[frame="4 80"]
إن حدث العنصرة مستمر، ونزول الروح القدس متواصل منذ ذلك الحين، ليعيّن شهوداً للقيامة، حتى نهاية الأزمنة[1][32]. فالروح لن يتوقف أبداً عن "النزول" من الفجوة التي فتحها المسيح، وإلى الأبد، في حائط البعد والتفرقة، من خلال عنصرة الأسرار الحقيقية[2][33]. وهكذا، لاتعيّد الكنيسة في العنصرة ليوم ميلادها فقط، وإنما العنصرة هي سر حياتها بالذات. والروح القدس، بعد أن حضر، يبقى في العالم إلى الأبد حافظاً الكنيسة[3][34].
إلا أن تجلي الكنيسة الكامل سيكون في اليوم الأخير في أورشليم السماوية، حين يأتي ختن البيعة، عريس الكنيسة، فيكتشف شعب الله مجدداً وحدة الكنيسة الكاملة وشركتها التامة مع الله المثلث الأقانيم. وحينذاك لن يكون ثمة حاجة إلى هياكل "لأن الرب القدير والحمل هما هيكلها"[4][35]، وستكون "في غنى عن ضياء الشمس، لأن مجد الله أضاءها"[5][36]. وبذلك تبقى الكنيسة راسخة، لأنها متأصلة في محبة الله وعنايته.
4- الكنيسة خلاصنا:
يرتكز الاعتقاد بأنه لا يوجد خلاص خارج الكنيسة، على الأساس نفسه الذي يرتكز إليه الاعتقاد بعدم إمكانية تعرض وحدة الكنيسة للتصدع، أي يرتكز على عمق الصلة بين الله وكنيسته. وكما يقول القديس كبريانوس: "ليس بمقدور أي إنسان أن يتخذ الله أباً، مالم يتخذ الكنيسة أماً". إن تدبير الله الخلاصي يصل إلينا من خلال جسده، أي في الكنيسة[6][37].
والكنيسة هي حياة الله في الإنسان وفي العالم كله. وهي توحّد المسيح مع جميع البشر الذين تعمّدوا "بروح واحد" وصاروا "جسداً واحداً" أيهوداً كانوا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً، لأنهم قد ارتووا جميعاً من "روح واحد"[7][38]. وهذا الحدث الذي يجعل الإنسان "جسداً واحداً" مع المسيح، هو الذي يحمله مجدداً إلى جوار الله المثلّث الأقانيم، ويشركه في الحياة الإلهية. من هنا نجد ان الكنيسة ليست آلة تتم فيها تهيئة خلاص الإنسان، وإنما هي الخلاص. إذ إن جمع شمل أبناء الله في المسيح ليس عاملاً ثانوياً، وإنما هو حدث الخلاص عينه[8][39].
وهكذا فإن قوة القول المأثور "لا خلاص خارج الكنيسة" تكمن في تكرار الكلام: "لا يوجد خلاص خارج الكنيسة لأن الكنيسة هي الخلاص". ولكن هل ينبغي لنا أن نستنتج بأن كل من لا ينتمي إلى الكنيسة بشكل منظور لا بد وأن يكون مصيره الهلاك؟ بالطبع لا. كما أنه من غير المنطقي الاعتقاد بأن الانتساب المنظور للكنيسة يعني بالضرورة نيل الخلاص، إذ كما لاحظ المغبوط أغسطين بحكمة: "كم في الخارج من نعاج، وكم في الداخل من ذئاب". وكما أنه لا يوجد أي انفصام بين الكنيسة المنظورة والكنيسة غير المنظورة، يمكن أن يوجد في الكنيسة أناس، الله وحده يعلم بعضويتهم. نحن نؤمن بأنه من أجل الخلاص يجب الانتساب بمعنى ما للكنيسة، ولكن ليس بمقدورنا دائماً أن نقول بأي معنى يكون الانتساب وكيف[9][40].
خاتمة:
هذه هي الكنيسة، سر المسيح في الروح القدس، وهي مدعوّة دوماً إلى أن تصبح على صورة الثالوث[10][41]. إنها الكوّة المفتوحة بالصليب الظافر. وعبر هذه الكوّة لا تنقطع المحبة الثالوثية عن الفيض في نور القيامة[11][42]. ليست الكنيسة مؤسسة بشرية، إنما هي كيان إلهي- بشري. ليست شركة بشرية، إنما هي الجسد الإلهي- البشري للمسيح. أصل الكنيسة هو هذا الإله نفسه. إنها ليست اختراع البشر وليست ثمرة حاجات الإنسان الاجتماعية.
أعظم موهبة للنعمة لدينا هي أننا ننتمي إلى الكنيسة.أعظم نعمة هي أننا في هذه العائلة العظيمة. يجب أن نقدّر هذه الموهبة، يجب أن نحس أنفسنا محرّكين من الأعماق، وأن نجاهد لنبقى في الكنيسة، مختبرين نعمتها التقديسية ومظهرين من خلال حياتنا أننا في مجالها الخلاصي والتقديسي. هكذا سنحظى أيصاً بموهبة "النهاية المباركة" العظمى عندما يعطى لنا أن نرقد في "وسط الكنيسة"[12][43].
[/frame]المراجع
باللغة العربية:
- الكتاب المقدّس، ترجمة فان دايك، دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط، 1994.
- ألكسندر، الأسقف، القديس يوحنا كرونشتادت، تعريب الشماس سلوان موسي، دير سيدة البلمند البطريركي، لبنان، 1998.
- آليفيزوبولس، الأب أنطونيوس، زاد الأرثوذكسية، تعرف إلى كنيستك 18، تعريب الأب قسطنطين ينّي، منشورات النور، بيروت، 1985.
- بندلي، كوستي، مجموعة من المؤلفين، المدخل إلى العقيدة المسيحية، ط3، منشورات النور، بيروت.
- بولغاكوف، سرج، "الكنيسة"، مجلة النور، عدد 5 أيار 1956.
- جماعة من المسيحيين الأرثوذكس في فرنسا، الله حي، تعريب د. دعد قناب عائدة، منشورات دير مار الياس شويا البطريركي، بيروت، 2000.
- عطية، الأب جورج، الفداء، أمالي غير منشورة، البلمند.
- فلاخوس، المتروبوليت إيروثيوس، الفكر الكنسي الأرثوذكسي، تعريب الأب أنطوان ملكي، تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع، بيروت، 2002.
- فلورفسكي، الأب جورج، "جسد المسيح الحي"، مجلة النور، عدد تشرين الثاني 1949.
- لوسكي، فلاديمير، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق، تعريب نقولا أبو مراد، منشورات النور، بيروت، 2000.
- مجموعة من المؤلفين، الروح القدس، تعرف إلى كنيستك15، منشورات النور، بيروت، 1983.
- وير، تيموثي، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، تعريب هاشم الحسين مع فريق من حركة الشبيبة الأرثوذكسية، منشورات النور، بيروت 1982.
باللغات الأجنبية:
- Alevisopoulos, Antonios, the Orthodox Church, Translated by Stephen Anramides, Athens, 1994.
- Βασιλείου, Αρχιμ, ΕΙΣΟΔΙΚΟΝ, Ιερά Μονή Ιβήρον, εκδ. 6, 2003.
- Καυσοκαληβίτου, Γέροντας Πορφυρίου, Βίος και Λόγοι, Ιερά Μονή Χρυσοπηγής, Χανιά, 2003.
- Κοκκινάρη, Μ, Περιλήψεις Θπησκευτικών, Αθήνα.
- Νικοδήμου, Μιτροπολίτου, Μαρτυρία ź, Ιεράς Μητροπόλεως Ιερισσού Αγίου όρους και αρδαμερίου, 1996.
[1][32] جماعة من المسيحيين الأرثوذكس في فرنسا، الله حي، تعريب د. دعد قناب عائدة، منشورات دير مار الياس شويا البطريركي، بيروت، 2000، ص 343.
[2][33] مجموعة من المؤلفين، الروح القدس، تعرف إلى كنيستك15، منشورات النور، بيروت، 1983، ص 95.
[3][34] Κοκκινάρη, Μ, Περιλήψεις Θπησκευτικών, Αθήνα, σ. 53.
[5][36] آليفيزوبولوس، الأب أنطونيوس، المرجع السابق، ص149.
[6][37] وير، تيموثي، المرجع السابق، ص71.
[8][39] Alevisopoulos, Antonios, The Orthodox Church, Translated by Stephen Anramides, Athens, 1994, p. 63.
[9][40] وير، تيموثي، المرجع السابق، ص72.
[10][41] مجموعة من المؤلفين، الروح القدس، تعرف إلى كنيستك15، منشورات النور، بيروت، 1983، ص92.
[11][42] جماعة من المسيحيين الأرثوذكس في فرنسا، المرجع السابق، ص349.
[12][43] فلاخوس، المتروبوليت إيروثيوس، المرجع السابق، ص37.
المفضلات