
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Gerasimos
الآباء والبنون
في الكنيسة!
في هذا الإطار، يحرص الآباء على ألاّ يظلموا الأبناء وألاّ يغيظوهم لئلا يفشلوا (كو 3: 21)، ولا يقطعون ولا يعزلون إلاّ الخبيث متى ثبت عناده في الخبث، لأنّ الرّسول قال أن "اعزلوا الخبيث من بينكم" (1 كو 5: 13)، إلى أن يتوب، إن تاب، ثمّ يُستعاد لأنّ السّيّد أوصى بأنّه "إن أخطأ إليك أخوك فوبّخه. وإن تاب فاغفر له" (لو 17: 3). لا يفرض الآباء الطّاعة لشخصهم، أسيادًا، باسم الله، كذوي سلطان، طالما السّادة عندنا خدّام، لئلا يوجدَ الآباء مصادِرين سيادة الآب. الآباء يسلكون، بدءًا، فيما للآب، بامّحاء. هذا نصيبهم وهذه موهبتهم قدوةً. فإن استجاب الأبناء، فالطّاعة في الحقّ، إذ ذاك، تكون الثّمرة، ثمرة محبّة الآباء للآب في الأبناء. فَرْضُ الآباء الطّاعة لذواتهم، كما لو كانت للآب، اختلاس ما لم تستدعِ محبّةُ الآب في الآباء طاعةَ الأبناء للآب في الآباء استدعاءً حرًّا. إن نتعاط ما لله في البشرة نحرصْ على أن نتوارى فيما خصّ نظرتنا، كآباء، إلى ذواتنا، وكذا فيما خصّ نظرة الأبناء إلى الآباء. "المسيح معنا وفيما بيننا". المهمّ أن يبقى كذلك وإلى المنتهى حتّى يبقى المجدُ لله ولا يُجيَّر للآباء. وما يبقى المجدُ لله إلاّ إذا قطع الرّعاة، كلٌّ، رأسَ عبادته لذاته، ليبقى الآب الكلّ في الكلّ، ويَثْبُتَ الرّوحُ، المتكلّمُ والفاعلُ في الآباء، سامعًا ومنفعلاً في الأبناء. من الرّوح المنطَلَق وبه التّقديس وله المآل. الآباء والأبناء يتعاطون الرّوح، كلٌّ من ناحيته، أو يسقطون في الأوهام والضّلال والكلام في الهواء. والآباء، في كلّ حال، مطالَبون بالمبادرة!
أمّا الأبناء فلهم السّيّد الرّبّ مسارٌ ومثال. الّذي جاء لا ليعمل مشيئته بل مشيئة الآب الّذي أرسله، في إثره يسير الأبناء في صنع مشيئة الآب المتكلّم في الابن، القائل إنّ الكلام الّذي كلّم به التّلاميذَ ليس له بل للآب الّذي أرسله. طاعةُ الأبناء، وفق هذا المسار، هي تجعل كلاً منهم ابنًا حبيبًا من الابن الحبيب الّذي سُرَّ الآب به. وإذا كان الابنُ الوحيد من الآب فالأبناء، لا فقط يساهم الآباء في تصديرهم، بل هم، أيضًا، يصنعون آباءهم، بالمساهمة والرّوح. ما دام أنّ الجميع، على الأرض، في رتبة الإخوة، فإنّ الكلّ قابل لأن يكون لسواه أبًا، إن لم يكن بالوظيفة فبالوضع. في الكنيسة السّابقون يلاحظون اللاّحقين ويجعلونهم في موقع الأبوّة ليتمّ الإسهام بعمل روح الرّبّ بكلّ لياقة وترتيب. فإن أساء السّابقون وعبثوا، فالرّوح مُصْلِحٌ كلّ خلل بالأبناء، وضعًا. هؤلاء يعملون عمل الآباء بالرّوح دون أن يُحدثوا خللاً في ترتيب الكنيسة، من جهة الآباء، أو انقلابًا. فقط يسلكون بحسب الرّوح (غلا 5: 25) ويثمرون ثمر الرّوح، محبّةً، فرحًا، سلامًا، طول أناة، لطفًا، صلاحًا، إيمانًا، وداعة، تعفّفًا (غلا 5: 22 – 23). الفراغ الّذي يحدثه الآباء بشرودهم، إن شردوا، يملأه الأبناء، إذ ذاك، بالرّوح والحقّ. هذا قد يُصلِح العديد من الآباء ويعيدهم إلى جادة الصّواب. فإن لم يُستعاد بعضُهم بحركة الرّوح في الأبناء، فإنّ الأبناء، بروح الفداء، يُتمّون عمل الله؛ فلا تكون الكنيسة رهن ما للبشر، إذ يقلب الرّوح الأدوار لكي تنحفظ الكنيسة من كلّ اضطراب. وهكذا يستمرّ المسير ولا تختلّ كنيسة المسيح لأنّ روح القدس ساهر فيها وأبواب الجحيم لا تقوى عليها.
بالنّتيجة، على الآباء، بالرّوح، أن يساهموا في صنع الأبناء، والأبناء في صنع الآباء. كلّ يحفظ الوديعة في موقعه. لا كبار ولا صغار بيننا وفق مقاييس هذا الدّهر، بل الكبير مَن أكبر ربّه طاعة بتطويع ذاته لخدمته وامّحائه بإزائه، والصّغير مَن استصغر وصيّة ربّه واستكبر.
يوم يسلك الآباء كآباء والأبناء كأبناء، على قلب الله، يكون سلام وفرح، لأنّ الآب، إذ ذاك، يتجلّى في الآباء، والابن في الأبناء، والرّوح يسود الجميع. ويوم يُعثر الآباءُ الأبناء والأبناءُ الآباء يُغيَّب وجه الله ويُعرَض عن الرّوح وتكون آلامٌ وعثراتٌ تدوم، إلى أن يستعيد روح الرّبّ، بالألم والصّبر والمحن، الاستقامة والإشراقة في الكنيسة، وهو مستعيدها، أبدًا، حتّى القيامة العامّة، لأنّه هو السّيّد فيها، بثبات، من السّيّد الآب بالسّيّد الابن إلى الدّهر.
المهمّ ألاّ يُعثِر أحدٌ أحدَ هؤلاء الصّغار، آباء أو أبناء، لأنّه كان خيرًا له لو لم يولد. مَن سقط على هذا الصّخر ترضّض ومَن سقط هو عليه يسحقه. "لا نستطيع شيئًا ضدّ الحقّ بل لأجل الحقّ" (2 كو 13: 8). الله في نهاية المطاف، لا يُشمَخ عليه! لا بدّ لمقاصده من أن تتحقّق ولا يمكن أن تعود إليه كلمته فارغة! الرّوح ضامن الكنيسة فلا خوف عليها! الخوف على خلاصنا، آباء وأبناء أفرادًا، لا على الكنيسة! صعبٌ على الإنسان أن يرفس مناخس (أع 9: 5)!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
المفضلات