الغلبة بالإيمان والعزم ونعمة الله. إذ ذاك فقط يتسنّى لهم أن يتحرّروا من الإثم، أن يقوَوا على الشيطان إلى الأبد. بغير ذلك، ولو غفر الله لهم ذنوبهم، ما كانوا ليخلُصوا لأنّ الخطيئة كانت ستعود إليهم من جديد لتُفرع فيهم من جديد. هذا يعني أنّ غفران الخطايا إلى ما لا نهاية كان سيفضي بالإنسان إلى تعاطي الإثم إلى ما لا نهاية أيضاً. كان لا بدّ للإنسان أن يساهم في خلاص نفسه. وقد جعل كلمةُ الله نفسَه له عديلاً حتى باتّخاذه كل ما للإنسان، ما خلا الخطيئة، يمدّ الربّ الإله له، في جسده، طريق الخلاص. فإنّه حيثما غلب ابن الإنسان بات بإمكان كل إنسان، بالإيمان بابن الله ونعمة الله، أن يغلب هو أيضاً. هكذا يكون العديل قد خلُص بالعديل (القدّ. يوحنّا الدمشقي).
خلاصة القول أنّ محبّة الله للإنسان قضت بأن يصوم ابنُ الله عن الألوهة بدءاً فـ "أفرغ نفسه وأخذ صورة عبد صائراً في شبه الناس". ذلك كان خيرَ ما ادّخره الربّ الإله للبشريّة فاسحاً لهم في المجال أن يصوموا، هم أيضاً، في بشريّتهم المريضة. فإنْ يُفْرِغوا أنفسَهم من كل إرادة ذاتية لهم ويُهلكوا ذواتهم، بما تنامى فيها من أفكارِ وأهواءِ الهوان، يدّخروا "لأنفسهم أساساً حسناً للمستقبل لكي يُمسكوا بالحياة الأبدية" (1 تيم 6: 19). هكذا يكون ابن الله المتجسِّد قد صام عن نفسه ليموت مع الناس، مفسحاً في المجال للناس أن يصوموا عن أنفسهم ليَحيَوا في ابن الله المتجسِّد. هو ذاق الموت في جسده من أجلهم ليذوقوا هم، بدورهم، الحياة الأبدية في روحه القدّوس.انتهى كلام الأب الجليل توما.

أرجو من الرّب أني قد أصبت في إجابتي أخيتي مي
اغفري لي زلاتي فأنا الخاطئ والذليل إلى رحمة الرّب
أخيك وأحقر خَدم المسيح
سليمان
[/FRAME]