اما اللاشعور فهو الكيفية الوحيدة السائدة داخل الهذا. وتجمع بين الهذا واللاشعور روابط وثيقة مماثلة لتلك التي تربط بين الانا والقبشعور، بل ان الرابط هنا اكثر حصرية. ولو القينا نظرة استرجاعية على تاريخ فرد من الأفراد وعلى تاريخ جهازه النفسي، لتأتى لنا ان نجري في الهذا تمييزاً هاماً ففي الأصل كان الهذا هو كل شيء. وقد تطور الانا بدءاً من الهذا تحت التأثير المتصل للعالم الخارجي. وفي أثناء هذا التطور الوئيد انتقلت بعض مضامين الهذا إلى الحالة القبشعورية، فاندمجت على هذا النحو بالأنا. بينما بقيت مضامين أخرى بلا تغيير في الهذا، فشكلت نواته التي يعسر النفاذ إليها. غير أن الانا الفتي والضعيف نبذ إلى اللاشعور، في خلال هذا التطور، بعض المضامين التي سبق له ان دمجها، وسلك المسلك عينه حيال انطباعات جديدة عدة كان في مقدوره استقبالها، بحيث ما تسنى لهذه الانطباعات المنبوذة ان تخلف أثراً إلا في الهذا. وإنما على هذا القسم من الهذا نطلق، بالنظر إلى أصله، اسم المكبوت، ولا يتأتى لنا على الدوام أن نميز تمييزاً دقيقاً واضحاً بين هذين الضربين في مضمون الهذا، وليس هذا بأمر ذي بال أصلاً، حسبنا ان نقول ان الهذا يتضمن مضامين فطرية ووقائع مكتسبة في مجرى تطور الأنا.
نحن نسلم إذن بانقسام طوبوغرافي للجهاز النفسي إلى أنا والى هذا، وهو انقسام يناظر كيفيتي القبشعور واللاشعور. ونحن نعتقد أيضاً ان هاتين الكيفيتين هما مجرد مؤشر إلى الفارق وليستا جوهره.
فما الطبيعة الحقيقية إذن للحالة التي تتجلى في الهذا بكيفيتها اللاشعورية، وفي الانا بكيفيتها القبشعورية، وما قوام هذا الاختلاف؟
اننا نقر بأننا لا ندري من الأمر شيئاً، وليس ثمة سوى بصيص باهت يضيء الظلمات الدامسة لمعرفتنا. فهنا على وجه التحديد نقترب من اللغز الحقيقي للظاهرات النفسية الذي لم يجد حله بعد فجرياً على معطيات علوم طبيعية أخرى، نسلم بأن كمية معينة من الطاقة تفعل فعلها في الحياة النفسية، ولكن لا تتوفر لنا أية قرائن قمينة بأن تسمح لنا بمقارنة هذه الطاقة بغيرها. ويبدو أن الطاقة العصبية أو النفسية توجد في شكلين: وأحدهما سهل الحركة، وثانيهما، على العكس، مقيد. واننا لنتكلم عن توظيفات (investments) وعن توظيفات فائضة (surinvestments) للمضامين النفسية، بل نذهب إلى حد الافتراض بأن كل "توظيف فائض" يعين ضرباً من تركيب لسيرورات شتى، تتحول أثناءه الطاقة الحرة إلى طاقة مقيدة. وعند هذا الحد تتوقف معرفتنا، لكننا نعتقد جازمين ان الفارق بين الحالة اللاشعورية والحالة القبشعورية يرجع، بدوره، إلى علاقات دينامية مماثلة، وهذا قمين بأن يفسر لماذا يمكن لإحدى الحالتين ان تتحول، تلقائياً أو بجهودنا، إلى الأخرى.
لقد توصل العلم التحليلي، رغم كل هذه الشكوك، إلى تقرير حقيقة واقعة جديدة. فقد أبان ان السيرورات التي تدور في اللاشعور أو الهذا تخضع لقوانين مغايرة للقوانين التي تخضع لها السيروارات التي تدور في الانا القبشعوري. ونحن نطلق على مجمل هذه القوانين اسم السيرورة الأولية، بالتعارض مع السيرورة الثانوية التي تحكم ظاهرات القبشعور أو الأنا. وعلى هذا، تكون دراسة الكيفيات النفسية قد أثبتت في النهاية أنها ليست عقيمة كل العقم.