Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2962

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
السنكسار اليومي { تم فهرسة السنكسار - انظر المشاركة الأولى }

الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 10 من 218

الموضوع: السنكسار اليومي { تم فهرسة السنكسار - انظر المشاركة الأولى }

العرض المتطور

  1. #1
    أخ/ت مجتهد/ة الصورة الرمزية سليمان
    التسجيل: Mar 2007
    العضوية: 843
    الجنس: male
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    الحالة: سليمان غير متواجد حالياً
    المشاركات: 985

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: السنكسار اليومي

    [FRAME="11 70"]


    (5 كانون الأول)
    *القديس سابا المتقدس المتوشح بالله*

    القديس البارّ سابا المتقدِّس



    وُلِد القدِّيس سابا عام 349 في قيصريّة كبادوكية، ورقد عام 533 عن عمر 94 سنة. حياتُه المديدة التي صادفت عصرَ الرهبنة الذهبي امتلأت صلواتٍ وجهاداتٍ من أجل الكنيسة ومن أجل مُتَوَحَّده (تعريب كلمة لافرا اليونانية وكناية عن دير أشبه بقرية رَهبانيّة يعيش فيه المتوحِّدون). ولقد استخدم الله هذا الإنسان المتقدّس ليحفظ سلامة استقامة الرأي (الأرثوذكسية) في عصر متأزِّم.

    عاش القدّيس منذ سني الطفولة في دير التجأ إليه زاهداً في الدنيا وهو بعدُ في سنته الثامنة، إذ عاين انغماسَ الناس في الدنيويّات لمّا تجادل خالُه وعمُّه على ميراثه إثرَ سفر أبويه قسراً إلى الإسكندريّة عاهدين تربيتَه إلى عمّه. في الثامنة عشرة، ذهب إلى الأرض المقدّسة وفي نفسه رغبةٌ أن يصير من أتباع القدّيس أفثميُس. هذا رفضَه لصغر سنّه لكنّه عاد فقبله بعد 10 سنوات من الرياضة النسكيّة في دير الشركة الذي للقدّيس ثِئُكتيستُس. بساطة القدّس سابا وقداسته أدهشتا البارَّ أفثيميُس فلقَّبه "بالفتى الشيخ". في السنة 43 من عمره تنسّك لفترة طويلة في الصحراء قرب القدّيس جِراسِمُس الأردنيّ. انسحب بعدها وعاش وحده لخمس سنوات في كهفٍ منيعٍ في رّيْدِ جبل قَدرون قبالةَ الدير الحاليّ بالتمام. لذا، فإنّ ناسكاً كهذا صارماً وملتهباً حبُّه لحياة الرَّهبانيّة في المسيح كان مبتغى شبّان كثيرين. في عمر 45 سنة كان قد أحاط به 70 من نسّاك البراري الذين يعيشون في المغاور المجاورة. ولمّا صاروا 150 شخصاً، اضطُرَّ القدّيس أن يبني مُتَوَحَّده شمالَ مجرى النهر في وادي قدرون. ذاعت شهرة القدّيس، فالتجأ إليه رهبان كثيرون شبّان، من جنسيّات مختلفة من بينهم أسقفُ قُلُنِيُّةَ يوحنّا الهدوئيّ. لما بلغ 63 من العمر، صارت حاشيته تضمّ 5000 راهب.
    غير أنّه، وبينما كان عدد الرهبان يزداد، بدأت الجدالاتُ الأُرِجِنّيّة تُعكِّرُ الجوَّ الهادئ، إذ عصى بعض الرهبان رئيسَهم. أفسح القدّيس مجالاً للغضب مغادراً ديرَه مُؤقَّتاً. إلا أنّ الأوضاعَ ما تحسَّنت. فرجَع حاملاً رسائلَ تحذيرٍ من البطريرك إيليّا للرهبان العاصيين. أولئك ازدادوا تعصّباً فشاغبوا ثمّ ارتحلوا.
    عام 508 استقرّوا في المُتَوَحَّد الجديد. وهناك أيضاً استمرَّت الجدالات وتفاقمت المشاكل، أمّا سلام الله المُفتَرّض في حياة روحانيّة فقد فُقِد. والبار، بداعي محبّة كثيرة، ذهب إليهم وأسّس هيكلاً ومخبزاً وحدّد لهم رئيساً. وبعد رَدحٍ من الزمن أعادت صلواتُه غيرُ المنقطعة نعمةَ الله، فإنّ شرعيّة حضورِ القدّيس سابا تُضعِف المبتدعين.
    العقودٍ كثيرة في القرن الخامس، بلبلت الكنيسةَ بدعةُ الطبيعة الواحدة التي تعترف بأنّ طبيعة الرب الإنسانيّة امتصتّها طبيعتُه الإلهية كلّيّاً. فالبدعة إذاً، تُوهِنُ تأنّسَ الربَ وبالتالي خلاصَنا. عام 451 دعت الإمبراطورة بُلخَريّة إلى المجمع المسكونيّ الرابع في خَلقِدونية، الذي حرم المبتدعين وأعلن "طبيعتَي الربَ الكاملتَين في شخص واحد بلا امتزاج ولا تغيّر ولا انقسام ولا انفصال".
    لم يهدأ المبتدعون، فأعلن الإمبراطور زينون عام 482، وبهدف إعادة السلام، ما دُعي "مرسومَ الاتحاد" الذي قلّل مفعول المجمع المسكونيّ الرابع. هذا المرسوم عمّم البلبلات فصار ضدَّ السلام! أديار فِلَسطين دافعت عن المواقف المستقيمة الرأي وحَمَت البطريرك سالوستيُس ورئيسي الأديار سابا وثِئُذوسيُس.
    استمرّ الإمبراطور أنستاسيُس، الذي خَلَفَ زينون، في السياسة نفسها: فنَفَى رؤساءَ الكهنة المستقيمي الرأي (الأرثوذكسيين) وثَبَّت المبتدعين وعقد لهم مجمعاً وأدان فِلافيانُسَ البطريركَ الإنطاكيَّ وإيليّا بطريركَ أورشليم دون سواهما. في هذه الأثناء أرسل بطريرك أورشليم وفدَ رؤساء الأديار، ومعهم القدّيس سابا إلى الإمبراطور. هذا قَبِلَ الوفدَ إلا أنّ الحجّابَ منعوا القدّيس سابا من الدخول إلى البَلاط إذ أنّ جُبَبَه قديمة ومرقّعة. طلب الإمبراطورُ الناسكَ المشهور آمِراً بأن يُدخَل. وحدَها هيئةُ القدّيس كانت كافية لتؤثّر به، فاقتنع للوقت بأنّ يُرجئ مضايقةَ البطريرك المستقيم الرأي إيليّا وأن يُحرَّر هيكل القيامة شيئاً فشيئاً من الضرائب الثقيلة غير العادلة وأن يُعتِقَ منها سكّان أورشليم. غير أنّ موقفَ الإمبراطورِ المتساهلَ لن يستمرّ طويلاً، فقد أُجبِرَ بطريرك أورشليم أن يشترك مع اسفيرو بطريركِ أنطاكية الجديد وهو من أتباع بدعة الطبيعة الواحدة. رفض فنُفِيَ ومات. وكان إلى جنبِه القدّيس سابا. اختير يوحنّا الثالثُ، تلميذُ القدّيس خليفةَ البطريرك إيليّا إذ قد تعهّد بأن يَشجُبَ المجمعَ المسكونيّ الرابع. فأسرع القدّيس سابا وثَناه، وكانت النتيجة أن سُجِنَ يوحنّا الثالث. أجبره الإمبراطور وهو في السجن أن يشترك مع أسفيرو بطريركِ أنطاكية. فتَظاهَرَ، بالتوافُقِ مع القدّيس سابا، بأنّه يتعهّد أن يشجب المجمعَ المسكونيّ الرابع وأن يَعترفَ باسفيرو إنّما في اجتماع رسميّ فقط بمرأى من الكنائس وتُجاه كلّ السلطات. حضر إلى الاجتماع آلافُ الرهبان والمؤمنون، فحرم البطريركُ المبتدعين واعترف بالمجامع الأربعة وهو على عرشه في كنيسة القدّيس استفانُس. إذّاك صَفَّقَ المؤمنون لبطريركهم القويّ بينما انسحب ممثِّلُ الإمبراطور مستسلماً. حَنِقَ الإمبراطور وقرَّر أن ينفي البطريرك يوحنّا الثالث مع سابا وثِئُذوسيُس. فألَّف الآباءُ الثلاثة رسالةً للإمبراطور عام 516 اعتبرها بعدَ صلواتٍ كثيرة فغيَّرت رأيه. عام 518، خَلَفَ أنستاسيُسَ الإمبراطورُ المستقيمُ الرأي يُستينُسُ وتَبِعَه يُستِنيانُس عام 527، هذان ثَبَّتا استقامةَ الرأي والسلامَ في الكنيسة. من خلال ردّة الفعل هذه على جدالات بدعة الطبيعة الواحدة، يمكن لأيِّ كان أن يَعِيَ قيمةَ حضور القدّيس سابا في القرن الخامس الكثير الاضطراب! لكنّ جهاداتِه لم تتوقَّف هنا، فقد ارتبط اسمُه بالثورة السامريّة، إذ تمرَّد السامريّون وأعلنوا مَلِكاً آخَر، وأغاروا ليَنهَبوا زارعين الرعبَ، وقتلوا أساقفةَ المسيحيّين، وأحرقوا ذخائرَ الشهداء. أخيراً قَمَعَ يُستِنيانُسُ الثورةَ، لكنّه حَقَدَ كذلك على مسيحيّي فِلَسطين الذين احتَفَظوا للسامريّين بآثار قاسية. فلجأ البطريرك من جديد إلى الشيخ القدّيس سابا الذي أربى على 90 من السنين. أرسلَه إلى القسطنطينيّة ليُسَكِّنَ غضبَ الإمبراطور. هذا كان يعرف حياة البارّ المعمّر وجهاداتِه فاستقبلّه بالتكريمات: سجد له سجدةً وعانقه وقَبَّلَ رأسه. بدورها انحنَت له الإمبراطورةُ ثِئُذورة وطلبت بركته. لقد حَظِيَ الناسكُ الأشيبُ بتقديرهم! بمرسوم إمبراطوريّ حدّ من التطرّف السامريّ وحرّر فِلَسطين من كل جباية كما حسّن ترميم الهياكل الجليلة في أماكن الحجّ المدمّرة، بالإضافة إلى تحصين ديره الكبير.
    وليس كتاب الأصول (التيبيكون) إلا تقدمةُ أخرى من تَقَادِم القدّيس سابا لذلك يُعرَف باسمه، مثلما يُعرَف "بالأورشليميّ". بالاشتراك مع القدّيس ثِئُذوسيُس رئيس أديار الشركة، سنّ القوانين والتقاليد الطقسيّة التي نشأت في مصر وحافظت عليها أديار كثيرة في فِلَسطين. في أصوله، حدّد القدّيس سابا أيضاً ترتيب الخِدَم وتفاصيلها وتوزيعها على الأيّام المختلفة ولائحة بالأعياد والتقويم الذي تتّبعه. راجَعَ الكتابَ صفرونيُسُ بطريركُ أورشليم وتَلاه يوحنّا الدمشقيّ. ثمّ، في القرن الثاني عشر، أعاد النظر فيه بطريركُ القسطنطينيّة نيقولَوس الكاتب وفي القرن الخامس عشر راجَعَه سمعانُ التِسلوّنيكيّ.
    إشعاع القدّيس لم يقتصر فقط على ديره، فقد أسّس أدياراً غيره منها ثلاث متوحَّدات (المتوحَّد الجديد علم 508، متوحَّد الأفواه السبعة عام 512، متوحَّد إرمياء عام 531) وستّة أديار شركة (دير القلعة عام 492، دير مبتدئي المتوحَّد الكبير عام 493، دير غاذارِيَة عام 503، دير نِقوبُلي عام 508، دير المغارة عام 509، دير يوحنّا الاسخُلاري عام 512). كذلك أسّس خمسة مآوي فقراءٍ وفنادق لاستضافة الغرباء والآباء العابرين.
    الشيخ الأزهر، بل القدّيس، رأى دُنُوَّ أجَلِه، فسجد للقبر الفائق القداسة وانكفَأ إلى هدوء مُتَوَحَّده الحبيب. هرع البطريركُ بطرس الذي كان ابنه الروحيّ وبكثيرِ التوسُلات أحضّرّه إلى الدار البطريركيّة وهناك خدمه بنفسه. لكنّ البارّ رجاه أن ينقلوه إلى ديره ليرتاح في توبته. بعد أن حدّد مِليتاسَ البيروتيّ خليفتَه وترك له ترتيبات مكتوبة لطقوس مُتَوَحَّده وباقي أدياره، تناول القدّيس الأسرار الطاهرة ورقد في 5 كانون الأول عام533 عن عمر 94 سنة، وأُودِعَ اللحدَ في مُتَوَحَّده.
    فيما بعد، لأجل حماية جثمانه الذي حُفِظَ كلّيّاً بلا انحلال، نقله رهبانُه إلى القسطنطينية. وفي القرن الثالث عشر نقله الصليبيّون إلى البندقية. وبين الثالث عشر والسادس والعشرين من شهر تشرين الأوّل عام 1965 أعادت الكنيسةُ الغربيّةُ جثمانَه إلى ديره. والقدّيس من ذلك الحين في بيته يتشفّع إلى الربّ بكلّ الذين يطلبون وَساطَته. دوّن الكثير من معجزاته في حياته وبعد الموت، يضيق المجال بإيرادها. وختاماً، نسأله، أن يشفع بنا إلى الربّ ليُنعِم علينا بالجرأة لنحفظ استقامة الرأي بلا لوم في أفعالنا والأقوال، فلا نرميّها لغير المستحقّين.


    طروبارية باللحن الأول
    ظَهرتَ رأسَ الأبرارِ وَمُساويَ الملائكة, وَمُتقدِّساً مُنذُ الطُفولةِ أيها البارُ سابا, وبما أنكَ عِشتَ عَيشاً سَماوِياً, قُدتَ إلى الحياةِ بالله, بالأقوالِ والأفعال الحقّة, الصارخينَ بإيمانٍ, المجدُ لِمنْ قوّاكَ, المَجدُ لِمنْ كَلَّلكَ, المجدُ لِلفاعِلِ بِكَ الأشفِيَةَ لِلجميعْ.
    قنداق باللحن الثامن
    أيها المغبوط سابا، بما أنك منذ الطفولية قُدّمت بالفضيلة ذبيحةً لا عيب فيها، لله العارف بك قبل أن تولد، غدوتَ جمالاً للأبرار، وساكناً في القفر، تستحق المديح، فلذلك أهتف نحوك قائلاً: السلام عليك أيها الأب الدائِم الذكر.

    [/FRAME]

    †††التوقيع†††

    †††
    It is truly right to bless you
    O Theotokos

    دير القديس سمعان بطرس
    مركز "العذراء أم الرحمة"

  2. #2
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -6- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]

    (6 كانون الأول)



    * القديس نيقولاوس العجائبي أسقف ميراليكية *





    القديس نيقولاوس العجائبي أسقف ميراليكية

    (القرن الرابع)




    هو أكثر القدّيسين شهرة في كنيسة المسيح، شرقاً وغرباً. فصورته، كما ارتسمت في وجدان الناس عبر العصور، هي صورة الراعي الصالح، على مثال معلّمه. لا يترك إنساناً يستنجد به إلاّ هبّ إلى نجدته كائنة ما كانت حاله أو ضيقته أو حاجته. أكثر القدّيسين، كما نعرف، ارتبط ذكرهم، بين الناس، بحاجة محدّدة. هذه ليست حال القديس نيقولاوس. القديس نيقولاوس، على مرّ العصور، بدا وكأنه قدّيس لكل ظرف وحاجة. بهذا المعنى كان، في هذا البلد أو ذاك، شفيعاً للتلامذة والأولاد العاقلين والفتيات اللواتي لا مهر لهن والبحّارة والصيّادين والعتّالين وباعة النبيذ وصنّاع البراميل وعمّال البيرة والتجّار والبقّالين والقصّابين والمسافرين والحجّاج والمظلومين والمحكومين والمحامين والأسرى والصرّافين وغيرهم. لذلك لا عجب إذا كانت الكنيسة، عندنا، قد خصّته بيوم الخميس إكراماً واستشفاعاً، كما أدخلت الكنيسة اسمه في عداد النخبة من القدّيسين الذين يستعين بهم المؤمنين، على الدوام، عبر الإفشين الذي يُتلى في صلاة السحر وغيرها من الصلوات والذي أوله: "خلّص يا رب شعبك وبارك ميراثك...".

    كل هذا ولا نعرف من أخبار القدّيس نيقولاوس قبل القرن التاسع للميلاد إلا القليل القليل، مع أنه من المفترض أن يكون قد عاش وصار أسقفاً ورقد بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين. فأول من كتب سيرته بتوسّع كان القدّيس سمعان المترجم حوالي العام 912م. وكان مثوديوس، بطريرك القسطنطينية، قد دوّن عنه، قبل ذلك، سيرة مختصرة حوالي العام 840م. رغم ذلك، رغم افتقادنا إلى شهادات تاريخية مبكّرة في شأنه لا نشعر بالحرج ولا نعتبر النقص في المعلومات التاريخية المبكرة بشأنه حائلاً دون إكرامه. السبب بسيط أننا لم نعتد، في الكنيسة، إكرام القدّيسين استناداً إلى ثوابت تاريخية تؤكد أخبارهم- وهذه مفيدة إذا توفرت ولكن غالباً ما يتعذّر توفرها- بل لأن السابقين أكرموهم قبلنا. ولنا في الكنيسة، في شأن القدّيس نيقولاوس، شهادات تؤكد إكرامها له منذ القرن السادس للميلاد.

    شهادات عنه:
    بين ما نعرفه أن الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس بنى على اسمه، في القسطنطينية، سنة 530م كنيسة هي الكنيسة المعروفة باسم القدّيسين بريسكوس ونيقولاوس في حي بلاشيرن الشهير بكنيسة السيدة فيه. وعلى مقربة من المكان كان أحد الأسوار يحمل اسمه. وعندنا للقدّيس نيقولاوس إيقونات أو رسوم حائطية منذ ذلك القرن أيضاً، نشاهد بعضها في دير القديسة كاترينا في سيناء. ذكره كان معروفاً تماماً.

    من أقدم أخباره، من القرن الميلادي السادس، ظهوره لقسطنطين الملك في الحلم. يومذاك طلب منه قديسنا أن يوقف تنفيذ حكم الإعدام بثلاثة ضبّاط أدينوا ظلماً.

    ما شاع عنه:
    شاع عن القدّيس نيقولاوس أنه ولد في باتارا من أعمال ليسيّة الواقعة في القسم الجنوبي الغربي من آسيا الصغرى، وأن ولادته كانت في النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد. ارتبط اسمه باسم ميرا القريبة من باتارا، على بعد ثلاثة أميال منها. وقد ذُكر أنه تسقّف عليها. ميرا، في آسيا الصغرى أو كما تعرف اليوم بر الأناضول، هي "دمري" الحالية. هناك يبدو أن ذكر القدّيس لم تمحُه السنون بدليل أن المسلمين جعلوا له عند الكنيسة التي قيل أن القدّيس كان يقيم الذبيحة الإلهية فيها، أقول جعلوا له تمثالاً لما أسموه BABA NOEL"". يذكر أنه كانت لميرا، في وقت من الأوقات، ست وثلاثون أسقفية تابعة لها.

    إلى ذلك قيل أن القديس نيقولاوس عانى الاضطهاد في أيام الإمبراطورين الرومانيين ذيوكليسيانوس ومكسيميانوس وأنه اشترك في المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325م.

    هذا ويبدو أن قدسنا رقد في ميرا حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي واستراحت رفاته في الكنيسة الأسقفية هناك إلى أن دهم الموضع قراصنة من باري الإيطالية عام 1087م فسرقوه وسط احتجاج رهبان كان يقومون بخدمة المحجّة، وعادوا به إلى بلادهم حيث ما يزال إلى اليوم. وقد ذكرت مصادر عريقة أنه في كلا الموضعين، ميرا وباري، كان سائل طيب الرائحة يفيض من رفاته.

    نشير إلى أن بعض المصادر يخلط ما بين القديس نيقولاوس أسقف ميرا ونيقولاوس آخر يبدو أنه تسقّف في القرن السادس أو ربما السابع على بينارا من مقاطعة ليسيّة عينها. هذا الأخير كان رئيساً لدير صهيون المقدّسة ثم صار أسقفاً على بينارا ودفن في ديره على مقربة من ميرا.

    أخباره:
    من الواضح، في ما يُروى عن القدّيس نيقولاوس، أن أخباره عجائبية في أكثر تفاصيلها. حتى الأخبار التي يمكن أن تكون عادية عنه سكبتها الأجيال المتعاقبة بقالب عجائبي تأكيداً لطابع سيرته العجائبي. فلقد جاء عنه أنه كان يصوم عن الرضاعة في طفوليته يومي الأربعاء والجمعة إلا مرة واحدة بعد غروب الشمس. وأن عماً له، اسمه نيقولاوس أيضاً، كان أسقفاً على باتارا، لما سامه كاهناً تنبأ بالروح أن القدّيس سيصبح أسقفاً يوماً ما وسيكون تعزية وخلاصاً لكثيرين. ولما اختير أسقفاً على ميرا كان ذلك بتوجيه من ملاك.

    وقد كتب عنه مثوديوس القسطنطيني أنه عاين في رؤية مرة، الرب، يسوع المسيح مجللاً بالمجد، واقفاً به وهو يسلمه الإنجيل الشريف ووالدة الإله، من الجهة المقابلة، تضع الصاكوس على كتفيه. بعد ذلك بفترة قصيرة رقد يوحنا، أسقف ميرا، واختير نيقولاوس خلفاً له.

    إلى ذلك هناك عدد من الأحداث المروية عن القديس نيقولاوس تبيّنه رؤوفاً محباً للإحسان والعدالة. بعض هذه الأحداث جرى له في حياته وبعضها بعد موته. مرتان أنقذ سفينة أشرفت على الغرق وكان مسافراً فيها. مرة استجار به البحّارة وهم في عرض البحر وهو في كنيسته فأتى إليهم وأجارهم. مرة أوحى في الصلاة إلى سفينة محملة بالقمح كانت في عرض البحر فاتجهت صوب مقاطعة ليسيّة التي كانت قد حلّت بها مجاعة عظيمة. مرتان أنقذ غريقاً من الهلاك. مرة أقام ثلاثة أولاد من الموت. ومرة أنقذ ثلاثة مظلومين قبل لحظات من تنفيذ حكم الإعدام بهم.

    على أن هناك ثلاثة أخبار عنه هي أكثر أخباره شيوعاً بين العامة. دونك إيّاها مفصّلة.

    إنقاذه ضباطاَ مظلومين:
    اندلعت في أيام قسطنطين الملك ثورة في فرنجيا الكبرى قامت بها جماعة تعرف ب "الترافيليون" ولما تناهى الخبر إلى السلطة المركزية في القسطنطينية، بادر الملك إلى إرسال ثلاثة من القادة العسكريين لديه على رأس جيش كبير لمعالجة الوضع. فتوجه العسكر إلى فريجيا. وبعدما تمكّنوا من وضع حد للاضطرابات الحاصلة، عادوا إلى المدينة المتملكة مظفّرين، فأحسن قسطنطين وفادتهم وأكرمهم. ولكن تحرّك الحسد في نفوس بعض الحاقدين فشيّعوا لدى أفلافيون الوزير أن القادة الثلاثة لم يخمدوا ثورة "الترافيليون" بل عقدوا وإياهم اتفاقاً سرياً للإطاحة بالملك. ودعم الحاسدون دعواهم بشهود زور وتقديم هدايا ثمينة للوزير. كان الاقتراح أن يسعى الوزير إلى عرض الأمر على الملك لإثارة مخاوفه ومن ثم انتزاع موافقته على إعدام الثلاثة في أسرع وقت ممكن. فقبض الوزير على القادة المعنيين وزجّهم في السجن ثم بادر إلى الملك وهوّله بأخبار المكيدة التي يحيكها الثلاثة ضدّه، ثم سأله أن يصدر أمراً بإعدامهم للحال وأداً للفتنة. فارتاع الملك ووافق على إنزال عقوبة الإعدام بالثلاثة في البوم التالي. في تلك الليلة قبع الثلاثة في سجنهم ينوحون ويبكون، وهم يضربون أخماساً بأسداس. لم تكن أمامهم حيلة يردّون بها عن أنفسهم هذا الخطر المداهم. وحدها الصلاة بقيت نصيباً لهم فصلوا وسألوا القديس نيقولاوس أن يعينهم: "يا إله أبينا نيقولاوس نجّنا....". فظهر القديس في الحلم لكلا الرجلين، الملك ووزيره. قبل شروق الشمس، وطلب إليهما بتهديد أن يبادرا للحال إلى إطلاق سراح القادة الثلاثة لأنهم مظلومون. ولما كان الصباح أرسل الملك في طلب الوزير. وبعد الأخذ والرد أدرك الاثنان أنهما عاينا حلماً واحداً في شأن المحكومين فتوجسا خيفة. على الأثر أمر الملك بإحضار الثلاثة إليه. فلما حضروا دافعوا عن أنفسهم فتبيّن أنهم أبرياء فأطلق سراحهم.

    البنات والمهر:
    وكان هناك شخص غني عنده ثلاثة بنات جميلات. فقسى عليه الدهر فافتقر. ولما عضّه العوز وأبت عليه كرامته أن يمدّ يده ويطلب لنفسه وبناته حسنة، عرض عليه إبليس أن يدفع بناته إلى تعاطي تجارة الزنى، فقاوم التجربة إلى أن قويت عليه. ولكن قبل أن يبادر إلى تنفيذ ما علق في نفسه عرف القديس نيقولاوس بأمره فأتاه تحت جنح الظلام وألقى إليه من الطاقة بكيس من النقود وذهب. وفي الصباح اكتشف الرجل النقود ففرح بها فرحاً عظيماً، وتساءل من فعل ذلك. وإذ شغلته الفرحة والنقود اكتفى بشكر الله, وقام فجهّز ابنته الكبرى وزوّجها. وعندما رأى القديس أن الرجل استعمل النقود للخير عاد وأتاه من جديد ورمى إليه بنفس الطريقة، في الليل، مبلغاً من المال وذهب. واستفاق الرجل على كيس آخر من النقود فتعجّب وتساءل، ثم اكتفى بشكر الله وجهّز ابنته الثانية كما فعل بالأولى وزفّها إلى أحد الشبّان الطيّبين. أخيراً جاء إليه القديس ثالثة وأعاد الكرّة من جديد، لكن الرجل تنبّه، هذه المرة، للأمر فأسرع وفتح الباب وركض في إثر صانع الخير إلى أن أدركه. فلما رأى القديس نيقولاوس أن سرّه استبان ركع عند قدمي الرجل ورجاه ألا يعلم به أحداً. وبعد أخذ ورد، عاد القديس من حيث أتى، وعاد الغني المفتقر إلى بيته يسبّح ويمجّد. ثم ذهب فأدّى لابنته الصغرى ما أداه لأختيها من قبلها.


    عودة الغريق إلى بيته:
    يحكى عن رجل اسمه يوحنا عاش في القرن التاسع الميلادي في القسطنطينية، تقي ورع يحب الله ويكرم قدّيسه نيقولاوس، أنه سافر مرة في البحر لعمل. وبعد ساعات معدودة من مغادرته اهتاج البحر وضربت عاصفة السفينة التي كان مسافراً فيها. فأسرع البحّارة إلى ربط الأشرعة، وكان الوقت ليلاً. في تلك الساعة خرج الرجل إلى ظهر السفينة لقضاء حاجة. وما أن خطا خطوات قليلة إلى الأمام حتى اضطربت السفينة يميناً ويساراً فاختل توازن الرجل وسقط في البحر على مرأى من البحّارة وصراخهم. وغار الرجل في المياه وبكى البحّارة لفقده. ولكن لن تكن هذه نهاية القصة. فما أن بدأ الرجل بالغرق حتى صرخ في قلبه على غير وعي منه: "يا قدّيس الله نيقولاوس أعنّي!" وما أن فعل حتى وجد نفسه في غير مكان. وجد نفسه في بيته والماء يسيل من ثيابه. ولما استمر في الصلاة صارخاً، نهض أهل بيته من نومهم مذعورين فوجدوه على هذه الحالة فاندهشوا وتحيّروا وخانتهم لغة الكلام إلى أن استردوا وعيهم وسألوه لماذا هو بهذه الحالة وكيف عاد إلى بيته. وسادت في المكان جلبة ليست بقليلة ما أن هدأت حتى فهم الجميع من الرجل أنه سقط غريقاً في البحر وأن القديس نيقولاوس هو الذي أدركه وأعاده إلى بيته سالماً معافى. فتُحُدث بهذا العجب في كل القسطنطينية وشكر الجميع الله وازدادوا إكراماً لقدّيسه نيقولاوس وتعلّقاً به واعتماداً عليه. أما يوحنا فقيل إنه والد بطريرك القسطنطينية مثوديوس الأول الذي اعتلى سدّة البطريركية بين العامين 843 و847م.


    طروبارية باللحن الرابع
    لقد أظهرتكَ أفعالُ الحق لرعيتك قانوناً للإيمان، وصورةً للوداعة ومعلماً للإمساك، أيها الأب رئيسُ الكهنة نيقولاوس، فلذلكَ أحرزتَ بالتواضع الرفعة وبالمسكنةِ الغنى، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.


    قنداق باللحن الثالث
    لقد ظهرتَ كاهناً في ميرا أيها القديس، لأنك لما أتممتَ إنجيل المسيح أيها البار، وضعتَ نفسك عن شعبك، وخلصتَ الأبرياءَ من الموت. فلذلك تقدَّست بما أنك مسارٌّ عظيمٌ لنعمة الله.


    [/FRAME]

  3. #3
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -7- كانون الأول

    [FRAME="11 70"](7 كانون الأول)

    * القديس أمبروسيوس أسقف ميلان *





    القديس أمبروسيوس أسقف ميلان

    (+367م
    )

    نشأته:
    ولد القدّيس أمبروسيوس في عاصمة بلاد الغال، أي فرنسا اليوم، سنة 334م أو ربما340م. كان أبوه، واسمه أمبروسيوس أيضاً، ضابطاً أعلى لشؤون فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا واسبانيا وموريتانيا. له أخوان مرسيلينا البتول وساتيروس، وكلاهما في الكنيسة قديس. وثمة قرابة تربطه بقديسة أخرى هي سوتيرا الشهيدة. رقد والده وهو صغير السن فعادت به أمه وبأخويه إلى روما، من حيث خرجت العائلة أصلاً.

    تلقى أمبروسيوس قسطاً وافراً من العلوم فدرس اليونانية ونبغ في البيان والفلسفة وبرز كخطيب مفوّه وشاعر أريحي. كل هذا ولم يكن بعد قد اعتمد، مع أنه من عائلة مسيحية، لأنه كان هناك اعتقاد شائع في أيامه أن من يسقط في الخطيئة بعد أن يكون قد اقتبل المعمودية يعرّض نفسه للهلاك. لهذا السبب جرى بعض الناس على عادة تأجيل معموديتهم إلى سن متقدمة. القديس أمبروسيوس كان من هذه الفئة من الناس، وكان ما يزال بعد في مصاف الموعوظين عندما تمّ اختياره أسقفاً لميلان في سن الرابعة والثلاثين.

    خرج أمبروسيوس إلى ميلان حيث كان مقر المحكمة العليا، فدرس القانون وبرع وشاع ذكره حتى بلغ أذني أنيسيوس بروبس، المولّى على إيطاليا فقرّبه إليه وجعله مستشاراً لديه ثم حاكماً لمقاطعتي ليغوريا وأميليّا اللتين ضمتا كلاً من ميلانو وتورينو والبندقية ورافينا وبولونيا. يذكر أن بروبس كان رجلاً مناقبياً فاضلاً نزيهاً حليماً. فلما أراد أن يزوّد أمبروسيوس بتوجيهاته لم يجد من النصح خيراً من حثّه على أن يحكم لا كقاض بل كأسقف.

    وبالفعل، سلك أمبروسيوس في حاكميته كأسقف، يقظاً، مستقيماً، رؤوفاً. ولما حانت الساعة لا حظ أهل ميلان أنه بالحقيقة أدنى إلى الأسقف منه إلى الحاكم فاختاروه أسقفاً عليهم.

    أسقفيته:
    مفاد ذلك أنه لما رقد أوكسنتيوس، أسقف ميلان، وكان آريوسياً، سنة 347م، اجتمع المؤمنون، صغاراً وكباراً، في الكنيسة الكبرى في المدينة ليختاروا له خلفاً. اختيار الأسقف، فيما يبدو، كان يتم يومذاك بالإعلان الشعبي. وإذ كان الشعب منقسماً على نفسه فقد تعذّرت تسمية أسقف يوافق عليه الجميع. وكادت تقع أعمال شغب فاستدعي الحاكم لضبط الوضع. فلما حضر وقف بالناس خطيباً فأعطاه الحاضرون سكوتاً عميقاً لأن الجميع كانوا يجلّونه. ففتح فاه ودعاهم إلى جعل اختيارهم بروح السلام ليكون لهم أن يختاروا الأفضل عليهم. اتسم كلامه بالحكمة والوداعة والعذوبة فلامس قلوب سامعيه وحوّل أنظارهم إليه، فهتفوا بصوت واحد: "أمبروسيوس أسقف!".

    لم يصدق أمبروسيوس، أول الأمر، لا عينيه ولا أذنيه. فلما استمر المحفل في الهتاف "أمبروسيوس أسقف!"، اضطرب وترك المكان للحال. ولما لحق به الناس حاول أن يظهر بمظهر الرجل العنيف ليردّهم عنه فلم يرتدّوا.

    فأقفل على نفسه إلى حلول الظلام. ولما خفتت الأصوات طلب الخروج من المدينة فهام على وجهه إلى الصباح، ولما عاد إلى نفسه وجد نفسه عند باب المدينة. واستمرت ملاحقة الناس له أياماً حاول خلالها التواري فباءت جميع محاولاته بالفشل إلى أن بلغ الخبر أذني الإمبراطور والنتنيانوس الأول فأنفذ أمراً بإلزامه بقبول الأسقفية. ولما لم يجد أمبروسيوس مفراً من الرضوخ أسلم نفسه لله وأذعن، فتمّت معموديته وارتقى الدرجات الكهنوتية حتى الأسقفية في غضون ثمانية أيام.

    وما أن ارتقى أمبروسيوس سدّة الأسقفية حتى عمد إلى توزيع ما اجتمع لديه من ذهب وفضة ومقتنيات على الفقراء، فيما وهب الكنيسة ما كان يملكه من أراض وعقارات. لم يترك من ثروته الطائلة غير نصيب متواضع اقتطعه لحاجات أخته مرسلينا المعيشية. وقد ذكر مترجمه أن تخلّيه عن غنى العالم وكراماته كان كلياً وبلا ندامة لدرجة أنه، مذ ذاك، لم تعد للمال والمجد الباطل وطأة عليه.

    بعد ذلك انصرف إلى دراسة الكتاب المقدّس وكتب الآباء ومعلمي الكنيسة، لاسيما القدّيس باسيليوس الكبير وأريجنيس المعلم. وقد اتخذ لنفسه مرشداً الكاهن سمبليسيانوس الذي خلفه أسقفاً وأحصي، لسيرته الفاضلة، بين القدّيسين.

    وقد جرى أمبروسيوس، منذ أول أسقفيته، على حفظ الإمساك بصرامة. أصوامه كانت يومية ما خلا في الآحاد والسبوت وأعياد بعض الشهداء. ولكي يجتنب الإسراف كان يمتنع عن قبول الدعوات إلى المآدب، لكنه كان يدعو الآخرين، أحياناً، إلى مائدة بسيطة متواضعة لديه. كان يقضي قسماً مهماًَ من ليله ونهاره في الصلاة، ويقيم الذبيحة الإلهية كل يوم ويعظ كل أحد.

    انصرافه إلى رعاية شعبه كان كاملاً. الفقراء في عينه كانوا الوكلاء والخازنين الذين يستودعهم مداخيله. اعتاد أن يستقبل الناس الوافدين إليه كل يوم طلباً لمشورة أو نصيحة. فإذا ما نفذ ما في يده كان مستعداً حتى لأن يبيع الأواني الكنسية ليسعف بها المحتاجين. وكان يقول: "إن إطعام الجياع حلالاً. وما كان ليتوسّط لإنسان في وظيفة لها علاقة بالقصر الملكي، ولا حاول البتة أن يقنع أحداً بالانخراط في العسكرية، لكنه كان يسعى أبداً إلى إنقاذ حياة المحكومين بالموت. اعتاد أن يبكي مع الباكين وأن يفرح مع الفرحين. كان على رقة ورأفة فائقين. الخطأة التائبون كان يرأف بهم رأفة عظيمة ويدعوهم إلى الإعتراف بخطاياهم ويبكي عليهم ومعهم. وكان يحث المؤمنين على المناولة بتواتر. ولا يختار أحداً إلى الكهنوت إلاّ بحرص عظيم.

    كان شديد العناية بكهنته، يحبّهم ويسهر على نفوسهم، يعلّمهم بالمثال ويرشدهم بالكلمة. الكاهن الصالح كان عنده كنزاً ثميناً عظيم القيمة، يفوق كل ما نتصّوره قدراً.

    كان يحب التبسّط في الكلام على بركات البتولية. أخته مرسيلينا كانت بتولاً. من نسميهم نحن اليوم راهبات كانوا يسمَّون في أيامه عذارى أو بتولات. بعض البتولات كان يبقى في دورهن وبعضهن كان يقتبل حياة الشركة. أخته كانت من الفئة الأولى. وقد سألته أن يكتب عن البتولية فوضع ثلاث مقالات في العذارى، عرض في الثالثة منها طريقة حياتهن فدعاهن إلى الاعتدال والامتناع عن زيارة الناس والانصراف إلى الصلاة والتأمل والبكاء والعمل بأيديهن لا ليؤمنّ لأنفسهن حاجات الجسد وحسب بل ليكون لهن ما يعطينه للمحتاجين. ويبدو من كلامه أن كثيرات كن يقبلن على الحياة البتولية بدليل سعيه إلى الإجابة على اعتراض قوم قالوا إن تزايد البتولات المكرّسات يشكل خطراً على البشرية لأن الراغبات في الزواج في تناقص مطّرد.


    أمبروسيوس والآريوسية:
    هذا وقد اهتمّ القدّيس أمبروسيوس بتنظيف أبرشيته من خمير الهرطقة الآريوسية حتى أنه في غضون اثني عشر عاماً من بدء أسقفيته، لم يبق على أرض ميلان مواطن واحد على الآريوسية ما خلا بعض الغوط وأفراد قلائل من العائلة المالكة. صلابته حيال الهراطقة والهراطقات كانت لا تلين. الإمبراطورة يوستينة الآريوسية حاربت بضراوة، لكنه تمكن بعون الله والتفاف المؤمنين حوله والصمود من رد خطرها عن نفسه وعن شعبه. مثل ذلك أنها أوفدت قرابة عيد الفصح من السنة 385م عدداً من خدامها تطلب منه أن يسلم إحدى كنائسه لأتباع آريوس لتكون لها ولعائلتها ولهم مكان صلاة، فامنتع. فأوفدت موظفين كباراً فردّهم. فبعثت بضباط يضعون اليد على الكنيسة فاهتاج الشعب وخطف أحد الكهنة الآريوسيين. فلما بلغ الخبر أذني الأسقف القديس أرسل للحال كهنة وشمامسة استعادوه سالماً لأنه لم يشأ أن تهرق نقطة دم واحدة. ولما جاء إليه قضاة يطلبون منه أن يسلم الكنيسة لأنها حق للإمبراطور، أجاب: "لو سألني ما هو لي، أرضي أو مالي، لما منعته عنه مع أن ما أملك هو للفقراء، ولكن ليس للإمبراطور الحق فيما هو لله..... إذا كان في نيتكم أن تكبلوني بالأصفاد أو أن تسلموني للموت، فأنا لا أستعفي. لن أحتمي بالناس ولا بالهيكل....". في المساء خرج أمبروسيوس من الكنيسة إلى بيته حتى إذا ما أراد الجند التعرض له لا يتأذّى أحد من المؤمنين. ثم في صباح اليوم التالي توجّه إلى الكنيسة العتيقة فألفى الجند يحيطون بالمكان فسأل بعض كهنته أن يذهبوا إلى الكنيسة الجديدة موضع النزاع ويقيموا الذبيحة الإلهية فيها، وإن تعرض لهم العسكر فليهددوهم بالحرم ففعلوا. وإذ كان الجند من حسني العبادة لم يتعرّضوا للكهنة بسوء فدخل هؤلاء الكنيسة وتمّموا الخدمة الإلهية وكان الجند بين الحاضرين. استمر الوضع مشدوداً لبعض الوقت وأمبروسيوس والشعب لا يلينون إلى أن اضطر الإمبراطور إلى التراجع عن موقفه.

    هذا كان فصلاً من فصول اضطهاد يوستينة للقديس أمبروسيوس والأرثوذكسيين.

    مرّات حاولت يوستينة ترحيله ففشلت ومرة أرسلت إليه من يضربه بالسيف فيبست يده، ومرة لازم الكنيسة أياماً والشعب من حوله, والكنيسة يحاصرها الجند ويمنع الخارجين منها. وفي عظة تفوّه بها قدّيسنا في تلك الحقبة السوداء خاطب الشعب المؤمن بمثل هذه الكلمات: "أخائفون أنتم أن أتخلى عنكم لأنجو لنفسي؟! لا! لا يمكنني أن أتخلى عن الكنيسة لأني أخاف سيد الخليقة أكثر مما أخاف سيد القصر. ربما أمكنهم أن يجرّروا جسدي خارجاً لكنهم لا يقدرون أن يفصلوني عن الكنيسة بالفكر..... لا تضطرب قلوبكم! لن أتخلى عنكم أبداً، ولكن لن أرد العنف بالعنف. بإمكاني أن أتنهد وأبكي. الدموع هي سلاحي الأوحد في مواجهة السيوف والجنود. ليس للأساقفة غير الدموع يدافعون بها عن شعبهم وعن أنفسهم. لا أستطيع, لا بل ليس لي الحق أن أقاوم بطريقة أخرى..... وإن راموا تصفيتي فليس لكم إلا أن تكونوا متفرجين لأنه إذا كانت هذه مشيئة الله فكل احتياطاتكم باطلة. من يحبّني يعطني أن أصير ضحيّة للمسيح.... لن أعطي لقيصر ما هو لله..... أيطالبوننا بالجزية؟ الكنيسة تدفعها! أيرغبون في عقاراتنا؟ بإمكانهم أن يأخذونها! ما يقرّبه الشعب المؤمن كاف لسد حاجة فقرائه. يأخذون علينا أننا ننفق بوفرة على الفقراء. هذا لا أنكره أبداً لأنه لي فخر. صلوات الفقراء هي حصني. أولئك العمي والمخلعون والمسنّون أشدّ بأساً من خيرة المحاربين... القيصر في الكنيسة هو لكنه ليس فوق الكنيسة...."

    أخيراً رقدت يوستينة واضطربت الظروف السياسية والعسكرية الإمبراطور والنتينيانوس الثاني، ابنها، أن يغيّر موقفه حتى إنه صار يعتبر القديس أمبروسيوس بمثابة أب له. وبقي كذلك حتى وفاته.

    يذكر، في مجال تحصين المؤمنين ضد الهرطقة الآريوسية، إن القديس أمبروسيوس عمد إلى وضع أناشيد تتضمّن حقائق الإيمان القويم أخذ الشعب في إنشادها. بالمناسبة، إلى القديس أمبروسيوس يعود الفضل في إدخال الترتيل المزموري على الأسلوب التناوبي المعروف في الشرق. هذا الأسلوب ازدهر في ميلان أولاً ثم انتقل إلى كل كنائس الغرب.

    مؤدب الملوك:
    وفي العام 390م جرت في تسالونيكي حوادث مؤسفة. أحد الضبّاط هناك احتجز سائقاً للعربات ممن يشتركون عادة في مباريات ميدان السباق في المدينة. السبب كان ارتكابه شائنة. وإذ بلغ الخبر الإمبراطور ثيودوسيوس وأن حالة من الفوضى تسود المدينة أمر العسكر بأن يحصدوا سبعة آلاف من سكانها في ثلاث ساعات. وهذا ما فعلوه بوحشية منقطعة النظير دونما تمييز بين مذنب وبريء، بين شيخ وفتى.

    وانتهى الخبر إلى القدّيس أمبروسيوس فكان حزنه على ما جرى عميقاً. لاسيما وثيودسيوس صديق حميم له.ثيودسيوس في تلك الفترة كان في ميلان والجوار. ميلان كانت المركز الإداري للشق الغربي من الإمبراطورية آنذاك. وإذ كان ثيودوسيوس، وقت حدوث الفاجعة، بعيداً يومين أو ثلاثة عن ميلان، وشاء أمبروسيوس أن يعطيه فرصة للعودة إلى نفسه قام فخرج من المدينة بعدما بعث إليه برسالة رقيقة صارمة حثّه فيها على التوبة وأعلمه أنه إلى أن يتمّم فروض التوبة كاملة فإنه لن يقبل تقدماته ولن يقيم الذبيحة الإلهية في حضرته. فمهما كان احترامه له فالله أولى، وليست محبته لجلالته للمحاباة بل لخلاص نفسه.

    وعاد الأسقف بعد حين إلى المدينة وجاء ثيودوسيوس على عادته إلى الكنيسة غير مبال بما سبق لأمبروسيوس أن وضعه عليه. فخرج إليه قديسنا خارج الكنيسة ومنعه من دخولها قائلاً له: يبدو، يا سيدي، أنك لا تدرك تمام الإدراك فظاعة المذبحة التي ارتكبت مؤخراً. لا يحولنّ بهاء أثوابك القرمزية دون اضطلاعك بأوهان ذلك الجسد الذي تغطيه. فأنت من طينة واحدة ومن تسود عليهم، وثمة سيد واحد لكلّ المسكونة. بأية عينين تعاين بيته؟ بأية قدمين تتقدّم إلى هيكله؟ كيف ترفع إليه في الصلاة تلك اليدين الملطختين بالدم المهراق ظلماً؟ أخرج من هنا ولا تزد على إثمك إثماً فتجعل جريمتك أفظع مما كانت. خذ عليك بهدوء النير الذي عيّنه لك الرب الإله. إنه نير صعب ولكنه دواء لصحة نفسك". فحاول ثيودوسيوس أن يخفّف من حدّة جريمته فقال: داود أيضاً أخطأ؛ فأجابه الأسقف: "إن من أخطأت نظيره عليك أن تتوب نظيره!".

    ورضخ ثيودوسيوس. إنكفأ عائداً إلى قصره وأقفل على نفسه في بكاء وتضرع إلى الرب الإله ثمانية أشهر. وجاءه أحد مستشاريه ممن نصحوه بضرب أهل تسالونيكي على نحو ما حدث، أقول جاءه مخففاً عنه عذاب الضمير وحزنه على نفسه من حيث أنه لم يفعل إلا ما تقتضيه الضرورة وتستلزمه المسؤولية فأجابه بدموع: "أنت لا تعرف ما في نفسي من القلق والاضطراب فأنا أبكي وأنوح على شقاوتي. كنيسة المسيح مشرّعة للشحّاذين والعبيد فيما أبواب الكنيسة، وبالتالي أبواب السماء، موصدة دوني، لأن الرب الإله قال: "كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء!".

    وخرج ثيودوسيوس إلى الأسقف قبل تمام توبته وسأله الحلّ من الخطايا فلم يشأ بل جعله في مصاف التائبين بعدما اعترف بجريمته علناً. وكان يركع عند باب الكنيسة ويردّد مع داود النبي: "نفسي لصقت بالتراب فأحيني حسب كلمتك" (مزمور25:118). وبقي على هذه الحال مدة من الزمان يضرب أحياناً صدره وأحياناً ينتف شعره فيما كانت الدموع تنهمر على خديه متوسلاً رحمة ربه، نائحاً. على خطيئته على مرأى من الناس الذين كان التأثر يبلغ بهم حدّ البكاء معه والتضرع إلى الرب من أجله. وقبل أن يمنحه القديس أمبروسيوس الحلّ من خطيئته ألزمه بإصدار مرسوم بإعطاء مهلة ثلاثين يومأ قبل تنفيذ أي قرار بمصادرة أملاك أحد من الناس أو الحكم عليه بالموت لئلا يكون القرار المتخذ بحقه قد اتخذ بتسرع أو عن هوى.

    إلى ذلك قيل أن ثيودوسيوس جاء إلى الكنيسة مرة وكان الوقت أحد الأعياد الكبرى. فبعدما قدّم قربانه على حسب العادة المتبعة بقي في حدود الهيكل حيث كان الإكليروس فسأله أمبروسيوس إذا كان يريد شيئاً، فقال: الاشتراك في القدسات! فبعث إليه برئيس شمامسته يقول له: "لا يحق، يا سيدي، إلا للإكليروس أن يقفوا في الهيكل. لذلك أسألك أن تخرج وتقف في مصاف الشعب. الرداء القرمزي يؤهلك للإدارة ولا يؤهلك للكهنوت". فخرج ثيودوسيوس عن طيبة خاطر ووقف بين العامة. ولما عاد إلى القسطنطينية بعد إقامة في الغرب استمرت قرابة الثلاث سنوات أبى أن يقف في الهيكل حيث كانت العادة هناك واكتفى بموضع خاص بين الناس وكان يقول بتنهد: "كم هو صعب عليّ أن أتعلم الفرق بين الكهنوت والإمبراطورية! ها أنا محاط بالمتملقين من كل صوب ولم أجد غير إنسان واحد قوّمني وقال لي الحق كله. أنا لا أعرف سوى أسقف أصيل واحد في المسكونة، وهذا الأسقف هو أمبروسيوس!".


    إشعاعه:
    هذا ويذكر مترجم القديس أمبروسيوس أنه أقام ميتاً في فلورنسا وطرد الأرواح الشرّيرة من بعض الناس وشفى عدداً من المرضى. كما جرى الكشف بهمته عن رفات عدد من القدّيسين أمثال بروتاسيوس وجرفاسيرس ونازاريوس وكلسيرس. هؤلاء تعيّد لهم الكنيسة المقدّسة مجتمعين يوم الرابع عشر من شهر تشرين الأول.

    وقد سطع بهاء قداسة القديس أمبروسيوس في كل مكان حتى إن بعض الفرس من ذوي الرفعة أتوه مستبركين مسترشدين، كما أن شعباً بربرياً يعرف بـ "المركوماني" اهتدى إلى المسيحية بتأثير منه.

    خلّف أمبروسيوس جيلاً من القدّيسين أمثال أوغسطينوس الذي عمّده سنة 387م وبولينوس النولي مترجمه وهو نوراتس وفيليكس.

    وقد كان رقاده يوم الرابع من نيسان سنة 397‏م، ليلة سبت النور، عن عمر ناهز السابعة والخمسين. أما عيده في السابع من كانون الأول فلسيامته يحصى القديس أمبروسيوس في عداد آباء الكنيسة الغربية الأربعة الكبار بجانب كل من إيرونيموس وأوغسطينوس وغريغوريوس الكبير.


    طروبارية باللحن الرابع
    بِمَا أنَّكَ مُعَلِّمٌ إِلهيّ ورَئِيسُ كَهَنَةٍ حَكيم تَقودُ المُؤمِنينَ إِلى حَقائِقِ العَقائِدِ أيُّها البَارُّ أُمبروسيوسْ مُبَدِّداً ضَلالةَ المُهَرْطِقينَّ بِأقْوالِكْ ومُظْهِراً نِعْمَةَ حُسْنِ العِبادَةِ المُعْطاةِ مِنَ اللهْ فَأحْفَظْ بِها مُكَرِميكَ سَالِمينَ مِنَ الأذىْ.
    [/FRAME]

  4. #4
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -8- كانون الأول

    [FRAME="11 70"](8 كانون الأول)

    * القديس باطابيوس البار *



    القديس البار باطابيوس



    لا نعرف تماماً متى عاش القدّيس باطابيوس. بعض الدارسين يجعل رقاده في القرن السابع الميلادي.
    ‏ولد في صعيد مصر لعائلة تقية. أحسّ ببطلان العالم بقوة منذ نعومة أظفاره فمال عن الحياة الدنيا إلى الحياة الرهبانية الملائكية.

    ‏خرج إلى الصحراء لا يدري كيف يتدبر ولا ماذا يعمل ولا إلى أين يتجه. شوقه أخرجه إليها كما أخرج الكثيرين من قبله. وهج النور الإلهي الساكن في مقتحمي البرّية الأبرار، في تلك الأيّام، جذب الكثيرين إليها. وإذ ألقى باطابيوس بنفسه في أحضان الصحراء ظنّ، بكل بساطة، أنه إنما يلقي بنفسه، بالإيمان، في أحضان الله الحي. ولم يخيبه ربه، لأن من قال: "كل من يأتي إليّ لا أطرحه خارجاً"، و "لا أهملك ولا أتركك"، تلقّف عبده برحمته ورعاه بحنانه، فنما باطابيوس في النعمة والقامة وتكمّل في الهدوء وكل فضيلة وماثل المعلم في الوداعة وتواضع القلب، فمّن عليه المعلم بمواهب جمّة حتى صار منارة لكثيرين ومشفى لأدواء العديدين.

    ‏وسطع نور الرب في عبده فاهتدى إليه الناس وصاروا يتدفّقون عليه. وخشي باطابيوس، من كثرة المقبلين إليه، أن يخسر سيرة الهدوء والصلاة المستمرة ففكر بالانتقال إلى مكان آخر لا يدري بأمره فيه أحد. ولكن، إلى أين؟ إلى عمق الصحراء؟ كلا، بل إلى عمق المدينة وصحراء الغربة فيها، إلى المدينة المتملكة، القسطنطينية! هذا ما أوحت به إليه عناية ربّه فانتقل إلى موضع قريب من كنيسة السيدة في ناحية بلاشيرن المعروفة في قلب القسطنطينية.

    ‏نعِم قدّيسنا بالهدوء في "برّية القسطنطينية" ردحاً من الزمان. قسى ‏على نفسه فيها أكثر من ذي قبل. عاد لا يبالي بالكلية لا بطعام ولا بلباس. صار كملاك في الجسد. وقد تقدّم في صلاة القلب إلى حد أنه تمكّن، بنعمة الله، من الارتقاء إلى السموات ومعاينة القوّات العلوية تمجّد الله على الدوام.

    ‏شفاء الأعمى:
    ‏يحكى أن شاباً تقياً فاضلاً كان أعمى منذ مولده. هذا سمع بفضائل القدّيس ونعمة الله عليه. فقدم إليه وفعل ما فعله أعمى أريحا (مرقس64:10...) لما درى بمرور السيد بقربه. أخذ الشاب يصرخ إلى القديس: "ارحمني يا ابن النور والنعمة، ارحمني باسم الرب! أنر عينيّ لأتمكن، أنا غير المستحق، من رؤية خليقة الله وشكره عليها!". فتحنّن عليه القديس ورثى لحاله. وإذ عرف بروحه أن له إيماناً ليشفى، سأله، عن تواضع، مريداً أن يعطي المجد لله: "ما الذي تراه فيّ، يا بني، لتسألني أن أشفيك مع أن الله وحده الشافي؟". فأجابه الشاب بدموع: أنا واثق يا أبي أنك قادر أن تفتح عينيّ لأنك خادم لله! إذ ذاك رفع القدّيس صوته قائلاً له: باسم الرب يسوع المسيح الذي يرّد البصر للعميان ويقيم الموتى ليَعدْ إليك نور عينيك! فلما قال هذا انفتحت للحال عينا الأعمى وأبصر كل شيء من حوله بوضوح. فمجّد الله بفرح عظيم، وكذا فعل الحاضرون، وتعجبوا بالأكثر لأنهم كانوا يعلمون أن الإنسان الذي جرت له الآية أعمى منذ مولده.

    ‏رجل ممعود:
    ‏كان رجل يعاني من انتفاخ مؤلم في معدته فعرض نفسه على أطباء كثيرين فلم ينتفع شيئاً. أنفق كل ما كان له ولم يجد أحد علاجاً لحاله، لا بل ساء وضعه وانحبست المياه في بدنه وانتفخ كله. فلما يئس من عون الناس ذهب إلى قديس الله فألفاه القديس في أسوأ حال لأن جلده كان قد أضحى كجلد الماعز وكان يعاني آلاماً فظيعة. فصلّى القديس بدموع ورسم عليه إشارة الصليب ودهنه بالزيت المقدس قائلاً له: الرب الإله يشفيك اليوم برحمته، يا بني! وللحال انفتحت مسام جلده وخرجت منها مياه قذرة كريهة الرائحة واستمرت كذلك إلى أن شفي تماماً. ففرح وشكر ومجّد الله كثيراً.

    الشاب والروح الخبيث:
    ‏كان في شاب روح خبيث تسلّط عليه بالكلية، فكان يمزّق ثيابه ويركض عرياناً. وكان الروح الخبيث يدفعه إلى النار والماء ليميته فصار في خطر مبين.
    وحدث أن سار الروح الخبيث بالشاب مرة إلى البحر ليلقيه فيه. وفي الطريق،مرّ بالقديس. فلما عاين الروح الخبيث رجل الله صرع الشاب للحال واهتاج فيه حتى صارت عينا الشاب تتحركان بتوتر في كل اتجاه وتنقلبان وأخذ يتمرّغ ويُزبد ويصرّ بأسنانه. فدنا منه قديس الله، فاضطرب الروح الخبيث بالأكثر، وسُمع يقول: ما هذه المصيبة التي حلّت بي؟! أإلى هنا أتى باطابيوس أيضاً؟! إلى أين أذهب بعد اليوم؟! إلى أين أهرب منك أيها الناصري؟! أذهب إلى الصحراء فتطردني! أذهب إلى المدينة فتخرجني! وأنا بعلامة الصليب أُضرب وأتحطّم!

    ‏ولما تلفّظ الروح الخبيث بهذه الكلمات رفع الشاب في الهواء وأخذ يخبطه.
    إذ ذاك رفع القديس يمينه ورسم إشارة الصليب في الهواء قائلاً: اخرج أيها الروح الخبيث من هذا الشاب إلى البرّية ولا تعد إليه! الرب يسوع المسيح يأمرك بي، يا من تعترف بقوته مرغماً!
    ‏ولما قال قديس الله هذا سقط الشاب أرضاً وخرج منه الروح الخبيث كغيمة دخان. فبكى الشاب من الفرح ومجّد الله وشكر قديسه.

    ‏سرطان الثدي:
    ‏امرأة كانت تعاني من سرطان الثدي ساءت حالها جداً وأخذ الدود يخرج من صدرها. كانت قد أنفقت كل معيشتها على الأطباء ولم تستفد شيئاً. لم تعد لها طاقة على الحياة فطلبت الموت. هذه سمعت بالقديس باطابيوس فذهبت إليه وسجدت عند قدميه وتوسلت إليه: اشفني يا خادم الله أنا البائسة! ارأف بي أنا الشقية! حتى قبل أن أسكن القبر يأكلني الدود! وأنا في أوجاع لا تطاق! فقال لها القديس: إذا كان لك إيمان بالرب يسوع ولا تشكّين فهو يشفيك! فتنهدت المرأة بدموع وقالت له: أؤمن بالرب يسوع القادر على كل شيء وأومن بأنه رحيم وهو يشفيني! فسألها القديس أن تريه موضع المرض، فأرته إياه فتعجّب وقال لها: مرضك صعب يا امرأة، ولكن بالإيمان كل صعوبة تهون. لذلك أقول لك اذهبي بسلام. أنت منذ الآن معافاة من دائك. فشفيت المرأة من ساعتها وذهبت تمجّد الله بفرح عظيم. ولم تترك أحداً مرّت به إلاّ أخبرته بما فعل لها رجل الله حتى شهرته بين الناس.

    رقاده:
    ‏كان رقاد القديس، كما يبدو من سيرته، في أحد الديورة لأن الذين اجتمعوا إليه ليودعوه كانوا من النسّاك. كانوا شديدي الحزن على قرب مغادرته لهم. فما كان منه سوى أن عزّاهم وكلّمهم عن الحياة الأبدية وسألهم الصلاة عنه وعن أنفسهم. ولما استكمل كلامه استودع روحه بين يدي الله بسلام وفرح. وقد دفن في كنيسة القديس يوحنا المعمدان.

    طروبارية باللحن الثامن
    بكَ حفظت الصورة باحتراس وثيق، أيها الأب بطابيوس. لأنكَ قد حملتَ الصليب فتبعتَ المسيح، وعملتَ وعلَّمتَ أن يُتغاضى عن الجسد لأنهُ يزول، ويهتَّم بأمور النفس غير المائتة. فلذلك أيها البارَّ تبتهج روحُكَ مع الملائكة.

    قنداق باللحن الرابع
    إن الشعوب إذ قد وجدوا هيكلك أيها القديس مستشفى روحيّاً، فهم يتقدمون إليه برغبةٍ، مستمدين أن ينالوا شفاء الأسقام، وغفران ذنوب الحياة، لأنكَ قد ظهرتَ منجداً لجميع الذين في الشدائد أيها البار بطابيوس
    [/FRAME]

  5. #5
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -9- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]
    (9 كانون الأول)


    * حبل القديسة حنّة جدّة المسيح الإله *



    حبل القديسة حنّة بمريم، والدة الإله

    ‏لا ذكر لجدّي الإله, يواكيم وحنّة, في كتب العهد الجديد. ولكن شاع ذكرهما في الكنيسة, في أورشليم, أقلّه منذ القرن الرابع الميلادي. وعن أورشليم أخذت الكنيسة الجامعة ما يختص بهما.

    ‏الصورة المتداولة في التراث الكنسي عن يواكيم وحنّة أنهما كانا زوجين تقيّين مباركين سالكين بمخافة الله. ولكن لم يكن لهما ولد لأن حنّة كانت عاقراً. هذا النقص في حياة يواكيم وحنّة كان لهما سبب حزن وضيق ليس فقط لأنه من المفترض أن يتكمّل الزواج بالإنجاب بل, كذلك, لأن العقم, في تلك الأيام, كان الناس يعتبرونه عاراً, وفي نظر الكثيرين من اليهود لعنة أو تخلياً من الله.

    لهذا كان هذان الزوجان الفاضلان لا يكفّان عن الصلاة بحرارة إلى الرب الإله ليفتح رحم حنّة ويمنّ عليهما بثمرة البطن. ولكن لم يشأ الرب الإله أن يلبي رغبة قلبيهما حتى جاوزت حنّة سن الإنجاب. لم يكن هذا إعراضاً من الله عنهما بل تدبيراً لأن قصده, كما ظهر فيما بعد, كان أنيعطيهما, ويعطي البشرية من خلالهما, أعظم عطيّة. ولكي لا يشكّ أحد في أن ما حدث هو من الله ترك حنّة تتجاوز سن الإنجاب.

    ‏استمر يواكيم وحنّة في الصلاة إلى العليّ بحرارة حتى بعد فوات الأوان على حنّة. وكان هذا تعبيراً عن ثقتهما الكاملة بالله أنه قادر على كل شيء. وفي العهد القديم أكثر من مثل عن نساء مباركات أنعم الرب عليهن بثمرة البطن بعد أن كنّ عاقرات, كحنّة أم صموئيل النبي, وبعضهن تجاوز سن الإنجاب كسارة. أما الرب الإله فارتضى مثل هذا التدبير لأنه شاء أن يكونالمولود الآتي لا ثمر الطبيعة البشرية وحسب, بل ثمر النعمة بالأولى.

    ‏فلما حان زمان افتقاد يواكيم وحنّة, أرسل الرب الإله ملاكه إلى حنّة وبشّرها بأن صلاتها وصلاة زوجها قد استجيبت وأن العليّ سوف ينعم عليهما بمولود يكون بركة عظيمة لكل المسكونة. وآمن يواكيم وحنّة بكلام الملاك. وحبلت حنّة وأنجبت, في زمن الولادة, مولوداً أنثى, مريم المباركة, والدة الإله.

    ‏الحبل بمريم:
    ‏ولئن كانت ولادة مريم بتدخّل من الله فإن الحبل بها كان بحسب ناموسالطبيعة, أي إن الحبل بها جاء على أثر لقاء يواكيم وحنّة بالجسد, مثلهما مثل أي زوجين عاديين, وأن ما ورثته عن أبيها وأمها, لجهة الطبيعة البشرية, هو ما يرثه كل مولود عن أبويه, أي, بصورة خاصة, العبودية للموت والنزعة إلى الخطيئة أي إلى صنع ما يخالف الله. هذا الميل إلى الخطيئة هو بالذات ما عبّر عنه المرنّم في المزمور الخمسين حين قال إنه "بالخطيئة ولدتني أمي".

    هذه الحالة التي هي نصيبنا جميعاً لا ذنب لأحد منا فيها, بل هي الحالة التي ورثناها عن أدم وحوّاء بعدما خطئا إلى الرب الإله وسقطا من الحالة التي كانا يتمتعان بها في الفردوس. وهذا ما عبّر عنه الرسول بولس حين قال: إنه "بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالموبالخطيئة دخل الموت" (رومية12:5). مريم, والدة الإله, إذاً, هي واحدة منا ولا تختلف عنا في ما ورثناه عن أدم وحوّاء, لذلك عندما سرّ الربّ الإله وارتضى أن يسكن فيها ويولد منها, سرّ وارتضى أن يسكن, من خلال مريم, فينا جميعاً لأن مريم واحدة منا في الطبيعة البشرية وفي الحالة التي صارت إليها الطبيعة البشرية. مريم, بهذا المعنى, هي باكورة الخليقة الجديدة، حوّاء الجديدة, أمّنا جميعاً, كما كانت حوّاء الأولى باكورة الخليقة العتيقة. ومريم أيضاً رمز الخليقة الجديدة.

    ‏نقول هذا لأننا نريد أن ننبّه إلى أن الرب يسوع المسيح وحده, دون سائر البشر- بمن فيهم مريم- كان حرّاً من الموت ومن دون أي ميل إلى الخطيئة. كما نلفت إلى أن مريم, والدة الإله, كانت طاهرة لا بسبب خلوّ الطبيعة البشرية التي اتخذتها من أي نزعة إلى الخطيئة, بل لأنها, شخصياً, كانت بارّة, لا بل أبرّ أهل الأرض, زهرة البشرية بكل معنى الكلمة, وكذلك لأن الروح القدس حلّ عليها وقوة العليّ ظلّلتها (لوقا35:1).

    ‏هذا هو موقف كنيستنا الأرثوذكسية. وليس هذا هو موقف الكنيسة الكاثوليكية التي تدعي أن مريم, من لحظة الحبل بها, كانت حرّة من الموت ومن أي نزعة إلى الخطيئة, تماماً كالرب يسوع المسيح نفسه له المجد. أي أن مريم, بلغة الكنيسة الكاثوليكية, كانت حرّة من "الخطيئة الجدّية". هذا هو مضمون عقيدة الحبل بلا دنس عند الكاثوليك, التي أعلنت كعقيدة ملزمة، لأول مرة, بعدما كانت رأياً في الكنيسة, في8 كانون الأوّل سنة 1854م.

    حبل حنّة في الخدمة الليتورجية:
    لو نظرنا في المعاني التي تتضمنها خدمة هذا العيد, اليوم, لبانت لنا ملامح الصورة التي ترسمها الكنيسة له. دونك بعض هذه المعاني:

    1‏- حنّة امرأة عاقر لكنها عفيفة, متألهة العزم, حفظت, هي وزوجها, بدقة, شريعة الله وتممت سننها وعبدت الله بغير عيب. لهذا السبب استجاب الله صلاتها وأزال عار عقرها وشفى بالأوجاع قلباً موجعاً, فحملت حنّة التي ستلد بالحقيقة معطي الشريعة. لذلك نحن المؤمنين نغبطها.

    2- ليس يواكيم وحنّة وحدهما المعنيّين. كل البشرية معنية بهذا الحدثالعظيم. فيه تتجدّد وبه تبتهج لأن "عار العقر قد زال بجملته". النصوص تتحدث عن حنّة, أحياناً, بلغة المفرد وأحياناً بلغة الجمع. حنّة رمز للبشرية العاقر التي سرّ الرب الإله أن يخصبها بالحياة. خدمة اليوم تدعو الجميع إلى الفرح بالعيد. يا آدم وحوّاء, ويا إبراهيم ويا جميع رؤساء الآباء ويا جميع القبائل ويا أقطار الأرض اطرحوا عنكم الحزن وابتهجوا لأن علّة الفرح والخلاص للعالم تنبت اليوم من بطن عادم الثمر.

    3 ‏- اليوم تمّت أقوال الأنبياء. كل الرموز التي أشاروا بها إلى والدة الإله تحقّقت. لهذا السبب قالت إحدى أناشيد اليوم: "إن الجبل المقدّس يستقر في الأحضان. والسلم الإلهية تنتصب. والعرش العظيم للملك يُهيّأ. ومكان اجتياز الإله يُعدّ. والعليقة الغير المحترقة قد أخذت في الإفراع. وخزانة طيب التقديس "تفيض الآن أنهاراً..." (القطعة الثالثة على يا رب إليك صرختفي صلاة الغروب).

    4 ‏- وكما أن البشرية بأسرها معنية بموضوع عقر حنّة وإثمارها, كذلككل واحد منا بصفة شخصية. الثمرة هي الفضيلة والعقم هو الخلو منها. حنّة مثال لنا. فكما تمّمت أحكام الشريعة وعبدت بلا عيب فمنّ عليها الرب الإله بوالدة الإله وأم الحياة, كذلك إذا حفظ كل منا الوصية بأمانة وعبد باستقامة فإن روح الله يسكن فيه وتكون له الحياة الأبدية. في أحد أناشيد قانون السحر, اليوم، تضرّع إلى والدة الإله أن تقصي عن ذهننا العقيم عدم الإثمار بكليته وأن تُظهر أنفسنا مثمرة بالفضائل (الأودية الثالثة. السيّدية).

    هذا بعض مضامين العيد الذي نحتفل به اليوم. ولعل خير خاتمة ننهي بها حديثنا عنه القنداق الذي يعبّر عن شموليته وتدبير الله فيه باقتضاب: "اليوم تعيّد المسكونة لحبل حنّة الذي هو من الله لأنها ولدت التي ولدت الكلمة بما يفوق الوصف". ‏


    طروبارية باللحن الرابع
    اليوم أربطة العقر تنحلُّ، لأن الله إذ قد استجاب صلاة يواكيم وحنة، وعدهما أن سيلدان على غير أملٍ علانيةً، فتاة الله التي وُلد منها هو غير المحدود صائراً إنساناً، آمراً الملاك أن يهتف نحوها: افرحي أيتها الممتلئة نعمةً، الرب معكِ.

    قنداق باللحن الرابع
    اليوم تعيّد المسكونة، لحبل حنة الذي هو من الله، لأنها قد ولَدت التي ولَدت الكلمة، بما يفوق الوصف.
    [/FRAME]

  6. #6
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -10- كانون الأول

    [FRAME="11 70"]
    (10 كانون الأول)


    * القديسون الشهداء ميناس الرخيم الصوت وهرموجانيس وإفغرافوس *





    القديسون الشهداء ميناس وهرموجانيس وإفغرافوس


    ليس واضحاً متى تمّت شهادة هؤلاء القدّيسين الثلاثة. قيل في زمن الإمبراطور الروماني يوليوس مكسيمينوس الذي تولّى الحكم لفترة قصيرة بين العامين 235 و238 للميلاد. وقيل أيضاً في زمن الإمبراطور مكسيميانوس هرقل الذي تبوّأ العرش الروماني وزميله ذيوقليسيانوس بين العامين 285 و305م.

    أنّى يكن الأمر فإن ميناس. كما ورد في التراث. رجل أثينائي وصف بـ الرخيم الصوت أو الحسن النغمة لفصاحة لسانه وحسن منطقه. حصلت في أيامه انقسامات سياسية بمدينة الإسكندرية وحقّق المسيحيون نجاحات ملحوظة في نشر الإنجيل بين السكان فيها. ولما كان ميناس أحد مستشاري الإمبراطور فقد أوفده هذا الأخير لمعالجة الخلافات السياسية الحاصلة وضرب المسيحيين في المدينة وملاحقها.

    ميناس، من ناحيته، كان مسيحياً متخفياً. لم يجاهر بمسيحيته، إلى ذلك الزمان، لأنه لم يكن قد أدرك بعد أن ساعته قد جاءت ليتمجّد ابن الله فيه.

    توجّه ميناس إلى الإسكندرية وعالج صعوباتها بالحسنى، فتمكن، بما أوتي من حكمة ودراية، من تهدئة الحال وإصلاح الأمور. هذا على الصعيد السياسي. أما وضع المسيحيين فلم يشأ ميناس أن يعالجه وفق رغبة الإمبراطور. فقد أيقن أن ساعة الاعتراف بالمسيح قد حانت. وهكذا بدل أن يقمع المسيحيين أطلق يدهم وشجّع على نشر كلمة الإنجيل. وقد ذكر أن الرب الإله أجرى على يديه آيات جمّة علامة للرضى الإلهي عن هذا العمل المبارك وتأكيداً لصدقية البشارة وقوتها. ويبدو أن الوثنيين في المدينة أخذت كلمة الخلاص بمجامع قلوبهم وأدهشتهم أعمال الله بحيث أن كثيرين منهم نقضوا هياكلهم وانضموا إلى الكنيسة.

    ولم تلبث أخبار الإسكندرية والجوار أن بلغت أسماع الإمبراطور الروماني فخشي على مصر أن تتحوّل بأكملها إلى المسيحية. وإذ رأى في ما كان يجري فيها تهديداً لحكمه وتآمراً عليه. أوفد، على جناح السرعة، رجلاً اسمه هرموجانيس، موثوقاً لديه، ليرد ميناس إلى صوابه، لو أمكن، أو يعمد إلى تصفيته وتصفية المسيحيين ويعيد الأمور، من ثم، إلى نصابها.

    هرموجانيس كان أيضاً من أثينا. لم يعرف المسيح لكن الوثنية لم تفسده. كان مستقيماً عادلاً طيباً وموظفاً أميناً، لكنه، في جهله، ظنّ أن من حق الإمبراطور عليه أن يكون مطيعاً له. تصرّف،أوّل أمره، كأي عامل ملكي ينفّذ الأوامر ويفرض أحكام قيصر. وما أن انكشفت الحقيقية لعينيه، على غير ما كان يتصوّر، حتى اهتدى، فكان له موقف آخر.

    دخل هرموجانيس مدينة الإسكندرية بمواكبة عسكرية مهمة. وأول ما فعله أن ألقى القبض على ميناس وأودعه السجن. ثم أوقفه أمامه للمحاكمة بعد أيام بحضور جمهور من الناس.

    أجاب ميناس على اتهام هرموجانيس له بأنه تمرّد على قيصر فأكد ولاءه له في كل شأن من شؤون الحكم والإدارة المدنية والعسكرية إلا ما له علاقة بعبادة الله، خالق السماء والأرض. ميّز بين ما هو لله وما هو لقيصر، الأمر الذي لم يكن مألوفاً يومذاك، لا بل كان يُعتبر خطراً على تماسك الدولة ووحدتها. الفكرة كانت أن من يخضع لقيصر يخضع لآلهة قيصر. الموضوع كان جديداً على هرموجانيس. المطلوب، بالنسبة إليه، كان الطاعة لقيصر. قضية الأوثان، بحد ذاتها، كانت ثانوية لديه.

    واستطرد ميناس فسرد بثقة وهدوء كيف أن الله لم يكف عن إظهار عجائبه به، أي ميناس، منذ أن التزم البشارة بكلمة الخلاص. وفيما كان ميناس يعرض تفاصيل بعض ما جرى له، أخذت أصوات من بين الحضور ترتفع مؤكدة صحة ما يقول. وإذ احتدّت المشاعر في المكان وبان كأن الاجتماع على وشك أن يتحوّل إلى تظاهرة مسيحية انفضّت الجلسة إلى اليوم التالي.

    في اليوم التالي، أتي بالقديس في محضر الناس وجعل هرموجانيس أمامه آلات التعذيب راغباً في استعمال لغة غير اللغة التي استعملها في اليوم الفائت عسى ميناس، بالتخويف، أن يعود إلى طاعة قيصر كاملة غير منقوصة. وما أن اتصل الكلام الذي كان قد انقطع البارحة حتى بدا لهرموجانيس أن منظر آلات التعذيب لم يغيّر شيئاً من موقف ميناس. إذ ذاك أيقن أن لغة الكلام وحدها لا تنفع، فأشار إلى الجلاّدين أن يعذّبوه، فحطموا كعبيه وفقأوا عينيه وقطعوا لسانه وأعادوه إلى سجنه على أمل إلقائه للوحوش في اليوم التالي.

    موقف ميناس أثناء التعذيب كان لافتاً. فرغم آلامه التي من المفترض أن تكون مبرّحة بدت نفسه في سلام. لم يتلوّ بمرارة ويأس كما اعتاد هرموجانيس أن يعاين السفلة والمجرمين يفعلون وهم تحت التعذيب. كأنما كانت في نفس ميناس قوة لم ينجح التعذيب، على قسوته، في النيل منها, وذاك الوجه الذي فاض نوراً على ما ارتسم عليه من ألم انطبع في وجدان هرموجانيس، فحسب موقف ميناس بطولة تستحق الثناء.
    وبات هرموجانيس على انطباعات من هذا النوع.
    أما ميناس الملقى في السجن فجاء إليه الرب يسوع شخصياً أثناء الليل وعزّاه ومسّ جراحه فعاد صحيحاً.

    وأطل الصباح ودبّت الحركة، فأرسل هرموجانيس في طلب ميناس. كان يظنّ أنه قد مات، لكنه رغب، لإحساسه بالرجولة، أن يجمع الناس ويثني على بطولة ميناس في مواجهة التعذيب والمعذّبين. وكم كانت دهشته فائقة حين وقف ميناس لديه سليماً معافى وكأن جسده لم ينل ما ناله البارحة. إذ ذاك أدرك هرموجانيس أنه عظيم الإيمان بالمسيح وعظيم إله المسيحيين فآمن وجاهر بإيمانه أمام الشعب. ثم اعتمد، وقيل تسقّف على الإسكندرية بعد معموديته بوقت قصير.

    في تلك الأثناء كان الإمبراطور ينتظر أخباراً طيبة من عامله في الإسكندرية، فإذ به يتلقى خبر ما حدث فيها فطار صوابه وقرّر أن يتوجه إلى هناك بنفسه لمعالجة الأمر بطريقة مضمونة.

    وكان أن خاب القيصر، في الإسكندرية، أشدّ الخيبة إثر وقوف ميناس وهرموجانيس لديه. دفاعهما أفحمه وزاده غيظاً فعذّبهما إلى أن قطع هامتيهما.

    أما إفغرافوس الذي قيل إنه كان كاتباً لقيصر، أو ربما للقدّيس ميناس نفسه، فاجترأ، بعد كل ما عاين وسمع، أن يقف أمام الإمبراطور الهائج ويرسم على نفسه إشارة الصليب ويجاهر بإيمانه بالمسيح. فما كان من قيصر سوى أن استّل سيف أحد حرّاسه وضربه به فقتله.

    هكذا أكمل الثلاثة شهادتهم للمسيح فأحصتهم الكنيسة المقدّسة معاً في هذا اليوم المبارك، ولكن بقي في الذاكرة أم ميناس كان أبرزهم.

    هذا وقد جرى نقل رفات الثلاثة إلى مدينة القسطنطينية، في القرن الخامس للميلاد. ولكن يبدو، على الأقل، أن رفات القديس ميناس فقدت ردحاً من الزمان إلى أن تمّ الكشف عنها من جديد في أيام الإمبراطور البيزنطي باسيليوس الأول (867-886م). مذ ذاك صار يقام عيد لاكتشاف رفات القديس ميناس في اليوم السابع عشر من شهر شباط.

    طروبارية باللحن الثامن
    إن شهداء المسيح، إذ أنهم أماتوا بالإمساك وثبات الأهواء المحرقة وحركاتها، نالوا نعمةً ليطردوا أسقام المرضى، ويصنعوا العجائب أحياءً وبعد الموت، فبالحقيقة أنهُ لعجب مستغربٌ، أنَّ عظاماً مجرَّدة تفيض الأشفية، فالمجد لإلهنا وحده.

    قنداق باللحن الأول
    لنكرّمنَّ جميعاً بالترنيمات الشريفة، مينا العجيب وأرموجانيس الإلهي مع إفغرافوس، لأنهم إذ قد كرَّموا الرب وجاهدوا من أجلهِ، وبلغوا إلى مصفّ العادمي الأجساد في السماوات، فهم يفيضون العجائب.


    [/FRAME]

  7. #7
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية MM
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    الحالة: MM غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    رد: السنكسار اليومي -11- كانون الأول


    [FRAME="11 70"]
    (11 كانون الأول)

    * القديسان الباران دانيال العمودي وليوّنديوس *



    القديس البار دانيال العمودي العجائبي
    (+493م)

    تاريخ سيرته:
    ‏ولد القديس دانيال العمودي سنة409م. ترهّب في سن الثانية عشرة. أمضى خمسة وعشرين عاماً في الحياة الديرية. تنقّل بين أبرز نسّاك زمانه على مدى خمس سنوات. في سن الثانية والأربعين استقر في مدينة القسطنطينية. أقام حبيساً في هيكل سابق للأوثان تسع سنوات. في سن الحادية والخمسين صعد على العمود. عاش عمودياً بقية حياته. رقد في الرابعة والثمانين وثلاثة أشهر، سنة493‏م.

    ‏ولادته ونشأته:
    ‏اسم أبيه إيليا واسم أمّه مرتا. هذان كانا من قرية صغيرة تدعى ميراثا في أرض سميساط من بلاد ما بين النهرين. كان أبواه سريانيين وكانت أمه عاقراًً. زوجها والعشيرة كانوا يعيّرونها ومرتا كانت في مرارة النفس كل يوم من أيام عقرها.
    ‏مرة، في نصف الليل، خرجت من الدار وزوجها نائم، فبسطت ذراعيها ‏إلى السماء وصلّت بحرارة ومرارة قلب ودموع: "أيها الرب يسوع المسيح. يا طويل الأناة على خطايا الناس. يا من خلق المرأة، في البدء، لتكاثر جنس البشر. أنت ارفع عنّي العار وامنحني ثمرة البطن لأقدّمه إليك، أنت سيد الخليقة".
    ‏ولم تنقضِ أيام كثيرة حتى حبلت مرتا وأنجبت، في زمن الولادة، صبياً ‏هو قديسنا، صاحب هذه السيرة.

    ‏لا نعرف بأي، اسم كان أبواه يدعوانه إلى سن الخامسة. في الخامسة ‏أخذاه إلى دير في جوار القرية وقرّبا عنه تقدمات من ثمار الحقل. سأل رئيس الدير والديه: "ما اسم الصبي؟" فذكرا اسماً لم يحفظه التاريخ، فلم يرق له بل قال:"لا، بل يسمى بالاسم الذي سوف يكشفه الله لنا". على الأثر وجّه الرئيس كلامه إلى الصبي قائلاً: "اذهب، يا بني، إلى الطاولة، هناك، وأتني بكتاب!" الطاولة كانت مقابل الهيكل وكانت عليها كتب مختلفة لاستعمال الرهبان. فركض الصبي وأمسك بأحد الكتب وعاد فإذا به نبوءة دانيال فدعي الصبي باسم نبي الله.

    ‏ورغب والدا دانيال إلى الرئيس أن يقيم الصبي عنده لأنه نذير للرب فلم يشأ. ولعّل والديه أحبّا أن يفعلا بابنهما ما فعلته أم صموئيل بولدها (1صموئيل1-2)، ولكن لم تكن ساعته قد حانت بعد.

    ‏عاش الصبي في كنف والديه إلى سن الثانية عشرة. فلما سمع أمّه تقول له، مرة: "يا بني، أنت نذير للرب. أنا نذرتك إليه"، قام فخرج من القرية دون أن يعلم أحد بأمره، وتوجّه إلى دير يبعد عن القرية مسافة ستة عشر كيلومتراً. فلما فتحوا له ووقف أمام رئيس الدير ارتمى عند قدميه ورجاه أن يقبله في عداد رهبانه. كان في الدير خمسون راهباً. فتحفّظ الرئيس لأن دانيال كان صغير السن ولا طاقة له على احتمال قسوة الحياة الرهبانية. وإذ حاول صرفه واعداً إياه بأن يقبله فيا المستقبل متى اشتدّ عوده، أجاب دانيال بإصرار: "خير لي أن أموت، يا أبتي، وأنا أكابد أتعاب الرهبنة من أن أفارق الدير". ولما لم يجد رئيس الدير سبيلاً إلى إقناع الصبي بالعودة إلى بيته ولمس فيه رغبة جامحة لاقتبال الحياة الملائكية رضخ وقبله.

    ولم يطل الزمان حتى اكتشف أبواه أنه في الدير، فماذا كان رد فعلهما؟ فرحا جداً وشكرا الله على تحننه على الصبي وعليهما ورجيا رئيس الدير أن يلبسه ثوب الرهبنة بسرعة لأنه لم يكن قد فعل إلى ذلك الوقت. فما كان من الرئيس سوى أن أرسل في طلب دانيال وسأله إذا كان يرغب في لبس الثوب الرهباني أم يفضّل تأجيل ذلك إلى ما بعد، فأجاب الصبي: "اليوم قبل الغد يا أبتي!". "لكني أخاف عليك يا بني لأن نظام حياتنا قاس!". "أنا أعلم أني صغير السن وضعيف لكني أثق بالله وبصلواتك أن من يقبل نيّاتنا هو يقوينا!".

    ولبس دانيال ثوب الرهبنة وانصرف والداه بعدما أوصاهما رئيس الدير بألا يزوراه إلا قليلاً لئلا يعثراه ويجرحا سعيه الرهباني من حيث لا يدريان لأن الشيطان يستغل زيارات الأهل ليشوّق الراهب، وهو في التعب والجهاد، للعودة إلى العالم.

    دانيال راهباً:
    أحرز دانيال تقدماً كبيراً في أتعاب النسك والصلاة. وكان رئيس الدير شغوفاً به لا يكفّ عن مدحه. والرهبان أيضاً كانوا يتعجّبون ويتحيّرون وربما يغارون. كل هذا سبّب لدانيال ضيقاً كبيراً ففكرّ بمغادرة الدير وزيارة ‏المدينة المقدّسة، أورشليم، وكذلك القديس سمعان العمودي الذي كان خبره على كل شفة ولسان. دانيال، من ناحيته، كان يشعر برغبة جامحة في نفسه إلى السير في خطى هذا القديس العظيم.

    ‏ولكن لم يشأ رئيس الدير أن يعطي دانيال البركة لإتمام قصده، فسكت وأسلم نفسه لله قائلاً إذا شاء الرب أن أخرج إلى هناك فهو يجد الطريقة لتحقيق ذلك.

    ‏ولم يمض وقت طويل حتى استدعى رئيس أساقفة إنطاكية كافة رؤساء الأديرة في الكرسي الإنطاكي إليه للبحث في أمر يهمّهم.
    ‏خرج رؤساء أديار بلاد ما بين النهرين إلى إنطاكية، لهذا الغرض، وكان بينهم رئيس الدير الذي كان دانيال المغبوط نازلاً فيه. ولحسن التدبير الإلهي أن رئيس الدير اصطحب دانيال مرافقاً له في سفره.
    ‏اجتمع رؤساء الأديرة إلى رئيس أساقفة إنطاكية وحقّقوا الغاية التي دعوا من أجلها في وقت قصير. على الأثر قفل الجميع عائدين كل إلى ديره.

    ‏أما رؤساء أديرة ما بين النهرين فعادوا معاً. وفي الطريق نزلوا في قرية اسمها تلانيسي كان فيها دير كبير جداً. الرهبان المسافرون ينزلون عادة في الأديرة التي يصادفونها. وكان القديس سمعان العمودي قد استقر في تلانيسي بعضاً من الوقت، وفيها تدرّب على النسك. وكان موضع عموده غير بعيد عن المكان.

    ‏في تلك الليلة التي نزل فيها القرية رؤساءُ أديرة ما بين النهرين، عرض الرهبان المحليّون لأخبار القديس سمعان، فما كان من الرؤساء ‏الزائرين سوى أن استغربوا واستهجنوا طريقة القديس سمعان وتكلّموا عليه بالسوء معتبرين نسكه ضرباً من ضروب الإدّعاء والمجد الباطل. ولكن، أقنع رهبان الدير زوّارهم بأن يذهبوا غداً إلى القديس سمعان وينظروا ‏وبعد ذلك يحكمون.

    خرج رؤساء الأديرة ومرافقوهم، في اليوم التالي، لزيارة القديس سمعان على عموده. فما إن وصلوا حتى لاحظهم القديس فأشار إلى بعض تلاميذه أن يدنوا السلّم من العمود لكي يصعد إليه الشيوخ الزائرون لأنه أراد أن يقبّلهم قبلة المحبة. كان الوقت صيفاً والحر شديداً والمكان قفراً فتعجّب الشيوخ لاسيما وقد رأوا صبر القديس وترحيبه بالغرباء. لكنهم لم يشاؤوا أن يصعدوا إليه لأن قلوبهم نخستهم وشعروا بأنهم أساؤوا لأنهم ظنّوا في القديس سوءاً، فقالوا: "كيف نصعد إلى رجل الله لنقبّله بشفاهنا التي تكلّمت عليه بالسوء؟!". لذلك تذرّع بعضهم بالشيخوخة وبعضهم بالمرض وبعضهم بالضعف ولم يصعد إليه أحد منهم. أما دانيال فتوسّل إلى رئيسه أن يسمح له بالتبرّك من القديس فسمح له. فلما صعد إليه باركه سمعان وسأله: "ما اسمك؟" فأجاب: "دانيال!" فقال له: "كن رجلاً يا دانيال! تقوّ واحتمل فإن مشقّات كثيرة بانتظارك. لكني أثق بالله الذي أنا خادمه أنه سوف يقوّيك ويكون رفيق دربك!" ثم وضع يده على رأسه وصلّى وباركه وصرفه.

    ‏إلى أرض جديدة:
    ‏بعد ذلك بزمن رقد رئيس الدير واختير دانيال ليأخذ مكانه. لا نعلم كم بقي رئيساً. جلّ ما نعرفه أنه أخذ يعدّ العدة، منذ وقت مبكّر، لمغادرة الدير لأن رغبة قلبه كانت أن يتحوّل إلى حياة النسك. لهذا السبب عيّن الثاني بعده في الدير رئيساً وارتحل. توقف دانيال عند القديس سمعان أسبوعين وتبرّك منه. ثم إذ كان في نيّته أن يزور كنيسة القيامة في أورشليم لينصرف بعد ذلك إلى الصحراء الداخلية سلك الطريق إلى فلسطين.

    ‏ولكنه فيما كان جاداً في التوجّه إلى هناك سمع أن الطريق خطرة لأنها تمر بالنواحي التي يقيم فيها السامريون، وهؤلاء كانوا في ثورة ضدّ المسيحيين. ففكر دانيال في نفسه ما عساه يفعل. لم يشأ أن يزغزغ نيتّه، لذا قال حتى ولو متّ لا أتراجع لأنه شيء عظيم أن يموت الإنسان من أجل إيمانه بالرب يسوع.
    ‏وانتصف النهار ودانيال غارق في أفكاره. وإذا براهب وقور كثيف الشعر يقترب منه. فتطلع دانيال إليه فرآه على هيئة القديس سمعان نفسه.

    ‏فسأله الشيخ: "إلى أين أنت ذاهب يا بني؟" أجاب: "إلى الأرض المقدسة، إن شاء الله!" قال: "حسناً قلت إن شاء الله! ألم تسمع بأخبار المتاعب في فلسطين؟" أجاب: "بلى، لكنْ الرب معيني، لذا أرجو أن أعبر بسلام. حتى ولو كان عليّ أن أكابد الآلام فلا بأس لأنّا لله، وإن متنا فإليه راجعون". فحاول الشيخ أن يثنيه عن عزمه فلم يقتنع. فغضب وأشاح بوجهه عنه قائلاً:"لست أطيق مجادلتك. ليست هذه عادتنا!" فسأله دانيال: "بمَ تنصحني أنت يا أبتي؟" فأجاب: "بأن تذهب إلى القسطنطينية. هناك تجد مبتغاك، والرب الإله يرعاك!". عند هذا الحدّ من الكلام بلغ الراهبان ديراً وكان النهار قد أمسى، فسأل دانيال الشيخ: "أنبيت في هذا الموضع؟" أجاب: "أجل! أدخل أنت أولاً وأنا أتبعك!" فدخل دانيال وانتظر فلم يوافه الشيخ. فخرج وبحث عنه فلم يجده. سأل عنه فلم يقل له أحد إنه رآه. فتحيّر دانيال وأخذ يضرب أخماساً بأسداس.

    بات دانيال ليلته في الدير. وفي نصف الليل إذ كان الجميع نياماً جاء"الشيخ في رؤيا وقال لدانيال: "اعمل ما أوصيتك به!" ثم فارقه.
    ‏وفي اليوم التالي تساءل دانيال: "من يكون هذا الشيخ؟ أملاكاً أم "إنساناً؟!" ولما لم يجد جواباً وجّه طرفه ناحية القسطنطينية وارتحل.

    في ناحية أنابلوس:
    وصل دانيال إلى القسطنطينية فنزل في ناحية أنابلوس في كنيسة صغيرة تحمل اسم رئيس الملائكة ميخائيل. أقام هناك إلى أن سمع ذات يوم قوماً يتجاذبون أطراف الحديث باللغة السريانية، ففهم أن في الجوار هيكلاً تسكنه الشياطين وهي تتسبب في ترويع الناس وقد غرقت سفن بسببها، وبسببها تأذّى الكثيرون حتى لم يعد إنسان يجرؤ على المرور من هناك. فاستفسر دانيال عن الموضع فدلّوه عليه، فلما بلغا دخل وهو يردّد المزمور القائل: "الرب نوري ومخلّصي ممن أخاف. الرب عاضد حياتي ممن أجزع؟".
    وإذ أمسك بصليب كان في حوزته جال بالمكان وأخذ يسجد عند كل زاوية من زواياه مصليا‏. وأسدل الليل ستاره. ‏واشتدّت العتمة ودانيال داخل الهيكل يصلّي، فإذا بحجارة تتساقط في ‏المكان من حوله، وصخب كأنه لجمهور، يطرقون ويضجّون، ولكن لم ‏يعترض أحد دانيال بأذى.

    وانقضت الليلة الأولى وكذلك الثانية على هذه الحال دون أن يذوق القادم ‏الجديد طعم النوم.
    ‏وفي الليلة الثالثة غفا.

    ‏للحال تراءت له أشباح كثيرة لها أشكال عمالقة، وأخذ بعضها يقول له: ‏"من غرّك أن تأتي إلى هذا الموضع يا حقير؟! أتريد أن تهلك يا شقي؟! هيّا بنا نجرّره خارجاً ونلقيه في الماء!". آخرون حملوا حجارة كبيرة ووقفوا ‏عند رأسه يرومون تهشيمه.

    ‏واستفاق رجل الله من دون أن يستبد به اضطراب وأخذ يطوف بزوايا الموضع من جديد يصلّي ويرتّل ويقول للأرواح الخبيثة:"أخرجي من ههنا وإلا التهمتك ألسنة اللهب بقوة الصليب المحيي وأجبرت على الفرار!" لكن اشتد هياج الأرواح الشرّيرة وعلا صياحها. فلم يعرها القديس انتباهاً، بل ذهب وأقفل على نفسه في المكان وترك نافذة صغيرة في الباب يستطيع من خلالها أن يكلّم الناس، ثم انصرف إلى النسك والصلاة والسهر.

    ‏ولم يطل بدانيال الوقت في ذلك الموضع حتى عمّ صيته بين الناس، فأخذوا يتدفقون عليه، رجالاً ونساء وأطفالاً. وكان الجميع يتعجّبون ويقولون: انظروا كم أضحى هذا المكان هادئاً! بعد أن كان مرقصاً للأبالسة صار، بفضل صبر رجل الله هذا، مكاناً يتمجّد فيه اسم الله ليل نهار.

    عملاء الحسد:
    وكان على كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل عدد من الكهنة السذّج. هؤلاء حرّك الأبالسة فيهم روح الحسد فجاءهم فكر يقول لهم: "ليس حسناً أن تتركوا الرجل يقيم ههنا. ها قد ذهب إليه العالم كله وأنتم متروكون ولا ما تعملون!" فاهتاج الكهنة وذهبوا إلى المدينة واشتكوا قائلين: "ها قد أتى إلينا رجل لا نعرف أصله، أقفل على نفسه بالقرب من كنيستنا، وجذب الكثيرين إليه، رغم كونه رجلاً هرطوقياً، وهو سرياني اللسان ولا نعرف كيف نكلّمه!" فأجابهم الأسقف، وهو أناطوليوس البطريرك (449-458‏م)، قائلاً: "إذا كنتم لا تعرفون لغته ولا كلمتموه فكيف عرفتم أنه هرطوقي! اتركوه بسلام، لأنه إذا كان من الله فسيثبت، وإذا لم يكن من الله فسينصرف عنكم من ذاته قبل أن تطردوه! لا تكونوا عثرة لأحد ولا تتسبّبوا بفضيحة!". فعلى كلمة البطريرك عاد الكهنة إلى كنيستهم بسلام ولو إلى حين.
    ولكن، لم تهدأ الأبالسة.

    اجتمعت الأشباح على القديس من جديد بسيوف وهي تصرخ: "من أين جئت يا رجل؟ أعط مكاناً لنا لأننا نقيم في هذا الموضع من زمان، أم تريد أن نقطّع أطرافك تقطيعاً؟!" ثم إذ دنت الأشباح من القديس كلّم بعضها بعضاً قائلاً: "لا نقتلنّه بل نجرّرنّه خارجاً ونغرقنّه في المياه كما أغرقنا السفينة!". ثم أخذت تتحرك من حوله كما لو كانت تريد الإمساك به وجرّه إلى الخارج بالفعل. فانتصب رجل الله وصلّى ثم قال للأبالسة: "الرب يسوع المسيح، مخلّصي، الذي وثقت وأثق به، هو يغرّقكم في أعماق الهاوية!". ولما قال لهم هذا ولولوا بصوت عظيم وأخذوا يطيرون حول وجهه كأسراب الخفافيش، ثم أزت أجنحتهم وخرجوا من النافذة الصغيرة خاسئين.
    ولم يستسلم الشيطان.

    عاد إلى الكهنة، ضعاف النفوس، كهنة كنيسة رئيس الملائكة وأهاجهم من جديد فذهبوا إلى البطريرك وقالوا له: "يا سيد، إن لك سلطاناً علينا! هذا الرجل المقيم في جوارنا لسنا نطيق بقاءه، فمره أن يخرج من هنا لأنه دجّال!" فما كان من أناطوليوس البطريرك سوى أن أوفد ضابط الكنيسة العظمى برفقة شمامسة إلى القديس، فخلعوا الباب واقتادوه إلى البطريرك. فلما وقف القديس أمام البطريرك سأله هذا الأخير عن نفسه وعن إيمانه، ولما ‏أجاب حسناً بوساطة مترجم، وقف أناطوليوس وعانقه وطلب منه أن يلازم الدار البطريركية إذ رأى فيه نعمة عظيمة.

    ‏ومرض البطريرك فطلب صلاة القديس، فصلّى القديس من أجله، وبنعمة الله شفاه. وإذ رغب البطريرك إلى رجل الله أن يقيم بجواره في أي دير يختاره لم يشأ بل قال: "إذا كنت تريد أن تسدي إليّ بخدمة فإني أسأل قداستك أن تعيدني إلى المكان الذي قادني الرب إليه أولاً". فأمر البطريرك بإعادته إلى مكانه مكرّماً. أما الكهنة المفترون فشاء أن يلقي عليهم الحرم ولكن توسّط لديه القديس ورجاه أن يسامحهم.
    دامت إقامة دانيال في هيكل الأوثان تسع سنوات.

    نحو السيرة العمودية:
    ‏وحدث لخادم الله أن دخل مرة في غيبوبة وعاين عموداً شاهقاً من سحاب السماء وعليه سمعان المغبوط محاطاً بشبه ملاكين مجلّلين بالبياض. وإذ بصوت سمعان يناديه قائلاً له: "تعال إليّ يا دانيال!". فأجاب: "يا أبي، يا أبي، كيف أقدر أن أرتقي إلى علوّك الشاهق؟" فأرسل سمعان الشابين قائلاً لهما: "انحدرا إليه وأتياني به!" فنزلا وأخذا دانيال ورفعاه إلى سمعان. فضمّه سمعان إلى صدره وقبّله قبلة مقدّسة. في تلك اللحظة بالذات، دعا ‏آخرون سمعان للذهاب معهم فتبعهم فساروا به إلى السماء ودانيال وراءه على العمود مع الرجلين. وإذ بصوت سمعان يصدح في أذني دانيال: "اثبت وكن رجلاً!" فكان الصوت في أذنيه كالرعد.

    ‏ولم تمض على تلك الرؤية أيام قليلة حتى وصل إلى القسطنطينية سرجيوس، أحد تلاميذ سمعان، وأخبر عن رقاد معلمه. كان في حوزته معطف القديس الجلدي حمله بركة إلى لاون الإمبراطور. ولكن، حدث، بتدبير الله، أن الإمبراطور كان منهمكاً بشؤون الحكم فلم يتسنّ لسرجيوس مقابلته. وإذ انتظر طويلاً على غير طائل قرّر الخروج إلى دير الذين لا ينامون. ولكن إذ كان على المسافرين إلى هناك أن يركبوا المياه، كان لا بد لهم أن يمروا بالقرب من أنابلوس. فلما بلغوا الموضع، سمع سرجيوس عن دانيال وكيف طرد الأبالسة التي اعتادت أن تروّع الناس وتغرق السفن العابرة في القناة، فتحرّك قلبه وسأل إذا كان بإمكانه أن ينزل إلى القديس ‏ليتبرّك منه، فأجابه الجميع بالإيجاب لأنهم هم أيضاً رغبوا في أخذ بركته.

    ولما جاء سرجيوس إلى القديس استقبله هذا الأخير بالعناق، لاسيما بعدما عرف منه أنه تلميذ سمعان المغبوط. أخبره سرجيرس أن سمعان رقد، ‏ فردّ عليه دانيال بأن أطلعه على الرؤية التي كانت له. فتفرس سرجيوس فيه متعجباً ثم قال له: "إذن إليك أرسلني الله لا إلى الإمبراطور!" ثم أخرج المعطف الجلدي وأعطاه إياه. فأخذه دانيال وضمّه إليه بدموع قائلاً: "مبارك أنت يا الله، يا من تصنع كل شيء بحسب مشيئتك، يا من حسبتني في حقارتي أهلاً للبركة التي حملها إليّ خادمك هذا!" في تلك الأثناء، تضجّر ركاب السفينة من تأخر سرجيوس وناداه أحد البحّارة أن ينزل سريعاً وإلا. ‏يتركونه وراءهم فأجابهم:"امضوا في سبيلكم، الله معكم! أما أنا فباق هنا لأن الله شاء فاقتادني من أب إلى أب!".

    ‏ولازم سرجيوس دانيال إلى أن عاين في رؤية، ذات مرة، ثلاثة رجال قالوا له: "قل للأب دانيال أن زمانك، في هذه الكنيسة، قد اكتمل، فهيّا انصرف من ههنا وباشر ما أعدّه لك الله!". فلما عاد سرجيوس إلى نفسه أخبر معلّمه بما رأى فأيقن دانيال أن ساعة دخوله الجهاد الأكبر قد دنت. مذ ذاك أرسل سرجيوس ليبحث له عن مكان مناسب لنصب العمود على إحدى الهضاب في الجوار، فيما أخذ مرقص، أحد أبناء القديس دانيال الروحيين، على عاتقه تأمين حجارة العمود.


    [/FRAME]



    [MOVE="right"]يتبع[/MOVE]



المواضيع المتشابهه

  1. الزاد اليومي
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى كتب للتحميل أو متوفرة على النت
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2011-04-27, 09:10 AM
  2. انظر اليك
    بواسطة نصيف خلف قديس في المنتدى الأدب والفنون
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2010-12-31, 04:41 PM
  3. سجل إحساسك اليومي
    بواسطة Georgette Serhan في المنتدى التعارف والترحيب
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 2010-02-02, 10:56 AM
  4. ( PowerPoint Slide Show) انظر إلى الإيجابيات في حياتك
    بواسطة Fr. Boutros Elzein في المنتدى أية وتأمل
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2009-03-07, 09:06 AM
  5. كتاب السنكسار ؟
    بواسطة iyadlada في المنتدى المكتبة المسيحية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2008-12-12, 01:27 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •