لماذا تغنى الشعراء بالأم ولم يتغنوا بالأب الاّ قليلاً؟



ربما كان أحد الأسباب ان الرجال هم الشعراء الأكثرون وهم قريبون من أمهاتهم. لكن القصة لا تكون بهذه السعة ان كانت مجرد شعور ذاتي. هناك ما يتعلق بكينونة الانسان وربما بالمقاصد الإلهية التي تنزل علينا وجدانا. الانسان البالغ يعرف أن ثمة مشاركة بين الرجل والمرأة ليتكون الجنين ومع ذلك تولي الإنسانية كلها الأهمية القصوى للوالدة


في مرحلة أولى من تأمّلي أقول ان لفظة الرحمة مشتقة من الرحم. هكذا في العبرية وهكذا في الآرامية ولا يعقل ان تختلف العربية عنهما وقد لاحظ هذا المستشرق ماسينيون وهذا لا يمنع ان يصور الله كأب باعتبار التنظيم الاجتماعي في العهد القديم. غير ان عبارة الاحشاء الإلهية واردة غير مرة في الكتاب المقدس. ففي هذا يقول الله: "ترنّ أحشائي كعود من أجل موآب" (اشعيا 14 :11). كذلك في لوقا يتحدث عن "احشاء رحمة الهنا" (1 :78). تأنيث صورة الله واردة في الكتب المقدسة. ويقول الدليل عند قراءتنا موضعا آخر في أشعيا: "هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها. حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك": (49 :15). هنا يشبّه الله نفسه بالمرأة. لذلك القول بذكورية الكتاب المقدس في الحديث عن الله ليس قولاً حصرياً. وعلى غرار الحديث التأنيثي ذهب بعض من آبائناالى هذا ليس من انقطاع نهائي لحبل السرة على رغم عمل الطبيب الجراح لأن العلاقة بين الأم والطفل المولود ليست مجرد علاقة فسيولوجية. هناك امتداد بينهما لا نفهمه كليا متصل ربما بكون الجنين يسكن تسعة أشهر في بطن الأم بعد ان يتكوّن بلحظة وكأن صورة الاتحاد بين الزوجين لا تبقى هي الصورة السيكولوجية في نفس المرأة بحيث ان الطفل يسكن فيها وحدها وهي وحدها تغذيه وهناك نوع من وحدة التعايش يبدو ان الأم لا تتخلى عنها ولو بلغ الانسان الكهولة أو ما بعدها. لماذا أول ما يتمتمه الطفل المولود هو حرف الميم بالعربية والفرنسية والانكليزية والالمانية والروسية؟ لماذا أول صوت يصدر عن الطفل هو صوت الميم؟ من علّم الطفل هذا الحرف؟
لماذا يقول اللاهوت اننا عائدون الى حضن ابراهيم وتمثلنا الأيقونة هكذا؟ أليس لأننا نعتبره أبا الآباء وكأنه ولدنا بإيمانه ما يجعلنا في حضنه؟ أجل الانتساب في القيود هو الى الأب في كل الحضارات. هذا مجرد تسلسل يتعلق بالقيود أي ان هذا مصطلح مدني لا فرق شعوريا في نظام القبائل بين ان تكون ابن حرة أو إبن أمة
الفرق فقط ذكوري بحيث ان ابن الحرة يرث وابن الجارية لا يرث حتى أحست فرنسا الحقوقية في السنوات الاخيرة ان ابن المرأة الشرعية له الحصة الارثية التي لغير الشرعية. هذا ليس في فهمهم تعزيز لمس قدسية الزواج هذا في تفسيرهم يدل على ان كرامة الولد الطبيعي مثل كرامة الولد الشرعي في شقاء هذا الوجود



الوالدة الناضجة بالحب الوالدي تستطيع ان تقطع أدبياً حبل السرة غير ان مولودها لا يقدر على ذلك دوماً. هذه حالة مرضية قابلة للعلاج مبدئيا ولكنها استعداد لإفساد العلاقة بين الأم والولد. والتسلط الذي تمارسه الحماة على كنتها حتى التسبب بانفصال هذه عن الزوج صورة عن هذا المرض الرهيب. والكنة هي المكنونة في القبيلة والسلطة البطريركية التي تحملها هنا الحماة ترفض حرية الكنة أي حرية تكوين عائلة جديدة، نووية كما يقول الافرنج. تبقى إذاً هنا حتى سلطة الرحم الممدودة التي تسع الأجيال كلها ما أمكن استمرار الامتداد

من الناس إذاً من لم يفهم قول الله: "ويترك الانسان أباه وأمه ويلزم أمرأته ويكونان كلاهماه جسداً واحداً. حتى يتم التصاق لا بد من انقطاع تعود بعده الرحمة للأهل المسنين وتكون هذه هي الصورة الصالحة للحب الذي يعود من الجيل الفتي الى ذلك الذي سبقه




كيف تحب أمك بعد فترة رفضها ولا مهرب منها الى علاقة سليمة ولا سيما اذا كنت ترى ما يسوؤك في طبائعها هذا هو القبول الرحيم الغفور الذي لا تستطيع ان تطهّر نفسك من دونه. قال الرب
اكرم أباك وأمك" ولم يقل أحببهما بالمعنى العاطفي الذي يذهب الى امرأة أخرى لأن الحب اختيار. هذا تغليب لشعور الاحترام والوقار والتقديس وهو أساسي لواجب الاستقلال في اختيار الزوجة. هناك لبس كبير أحياناً عندما تسعى الى فتاة تشبه أمك لتذكر أمك في زوجتك ولكن انتبه ألا تكون زوجتك كنة مكنونة والا تكون انت فتى مضموماً مغناجاً
الأمومة تبدأ بفرح الزوجية أي بعهد التلقي والعطاء بين كائنين متحابين تعاهدا على البقاء معاً طوال الحياة من أجل ان يكتملا بالروح القدس ويكملا به بشريتهما حتى تطهر ويصيرا الى نورانية تقرب من نورانية الله حتى يلقياها في اليوم الآخر. تلك هي الخطة التي وضعها الله في الخلق لمشيئته ان يمد البشر بالمحبة التي في طبيعته ليمددها الى آخر العالم حتى ينهي الله الزمان. يصاحب هذا ابتهاج في الروح والنفس والجسد أي في كل الكيان البشري
وفي تواصل الرجل والمرأة يتم الاتصال بالله وبهذا الطهارة
غير ان كل هذا معطى من أجل مسؤولية هي مسؤولية الانجاب ليس ان الانجاب غاية بحد نفسه للحياة الزوجية ولكنه الثمرة الطبيعية في اشراف النعمة التي تتنزل على المحبين أي الى المدعوين الى الحب البشري حتى الموت لئلا يتسرب الموت الروحي الى الحياة قبل انقطاعها. فاذا بدا الطفل في حياة الحب بين كائنين تبدأ المسؤولية امام الله لأن الولد هبة أي هو له وليس ملكاً لأحد ولو أطاع لأن طاعة الاولاد هي تدربهم على المحبة أي صعودهم الى الرب والى اكتمال شخصيتهم به. تبقى التربية التي هي محاولة أخذ البنين الى الرب وهذا معنى كلمة تربية في لغتنا

وهي عمل شاق جداً ولا سيما في السنوات الاولى عند الولد. في هذه المرحلة دور الأم أساسي لأنها تسهر على طفلها سهراً طويلاً ليل نهار في الأشهر الأولى. هنا تتقبل من الطفل الشيء الكثير فهو يربيها كما تربيه وتنتقل من الأمومة الجسدية الى الأمومة الروحية اذ تتقدس بالعطاء وتفرح بهذا العطاء. الأمومة نشأة للمرأة كما هي نشأة للطفل في سر لقاء عجيب. وهذا امتداد لما يسميه المسيحيون سر الزواج



نموذج الأم هي مريم فاذا أعطت الوالدة نفسها لولدها عطاء كاملاً تصبح مريماً جديدة. ألا تستطيع المرأة ان تصبح كمريم "ممتلئة نعمة" لأنها ان لم تصر كذلك كيف تمد وليدها بالنعمة، بالطراوة، بالبهاء الروحي الذي اذا لم ندركه لا نكون على شيء. فتشت مرة مريم مع يوسف عن ابنها الضائع فلقيته في الهيكل يسائل العلماء. ما نفع الإنسان ان لم يسائل العلماء؟ قبل ذلك قدمته الى الهيكل فاقتبله سمعان الشيخ على ذراعيه وسماه نورا. ماذا ينفع الإنسان ان لم يتقبله كبار الروحانيين ليصير على مثالهم؟ هؤلاء أعظم من العلماء

ثم نرى يسوع وأمه في عرس قانا الجليل وقالت له ان المدعوين ليس عندهم خمر



فقال لها: مالي ولك يا امرأة لم تأتِ ساعتي بعد. والمعنى الظاهر انه لم يهتم لإكمالهم فرحهم بالخمر ولم يشأ ان تهتم امه للأمر. فقالت، اذذاك، للخدم: "مهما قال لكم فافعلوه" وكأنها كانت موقنة انه سيستجيب لحاجتهم

وهنا حوّل الماء الى خمر. هذه أمومة مارستها. "هذه بداءة الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده". هذه الأم العظيمة آمنت بوليدها العظيم ولباها لحبه



آخر مشهد للقائهما كان عند الصليب، ومعها "التلميذ الذي كان واقفا. قال لأمه يا امرأة هوذا ابنك ثم قال للتلميذ الحبيب هوذا أمك

هذا الشاب لا نعرف عن هويته واسمه الا كونه كان التلميذ الحبيب. ولكونه الحبيب جعله السيد ابنا لمريم. الأمومة أمومة للحبيب أي الذي صار تلميذاً كاملاً ليسوع. تكتمل امومة كل امرأة اذا حاولت ان تجعل ابنها كاملاً في الحب حسب قول السيد: "كونوا كاملين كما ان اباكم الذي في السموات كامل هو". ماذا تنفع الأمومة ان لم تكن غايتها محاولة إقامة البنين في المحبة؟ هذا هو الدور الذي أراده الله لكل والدة. هذه هي مساهمتها في الخليقة المتجددة بالرب واذا حاولت ذلك هذا هو مجدها


** المطران جورج خضر **