تأسيس الكنيسة وعلاقة ذلك
بعمل يسوع الفدائي وإرسال الروح القدس
إعداد رامي شربك
[frame="4 80"]
مقدّمة
نعلم أن القديس بولس الرسول تكلّم على أن هناك سرّاً إلهياً كان في الله منذ الأزل، وهو سر محبة الله للبشر. هذا السر يشكّل حياة الله ضمن الثالوث القدوس: "الله محبة"[1][1]. تنطلق المحبة من الآب وتعود إليه في دورة دائمة، في حركة بين الأقانيم الثلاثة الدائمة. هذا السر، سر أن الله محبة، كشف في المسيح وحققه المسيح. حقق المسيح المحبة بالفداء ثم عاد إلى أحضان الآب، وأعاد إليه هذا الجنس البشري المتروك الذي كان قد أخطأ. بعودة المسيح إلى الآب، الإنسان نفسه عاد إلى الله. ثم سكب الله الروح القدس على المؤمنين لكي يعطيهم كل ما حقق في المسيح، أي لكي يمنحهم سر محبته ويجعلهم يعيشون معه. حياة الله هذه كان له أن يمد البشر بها، والروح القدس هو الموزع لحياة الله ومعطيها. إذاً كل الهدف من مجيء المخلص على الأرض وصعوده إلى السماء هو توزيع المواهب الإلهية على الناس. بكلمة أخرى، يجب أن يكون هناك قوم يعيشون بحياة الله، وهؤلاء القوم هم الكنيسة[2][2].
والصفحات التالية هي بحث صغير يتوخى الحديث عن تأسيس الكنيسة في ضوء عمل يسوع الفدائي وإرسال الروح القدس. والحقيقة أن عمل المسيح والروح القدس في تأسيس الكنيسة لا يفهم إلا من خلال مخطط الله، الذي قبل الدهور، لخلاص الإنسان. لذلك، كان لا بدّ لي من التطرق، إضافة لما سبق، إلى أصل الكنيسة من جهة، واستمرارها وتجليها الكامل في الدهر الآتي، من جهة ثانية. من دون إغفال العلاقة المتأصلة بين الكنيسة والخلاص.
1- أصل الكنيسة وبدايتها:
لدى الكثيرين انطباع بأن الكنيسة تأسست يوم العنصرة، أي عندما نزل الروح القدس في وسط الرسل. في العنصرة أصبحت الكنيسة جسد المسيح واكتسبت كياناً. هذا يسمح لنا بالقول أن العنصرة هي عيد ميلاد الكنيسة. في كل حال، بداية الكنيسة ووجودها هما في زمن ما قبل العنصرة[3][3].
يعلّم الآباء القديسون أن بزوغ أول كنيسة كان مع خلق الملائكة. وهذا ممكن رؤيته في كتاباتهم عن أن الملائكة هم أيضاً أعضاء في الكنيسة. بالإضافة، الله الآب هو خالق "كل الأشياء المنظورة وغير المنظورة". وبين غير المنظورين يندرج الملائكة الذين ينشدون المدائح لله. تحفظ هذه الشهادة في كتاب أيوب: "عندما ترنمت كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله"[4][4]. ويتكرر التعليم في الكتاب المقدس عن أن الملائكة يشكلون الكنيسة الأولى. يقول الرسول بولس كاتباً إلى العبرانيين: "قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة"[5][5].
يمكن القول إذاً، أن الكنيسة كانت، قبل بدء الأجيال، غاية الخليقة وأساسها. وهي، بهذا المعنى، خلقت قبل كل شيء، ومن أجلها صنع العالم[6][6]. وهذه الكنيسة الأولى، التي كان الملائكة أعضاؤها، كانت روحية. يقول إقليمس الروماني أن الكنيسة "من العلى أولاً، مخلوقة روحية قبل الشمس والقمر. ولأنها روحية، فهي أظهرت في جسد المسيح"[7][7].
عندما خلق الله الإنسان "آدم وحواء" ووضعه في الفردوس، أُنجزت الكنيسة الأولى التي فيها مجّد البشر الله مع الملائكة. وبالرغم من سقطة آدم، لم تختف الكنيسة كلياً. فالإنسان فقد وعيه الحقيقي لله ومعرفته الأصلية له، وحاول جاهداً استعادة شركته معه من خلال أشكال دينية مختلفة. وكان هناك، في العهد القديم، رجال أبرار كالقضاة والأنبياء والقديسين، الذين استحقوا الرؤيا والوحي الإلهيين. لقد رأوا الله. وبما أن رؤية الله تتماهى مع التأله وشركة الإنسان مع الله، نقول أن البقية الصغيرة حفظت وأن الكنيسة وجدت في العهد القديم[8][8].
2- تأسيس الكنيسة وعلاقة ذلك بعمل يسوع الفدائي وإرسال الروح القدس:
إن المسيح لم يترك نظاماً فلسفياً جديداً، ولم ينشئ ديناً بسيطاً. وإنما ترك جسده وأرسل روحه[9][9]. فإذا كان المسيح "رأس الكنيسة التي هي جسده"، فالروح القدس هو"الذي يملأ الكل في الكل"[10][10]. الكنيسة جسد لكون المسيح رأسها، وهي ملء لكون الروح القدس يحييها ويملأها بالألوهة[11][11]. وهي، بحسب القديس كيرللس الإسكندري، "المدينة المقدسة التي لم تتقدس بحفظها الناموس بل لأنها تمثّلت بالمسيح وشاركت في الطبيعة الإلهية بالروح القدس الذي طبعنا بختمه يوم انعتقنا واغتسلنا من كل غضن، وتحررنا من كل عمل مشين. وعند القديس ايريناوس في جسد المسيح نجد مدخلاً إلى ينبوع الروح القدس[12][12].
وفي عملهما بين البشر، يتكامل أقنوما الثالوث الثاني والثالث. فلا يمكن النظر إلى عمل يسوع الفدائي بمعزل عن العمل التقديسي الذي يقوم به الروح القدس. وكما قال القديس أثناسيوس الكبير، تجسد الكلمة حتى يصبح بإمكاننا تقبل الروح القدس. فمن وجهة النظر هذه، كل هدف التجسّد يكمن في إرسال الروح القدس يوم العنصرة[13][13].
[/frame]
[1][1] ا يو: 8
[2][2] بندلي، كوستي، مجموعة من المؤلفين، المدخل إلى العقيدة المسيحية، ط3، منشورات النور، بيروت، ص220- 221.
[3][3] فلاخوس، المتروبوليت إيروثيوس، الفكر الكنسي الأرثوذكسي، تعريب الأب أنطوان ملكي، تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002، ص24.
[6][6] بولغاكوف، سرج، "الكنيسة"، مجلة النور، عدد 5 أيار 1956، ص306.
[7][7] فلاخوس، المتروبوليت إيروثيوس، المرجع السابق، ص26.
[9][9] Βασιλείου, Αρχιμ, ΕΙΣΟΔΙΚΟΝ, Ιερά Μονή Ιβήρον, εκδ. 6, 2003, σ. 18.
[11][11] لوسكي، فلاديمير، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق، تعريب نقولا أبو مراد، منشورات النور، بيروت، 2000، ص131.
[12][12] المرجع ذاته، ص147- 148.
[13][13] وير، تيموثي، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، تعريب هاشم الحسين مع فريق من حركة الشبيبة الأرثوذكسية، منشورات النور، بيروت 1982، ص51.
المفضلات