ولادة وموت المسيح:
يقال، أن الولادة والموت هما من خصائص الطبيعة الجسدية، أما أنا فأقول، إن ما سبق ولادة المسيح وما تلا موته ليس فيهما أي شيء مشترك مع طبيعتنا نحن. فعندما نلقي نظرة حول طرفي الحياة الإنسانية، ندرك من أي أتينا وما هي نهايتنا: يعود الفضل في بدء وجود الإنسان إلى الضعف ويتم حياته في العجز. لكن عندما يتعلق الأمر بالمسيح، فإن ولادته لا تعود إلى بداية الضعف، والموت لا يؤدي إلى حالة العجز. ليست النزوة هي التي أحدثت الولادة ولا الفساد تلا الموت (مز 16: 10).
هل تشك بصحة هذه المعجزة؟ عدم إيمانك أدهشني، لأنك اعترفت لا شعورياً بأن هذه المعجزات تتخطى حدود الطبيعة المخلوقة. وإنك لا تستطيع التبشير بديانتنا استناداً إلى القوانين الطبيعية، هذا ما يثبت ألوهة الذي ظهر لنا. في الواقع، إذا كان ما رويناه عن المسيح بقي في حدود الطبيعة، إذاً أين هو الإله؟ لكن إذا كانت الرواية تتخطى حدود الطبيعة، فإن ما يحدث الشك هو بالتحديد ما يثبت ألوهة الذي نبشر به.
يولد الإنسان من الاتحاد بين شخصين، وبعد الموت يصيبه الانحلال. لكن ولادة المسيح، لم تخضع لشروط طبيعتنا، لأنه ولد بلا زرع، ولأنه لم يخضع للتحول الذي يؤدي إلى الفساد. يعني ذلك، أننا نرفض التفكير بأنه رجل عادي كالآخرين ولد حسب الطبيعة.
إذا كنا لا نعتقد أن المسيح هو إنسان عادي، يجب حتماً الاعتقاد أنه الرب. في الواقع، إن الذي يروي لنا قصة ولادة المسيح يروي أيضاً، أنه ولد من عذراء (متى 1، لوقا 2). وإذا كنا نؤمن بولادته، فالأسباب نفسها تمنعنا من الشك أنه ولد، كما قيل، بطريقة فائقة الطبيعة. ( كل الأحداث تشهد أن هذه الولادة هي فائقة الطبيعة:
أولاً: حبل بلا زرع. تم الحبل به دون تلقيح البويضة بالخلايا الذكرية أي خالٍ من حالتي الضعف والعجز البشريين.
ثانياً: ولادة من أم وتبقى عذراء.
ثالثاً: تمت الولادة في مغارة. ودون وجود شخص ثالث ساعد العذراء على الولادة.
رابعاً: عادة بعد الولادة الأولى. تكون المرأة منهوكة القوى. بينما العذراء كانت بكامل قواها والدليل على ذلك (لوقا 2: 9-10 "قمطته وأضجعته في مذود"). وهناك نص من الكتاب المقدس يؤكد هذه الفكرة (أر 4: 13 "سمعت صوتاً كصوت المخاض. وصوتاً مثل شدة التي تلد بكرها").
الرب كان يهيئ مجيء المسيح المخلص على لسان أنبيائه ومكلميه. وفي عقول علماء المعرفة في بلاد فارس والهند. ينفذ وعده للإنسان. هذا ما يثبت أن المسيح ليس شخصاً عادياً. كما يدعي الكثيرون في عصرنا الحاضر فطوراً يقولون أنه رجل عادي وهذا خطأ فاضح لأنه مولود منذ الأزل وخارج الزمن من الأب وبدون أم. أما الولادة الجسدية فقد جرت من أم بشرية بدون أب بقوة الله. وطوراً يدعون أنه نبي كسائر الأنبياء وهذا أيضاً خطأ جسيم لأنه ليس من ذرية ادم. من جهة أخرى من المستحيل أن يخلص البشريبة إنسان من ذرية آدم. لأنه مستحيل أن يمنح الحياة الخالية من الفساد من كان فاسداً ولا الخلود من كان خاضعاً للموت. ولا القداسة من كان مجبولاً بالخطيئة. هذا حقاً يبرهن بأن الولادة تمت بعفل قوة إليهة لأنه مستحيل على امرأة عادية أن تلد وتبقى عذراء).
والدته كانت عذراء، ومن يتحدث عن ولادته وموته يشهد أيضاً لقيامته. إذا كانت هذه الرواية هي التي تقودك إلى الإيمان بموته وولادته، فهي نفسها تجعلك تقبل بأن هذه الولادة وهذا الموت هما خاليان من كل عجز. لكن، أنعترض بأن كل هذا يتخطى الطبيعة! بحيث نعتبر هذه الولادة مكانها في الحالات الفائقة الطبيعة؟
التجسد لم يضعف الطبيعة الإلهية:
إذا كنا ندعي، في تعاليمنا، بأن الألوهة ولدت في الرذيلة، سيتهجم خصمنا على إيماننا، وعلى العقيدة التي ندعمها عن الطبيعة الإلهية، ستكون متناقضة وغير معقولة، لأنه سيكون خرقاً للقدسيات أن يقال: الحكمة، الصلاح، عدم الفساد، وكل التسميات السامية قد تحولت إلى نقيضها. إذاً، أين هو الضعف؟
يقال: إن جسدنا خاضع للتغيير، هذا هو الضعف، لأن الذي ولد في هذا الجسد ينوجد في حالة الضعف. لكن، بما أن الألوهة هي خالية من حالة العجز، نكون إذاً، قد كوّنا تصوراً لله غريباً عنه، إذا اعتبرنا أن الكائن الخالي بالطبيعة من الضعف، هو نفسه يأتي ليشترك في حالة الضعف.
رداً على هذا الاعتراض، سنستعمل كلمة الضعف في معنيين، معنى حقيقي ومعنى مجازي (المعنى الأول: يعني أن قدرتنا هي محدودة نظراً لأن طبيعتنا هي محدودة. أما المعنى الثاني فيعني الضعف الإنساني الذي دخل على الطبيعة الإنسانية بعد السقوط بسبب دخول الأهواء فزاد ضعفها). فالحركة المتعلقة بالإرادة التي تجعل الفضيلة تتحول إلى رذيلة، هي فعلاً ضعف. بالعكس، كلما ينوجد تدريجياً في الطبيعة حسب التسلسل الخاص به، سيدعة حالة نشاط وليس حالة ضعف. هكذا الولادة، النمو، الثبات، اجتماع العناصر التي تؤلف الجسد، وبالعكس، انحلال هذا المركب وعودة عناصره إلى قلب الطبيعة.
حسب ديانتنا، بماذا اختلطت، اتحدت، الألوهة؟ هل مع الضعف، يعني مع الرذيلة؟ أو مع حركة طبيعتنا؟ إذاً تعاليمنا تدعم الفكرة القائلة: بأن الألوهة ولدت وسط ما هو ممنوع، يجب أن ندحض العبثية من العقيدة التي لا تقدم أية فكرة صوابية حول الطبيعة الإلهية. لكنها تؤكد بأن الله دخل في علاقة مع طبيعتنا، بينما هذه الأخيرة أخذت منه أصلها الأول ومبدأ وجودها. إذا كان الأمر هكذا، بماذا تنخدع الديانة التي نبشر بها حول الفكرة المكونة في أفكارنا عن الله، علماً أنه ليس هناك مجال مع الإيمان لأية حالة ضعف؟ لن نقول أكثر عن الطبيب الذي يمرض وهو يعالج مريضاً: حتى ولو احتك بالمرض وهو يعالجه، يبقى حالياً من الشر.
إذا كانت الولادة بحد ذاتها عجزاً، أو شراً، لا نستطيع أن ننسب إلى الحياة صفة العجز. فهذا العجز متعلق بالشهوة التي تحدث ولادة الإنسان والدافع الذي يحول الإنسان إلى الشر هو علة طبيعتنا. الله هو، حسب ديانتنا، خالٍ من الشهوة (ليست الشهوة بحد ذاتها مرذولة ولا العمل الجنسي نجساً لأن الله وضعهما في الطبيعة المحسوسة للحفاظ عليها فلولا الشهوة لانقرض الجنس البشري عن وجه الأرض ببضع مئات من السنين)، ومن صفة العجز. وهكذا، إذا كانت الولادة خالية من النزوة والحياة خالية من الرذيلة، فأية حالة عجز تلك التي اشترك فيها الله؟
كذلك أيضاً، هل انفصال النفس عن الجسد حالة عجز؟ سيكون الاسم الذي نطلقه على اجتماع هذين العنصرين هو أيضاً حالة عجز. إذاً، هناك تغيير في كلتي الحالتين: جمع ما كان منفصلاً، وانحلال ما نسميه التغيير الأساسي. لكن، إذا كان التغيير الأول "الولادة" هو ليس حالة عجز، سيكون من غير المنطق أن نعتبر الثاني "الموت" هو حالة عجز، حيث يفسخ اتحاد النفس والجسد.
بالنسبة إلى الله، ما نؤكده هو التالي: لقد اجتاز مرحلتي التغيير الخاصة بطبيعتنا (دون المرور بحالتي الضعف والعجز البشريين لأن المسيح ليس من ذرية آدم)، التي وحّدت النفس مع الجسد، والأخرى التي فصلت النفس عن الجسد. لقد اختلطت مع كل من الجزء المحسوس والجزء العاقل للمركب الإنساني، وبهذا الاتحاد الذي لا يوصف ولا يدرك، حصلنا على هذه النتيجة: اتحاد النفس والجسد وأصبح منذ الآن اتحاداً أبدياً.
يتبع>>>

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات