الخلق في الكتاب المقدس
( الجزء الثاني)
+العهد الجديد +

لا نجد فيالعهد الجديد كما في سفر التكوين روايات خاصة بخلق العالم. إلا أن الإيمان باللهالخالق هو الأساس الذي يرى من خلاله العهد الجديد علاقة الله بالانسان. ثم ان الذينعاشوا مع المسيح أدركوا بالإيمان أنهم يحضرون في شخص يسوع المسيح تحقيق مواعيد اللهومقاصده التي سبق فحدّدها منذ إنشاء العالم. لذلك يؤكد العهد الجديد من جهة أُبوّةالله الشاملة لجميع خلائقه ومن جهة أخرى وساطة يسوع في الخلق كما فيالخلاص.
1- الله الخالق

إزاء العالم الوثني الذي كان يعبد الأصنام أكّد الرسل في كرازتهمعبادة الله الأوحد "خالق السماء والأرض". فبولس الرسول، في خطابه في لسترا، طلب منمستمعيه أن يرجعوا "إلى الله الحي الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها" (أعمال 14: 15)؛ وفي خطابه في أثينا في الآريوباغس، قال للجموع المحتشدةلسماعه:
"ان الإله الذي صنع العالم وجميع ما فيه لايسكن، إذ هو رب السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي، ولا تخدمه أيدي البشر كأنهمحتاج إلى شيءٍ ما، إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء. وهو الذي صنع من واحدكلّ أمة من البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً لهم مدى الأزمنة وتخوممساكنهم، لكي يطلبوا الله، لعلّهم يجدونه متلمّسين، مع انه غير بعيد من كل واحدمنا، إذ به نحيا ونتحرّك ونوجد، كما قال أيضاً بعض شعرائكم: "إنّا نحن ذريّته" (أعمال 17: 24- 28).
فالله، بحسب تعليم بولس، هوالذي صنع السماء والأرض، وهو الذي صنع من واحد جميع أُمم الأرض. فهو إذاً خالقالكون وجميع البشر، وبه نحيا ونتحرك ونوجد.
2- الخلق بالمسيح

يضيف العهد الجديد إلىالإيمان بالله الخالق فكرة جديدة، وهي أن الله خلق كل شيء بالمسيح. ترد هذه الفكرةعند ثلاثة كتّاب: بولس الرسول ويوحنا الانجيلي وفي الرسالة إلى العبرانيين التيتَبيَّن أنها ليست من وضع بولس الرسول.
* النصوص

(كولسي 1: 12- 20) يقول بولس فيرسالته إلى الكولسيّين إن المسيح هو "صورة الله غير المنظور، المولودُ قبل كل خلق،إذ فيه خُلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى... به وإليه خلقكل شيء، انه قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء" (1: 15- 17).
يبدو أن هذا المقطع هو جزء من نشيد مسيحي قديم كان يُنشده المسيحيونالأوّلون مؤكدين إيمانهم بدور المسيح في الخلق كما في الخلاص. فبعد الإشادة بدورالمسيح في الخلق يتابع بولس: "الذي هو أيضاً رأس الجسد، أي الكنيسة، انه المبدأ،البكر من بين الأموات -لكي يكون هو الأول في كل شيء- ففيه ارتضى الله أن يحلّ الملءكله، وأن يصالح به، لنفسه، كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره السلام بدمصليبه" (1: 18- 20).
(1 كورنثس 8: 6) "فنحن إنما لناإله واحد، الآب، الذي منه كل شيء ونحن إليه، ورب واحد يسوع المسيح، الذي به كل شيءونحن به".
يعلن بولس إيمانه بالله الآب الخالق كلشيء، ثم إيمانه بالابن الذي هو الوسيط في الخلق: "به كل شيء". وهو الوسيط أيضاً فيالخلاص: "فنحن به" أي به افتدينا وتقدّسنا وأصبحنا خليقة جديدة.
(يوحنا 1: 1- 18) ان الفصل الأول من انجيل يوحنا هو أيضاً، على مايرجّح، مستقى من نشيد مسيحي قديم يشيد بدور المسيح كلمة الله في الخلق والخلاص،فيعلن أن المسيح هو الكلمة الذي، خلق الله الآب الكون، وأنّه مساوٍ لله: "في البدءكان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله" (1: 1). ثم تشير الآيةالثالثة إلى وساطة الكلمة في الخلق: "به كوّن كل شيء وبدونه لم يكن شيء واحد مماكُوِّن"، وتعود الفكرة عينها في الآية العاشرة: "العالم به كُوَن".
وفي الآية الرابعة يبدو لنا الكلمة، الذي وُصف بأنه الوسيط في الخلق،الوسيط أيضاً في الخلاص: "فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء فيالظلمة..."، فالحياة والنور لفظتان تعنيان في انجيل يوحنا الخلاص، وكأنك في الآية 16: "ومن امتلائه نحن كلنا أخذنا ونعمة فوق نعمة".
(الرسالة إلى العبرانيين 1: 1- 3) "ان الله، بعد أن كلَّمَ الآباءقديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة،بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء مجده وصورةجوهره وضابط كل شيء بكلمة قدرته، الذي بعد أن طهّرنا من خطايانا، جلس عن يمينالجلال في الأعالي".
في هذه الآيات التي قد تكونأيضاً مستقاة من نشيد مسيحي قديم يجمع الكاتب عمل المسيح الخلاصي الذي به "طهّرنامن خطايانا"، ووساطته في الخلق. فبالمسيح "أنشأ الله لعالم". والمسيح هو "ضابط كلشيء بكلمة قدرته". فالخلق بالكلمة، الذي هو من عمل لله في سفر التكوين، تؤد هذهالرسالة أنه أيضاً من عمل الابن كلمة الله والوسيط الوحيد في الخلق كما فيالخلاص.

+++
[align=center]*مصادر فكرة "الخلقبالمسيح"
[/align]
ان المراجع الثلاثة التي يعبّرفيها العهد الجديد عن "الخلق بالمسيح" هي مستقلّة بعضها عن بعض. ومعظم المقاطع التيترد فيها تلك الفكرة هي بقايا من أناشيد كان المسيحيون الأولون يتلونها في صلواتهم. ومعروف أن الأناشيد والصلوات تعبِّر عن الإيمان. فنستنتج من هذا كله ان فكرة الخلقبالمسيح قد ظهرت في السنوات الأولى للمسيحية، وهي تعبّر عن إيمان الرسل والمسيحيينالأوّلين بأن يسوع المسيح هو كلمة الله الذي به خُلق كل شيء. ماذا يعني هذاالتعبير، وما هو مصدره؟
ان المسيحيين الأوّلين قدرأوا في شخص يسوع المسيح تحقيق كل ما ورد في العهد القديم في الحكمة الإلهية،وعبَّروا عن إيمانهم بتعابير استقوها من الفلسفة اليونانية ولا سيمَا من أقوالفيلون الاسكندر في العقل الالهي الذي نظّم العالم.


الحكمة في العهد القديم

انالعهد القديم قد تصوّر الحكمة موجودة مع الله منذ خلق العالم. وهذه بعض الآيات التينجدها في الأسفار الحكمية:
"أنا الحكمة... الربحازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. من الأزل مسحت ومن الأول من قبل أن كانتالأرض. وُلدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه... حين وضع للبحر رسمهفالمياه لا تتعدى أمره، وحين رسم أُسس الأرض، وكنت عنده مهندساً" (الأمثال 8: 22- 35).
"كل حكمة فهي من الرب ولا تزال معه إلىالأبد... قبل كل شيء حيزت الحكمة، ومنذ الأزل فهم الفطنة. ينبوع الحكمة كلمة اللهومسالكها الوصايا الأزلية" (يشوع بن سيراخ 1: 4، 5).
"هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك... ان معك الحكمة العليمة بأعمالكوالتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرضيّ في عينيك والمستقيم فيوصاياك" (الحكمة 9: 4، 9).
نجد في هذه النصوص تعابيرسيرى العهد الجديد تحقيقها في المسيح. فهو مولود كالحكة قبل كل خلق "حين لم تكنالغمار والينابيع الغزيرة". وهو "من الرب"، وهو "كلمة الله"، وهو "الجالس إلى عرشالله"، وهو "حاضر مع الله عند خلق العالم".
"الكلمة" في الفلسفة اليونانية

وردت لفظة "الكلمة" في الفلسفة اليونانية للدلالة على العقل الإلهيالذي نظّم العالم. واعتبر فيلون الاسكندري الكلمة إلهاً أدنى بواسطته خلق اللهالكون. فالكلمة، حسب قوله، "صورة الله التي بها خُلق الكون كله". كذلك يتكلم فيلونعن الحكمة التي "بها خُلق كل شيء".

فالجماعةالمسيحية اليونانية الأصل نسبت تلك العبارات إلى المسيح الذي رأت فيه حكمة اللهالمتجسِّدة وكلمة الله الذي ظهر في العالم وكان منذ البدء مع الله قبل خلق العالم. ففي الخلق كما في الخلاص لا وساطة غير وساطة المسيح الذي هو كلمة الله المولود منالله منذ الأزل.
وهكذا نشأت في الكنيسة الأولى تلكالأناشيد التي تستخدم الثقافة اليونانية للتعبير عن سرّ المسيح وإظهار علاقتهالفريدة بالله الآب. فهو وحده ابن الله الكائن منذ الأزل مع الله، وبه وحده تمَّخلق العالم، كما انه به وحده تمَّ الخلاص الذي هو"خلق جديد": "إن كان أحد في المسيحفهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحلّ وكل شيء قد تجدّد" (2 كور 5: 17).

المسيح هو المبدأوالغاية

ان الخلق الجديد هو الذي يعطي الخلقالأول ملء معناه. فالخلق الأول كان منذ البدء موجّهاً ليجد كماله في المسيح. لذلكفان المسيح هو في الوقت ذاته مبدأ الخلق وغايته الأخيرة، والهدف الذي يجب أن يسيرإليه كل انسان. لذلك يقول بولس: "به وإليه خلق كل شيء" (كولسي 1: 16). ان لفظة "به" تعني أنه المبدأ، ولفظة "إليه" تعني انه الغاية. ويردف بولس: "انه قبل كل شيء، وفيهيثبت كل شيء" (كولسي 1: 17). فكما أن كل عمل يقوم به كائن عاقل يسبقه دوماً الفكروالتصميم والمبدأ، هكذا فان المسيح هو المبدأ الذي سبق خلق العالم، "انه قبل كلشيء". وكما ان كل عمل يسير نحو غاية أخيرة، هكذاأيضاً المسيح هو الغاية الأخيرةالتي يسير إليها الخلق، لذلك "فيه يثبت كل شيء".

هذاالإيمان بما للمسيح من دور فريد في الخلق كما في الخلاص، عبَّرَ عنه أخيراً يوحنافي سفر الرؤيا بقوله إن المسيح هو "الألف والياء، الأول والآخر، المبدأ والغاية" (رؤيا 22: 13).


يتبع