مقدمة : في حفل التأبين الذي أقامته حركة الشبيبة الأرثوذكــسية يوم الأحد الواقع في 10 نيسان 2011 في ذكرى مرور أربعين يوماً على انتقال المثلث الرحمات قدس الأرشمندريت الياس مرقص كانت شهادة الصديق الأستاذ الياس الزيات .
المسيح قام
بهذا كان أبونا الياس يبادر لتحية مضيفه عند فتح الباب ، وكان يزور خاصته في دمشق , وكان يحب دمشق , ويجول على محبيه فيها كلما تردد إليها ، أما إذا كان الطقس ماطراً كعادة شتاوى الشام القديمة , فيخلع حذاءه وراء الباب كي لا يحمل الطين إلى داخل المنزل .
أبونا الياس من اللاذقية ، لاذقية العرب كما عرّفنا على اسمها صديقه المرحوم جبرائيل سعادة .
السنة ... لا أتذكر في أي سنة كان ذلك ... الوجوه بالطبع يصعب أن أتذكرها كلها , لا يزال بعضها عالقاً في ذهني ... الحدث أراه اليوم يمثل أمامي , في كل مرة أتذكر الأب الياس مرقص فيها :
كان صباح في كنيسة السيدة في اللاذقية ، والمناسبة كانت اجتماع شبيبة الحركة في مؤتمر كما كنا نسميه ، كان الأب الياس يقدس لنا آنذاك بلباس أبيض ... أخذنا وحلق بنا معه إلى حيث شاءت قدرته الروحية .
هكذا كان هذا القديس إذا تحدث أو وعظ أو قاد الجماعة ، فينزل إلينا ثم يرفعنا إليه وإلى قمم الفكر الروحي ودرجات متقدمة في التصوف .
من دنيوية الوظيفة في وزارة الداخلية ، صار مرسيل مرقص قائم مقاماً في القطيفة قرب دمشق ، فصار يأتيها ويجمع شباب الحركة ولمّا يجتاز أكثرهم المرحلة الجامعية ، فيصلّون ويتحدثون في بيوتهم في دمشق أو في دير معلولا ، ثم يتعشون معاً بعد صلاة النوم الصغرى .
أنا لم أكن معهم ، كنت مسافراً في بلغاريا لدراسة الفن ،ولكن أخي جبرائيل ومتري غزال ( رحم الله كليهما ) كانا يخبراني في رسائلهم عن لقاءاتهم بمرسيل مرقص ، إلى أن عدت في بداية الستينات ، وتعرفت به ولمست كيف يجتمع بالشباب ، ثم استقال مرسيل من الوظيفة تاركاً راتبه التقاعدي لوالدته ، وحينها أسس مع الأب جورج خضر أول رهبنة حديثة في الكنيسة الأنطاكية في دير الحرف ، ومن حيث كنا نتلهف لقراءة نشرة الدير للغذاء الروحي .
بالإضافة إلى معرفته الروحية اللاهوتية ، كان الأب الياس مرقص ضليعاً في تاريخ الكنيسة ، فالعلاقة مع كنيسة رومانيا الأرثوذكـــسية التي انقطعت في القرون الماضية ـ وكانت نشطة جداً في القرن السابع عشر ـ وكان هذا الانقطاع كما يخيل إلي بسبب تغير الظروف السياسية والاجتماعية ، هذه العلاقة استطاع الأب الياس أن يجددها باستقباله الأب صوفيان وتلامذته ، وهم مصورون كنسيون ، لتصوير كنيسة دير الحرف ، فكانت أول عمل لهم في لبنان ، ثم قام هؤلاء بتصوير كنيسة المطران جورج خضر في برمانا ، وبعد سنوات من ذلك صور تلامذة الأب صوفيان كنيسة الأربعين شهيداً في حمص بتكليف من المطران أليكسي عبد الكريم ، ثم كنيسة السيدة في حماه ( التي زالت الآن ) .
كان الأب صوفيان الروماني روحانياً من درجة عالية كالأب الياس مرقص، بدليل أنك إذا كنت تعرف أحدهما معرفة العارف ، يخال إليك أنه يرتفع عن الأرض إذا ما شاهدته ماشياً أو في أثناء الخدمة الروحية .
وهنا اسمحوا لي أن أفتح موضوعاً أجده كثير الأهمية :
هذا التقليد الكنسي الأرثوذكسي أي تزيين جدران الكنيسة بالمشاهد الدينية ، قد بعدنا عنه نحن معظم الأنطاكيين ، فلم نعد نعرف كيف نصلي قبالة الأيقونة ، وصرنا نظن أن الأيقونة زخرف في الكنيسة ، أو قطعة فنية أو أثرية ليست إلا .
وفي الأصول التقليدية المشاهد المرسومة على قبة الكنيسة وجدرانها وأعمدتها ، هذه العملية هي استدعاء السماء إلى الأرض في أثناء الطقوس والخدم الروحية ، فنعيش مع سكان السماء المرسومين على الجدران ، باعتبارهم أحياء طوباويين مشاركين معنا في تفعيل النصوص الليتورجية ، لتكون زادنا في التعامل مع الناس في العالم الأرضي .
انتقل الأب الياس مرقص تاركاً لكل من عرفه ذكراه العطرة ، وتاركاً أيضاً تراثاً هائلاً مكتوباً ، في التأمل الصوفي والحياة النسكية .
فليكن ذكره مؤبداً
الياس الزيات

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات