الصوم – السُلّم الإلهيّة
"اصعدوا يا إخوتي اصعدوا"
بهذه الكلمات يختم القدّيس يوحنا كتابه "السلّم إلى الله". فما هي هذه الحركة الصاعدة؟ أو بكلمة أخرى ما هي هذه السلّم التي نتدرج عليها من الأرضيّات إلى السماويّات؟
إن موضوع "السقوط" هو من أسس إيماننا الكتابيّ المسيحيّ. إذ يبدأ الكتاب المقدّس برواية سقوط الإنسان من حالته الفردوسيّة، ومن ثم يتابع قصّة الوعد وسعي الله لإعادة الإنسان بحريّته إلى حالته الأولى، وهذا ما نسمّيه بأدبنا الروحيّ "الصعود"، الذي يتكلّم عنه السلمي في ندائه السابق. موضوع "السقوط" هذا ليس أسطورة بل يحمل معنى روحياً عميقاً. فالإنسان يشعر دائماً أنّه يتصرّف أدنى من كرامته وأحلامه ودعوته. وكأنه سقط "تحت إمكانياته" وحقيقته، أو قد غرق في عالم المادة والحسيّات واللذّات والحاجات على حساب عالمه الروحيّ الأسمى والأعلى! وتتملك الإنسان في حالات كهذه الرغبة بالعودة و"الصعود" إلى ما هو "أعلى" من هذه الجوانب المعيشيّة فقط أو الجوانب النـزواتيّة في حياته، إذ يشعر أنّ هناك في حياته ما هو أسمى ويتطلّب منه التسامي و"الصعود" إليه، هناك حيث لله حضرة حقيقيّة وأكبر.
إنّ كلّ ما نسمّيه "الندم- الأسف- الألم..." هو تعابير عن إدراك الإنسان لحقيقة سقوطه عن العلوّ والسموّ الذي كان عليه البقاء فيه. أن نتصرّف "أدنى" ممّا "يجب" ليس خبرة غريبة عن أيّ إنسان، لأنّه "لا إنسان بلا خطيئة إلا هو وحده الصالح والمحبّ البشر"- كما تقول ترانيمنا الكنسيّة. "الصعود" هو العودة أو التدرّج باتجاه الكرامة الإنسانيّة والقيمة البشريّة الحقيقيّة لكياننا كما أعطاه الله من طاقات وأراده في سمّو كرامته، وليس كما نتعامل معه أحياناً!
هذه الدرجة "العالية"، التي تدعونا الكنيسة إلى الصعود إليها، يسمّيها الكتاب "الإنسان الجديد". لذلك يحثنا بولس الرسول "أن نهلك إنساننا الخارجي ونجدّد إنساننا الداخلي كلّ يوم" (2 كور 4، 16)، وأن "نخلع الإنسان القديم ونلبس الجديد" (أف 4، 22).
لذلك تجسّد الربّ يسوع، لكي يعيد إصلاح البشريّة، أي ليعكس حركة الهبوط نحو مسعى النهوض. لقد افتتح آدم الأول "بالسقوط" حركة التصرّف بما هو "أدنى"، وختم يسوع، آدم الثاني، "بالقيامة- النهوض" من بين الأموات حركة ما هو نحو "الأعلى"، الحركة التي طالتْ، ليس التصرفات والخلق البشريّ وحسب وإنما، الجسد عينه، فجعلته نورانيّاً كبداية للجسد الذي سنأخذه يوم القيامة.
هذه الحركة التي رسم يسوع خطاها ووهب قواها هي ما نسمّيه "تجلّي" الإنسان أو "مسحنته". عملية المسحنة هذه طريقها صاعدة أو كما سماها يسوع "الضيّقة والمؤدّية إلى الحياة". إذ أنّنا نضع على إنساننا الجسداني لباس المسيح، أي نبني من كياننا البشريّ كياناً إنسانيّاً مسيحياً قد تصوّر المسيح فيه. هذا هو عمل الكنيسة وهذه هي حقيقة حياتنا فيها، أن يتصوّر المسيح فينا، أي أن "نتمسحن". يسوع هو "الإله- الإنسان"، أي الإله الذي أخذ صورتنا ولكن لكي نأخذ نحن صورته. فهو صورة "الإنسان الإله" الذي يجعل هذا الكائن البشريّ يحمل حياة الإله.
هذه الدرب هي التي قصدها السلّمي حين هتف بنا "اصعدوا يا إخوتي اصعدوا". إنّها درب عبور من حالة لأخرى. إنّها حالة تبدّل أو بناء جديد في بنية قديمة. إنّها زرع للحياة الروحيّة في بنية بشريّة ماديّة. هذا السعي يجب أن يكون دؤوباً. لأن أي توقف في هذه الدرب لا يعني أبداً استراحة أو انقطاع بل خسارة وهدماً. إنّ الإنسان مدعوّ ليمسحن كيانه. وكلّ توقّف أو تراجع هو ما نعرّفه بـ "الخطيئة".
في لحظة التوقف أو التراجع، يأتي الكتاب لينادي بنا إلى "العودة" واستعادة القوى ومعاودة البناء الروحيّ في هياكلنا البشريّة. في لحظة كهذه يصرخ بنا الرسول: "استيقظْ أيّها النائم فيضِئْ لك المسيح" (أف 5، 14). من يتوقف على هذه السلّم لا يعني أنّه يبقى على درجة ما وإنّما أنّه عاد ينحدر! هذا هو الصراع اليوميّ بين السقوط والنهوض، بين المادة والروح، وبين الموت والحياة.
يشدّنا العالم السفليّ إليه؛ أي المادة والرغبات والشرور الطبيعيّة والفساد الخلقي. لكن الكتاب ودمّ المسيح والقدّيسون يشدّوننا إلى فوق. القرار أن نسير باتجاه أشواقنا الروحيّة وأن نلبي النداء الروحيّ للربّ وقدّيسيه هو ما نسمّيه "العودة" أو بكلمة أخرى "التوبة". "الصعود" بعد السقوط هو التوبة. هذه "العودة" ليست مجرّد "تعويض" عن خطايا، كما في المفهوم الدينـيّ أحياناً هنا أو هناك. وهي أكثر من ندامة وارتداد عن خطيئة اقترفناها. بالطبع هي أبعد ممّا نسمّيه "روحنة" بدل "الماديّة"، أي تبديل اهتماماتنا من الماديّة إلى الفكرية والإنسانيّة. وهي أعمق ممّا نسمّيه "الاقتداء" بالمسيح، بواسطة ممارسة فضائل على شبه حياته الفضيلة. كلّ ما سبق يتمّ حين نتوب. ولكن التوبة هي أكثر بكثير ممّا سبق. إنّها تبدّل انطولوجيّ كيانيّ. إنّها صعود عوض السقوط. إنّها أكثر من مجرّد أعمال صالحة أو طالحة. التوبة- (Μετάνοια) مطانية- هي تبديل التوجّه، أي أخذ وجهة للحياة جديدة. إنّها كما تعني الكلمة- تبديل ذهنيّة. إنّها كائن جديد في الجسد الإنسانـيّ وبشرته الطبيعيّة ذاتها. إنّها الحياة الحقيقيّة تدخل إلى هذا الجسد وبشرته.
لكن عندما تدخل هذه الحياة إلى هذا الجسد تلده من جديد! أي أنّها تطهّر حواسه ومذاقه وميوله وتقدّسها. لا تقتل التوبة طاقات الإنسان ورغباته بل تقدسّها. تضع التوبة الطاقات البشريّة في خدمة عالم الملكوت والحياة الروحيّة، عوض تسخيرها لعالم الرغبات الدنيئة. التوبة هي نفحة روحيّة في حياة سقطت إلى حدود المادة.
لهذا ينفخ الكاهن في وجه الطفل الذي يعتمد، كما نفخ الله في الفردوس بتلك الجبلة البشريّة الطينيّة- الترابيّة فصار الإنسان كائناً حياً. إنّها نفحة ولادة ثانية في الروح بعد الولادة الأولى بالبشرة والجسد. ولهذا السبب منذ يوم المعموديّة نطلب من المعتمد أن يغيّر وجهته من الغرب (رمز الظلمة الأدنى والشرّ) إلى الشرق (رمز وشروق نور المسيح والأعلى). هذه الحركة هي تماماً ما تعنيه التوبة بعد المعموديّة، كمعموديّة ثانية ومستمرّة. هذه حركة ستستمرّ طيلة الحياة بين هبوط وصعود، وبين سقوط ونهوض. التوبة هي نجاحنا اليومي في إعادة الكرامة الحقيقيّة لكياننا الإنسانـيّ، وفي إعطاء حياتنا اليوميّة حقّها الكامل من المسافة التي علينا أن نقطعها على هذا السلّم الروحيّ نحو الأعلى.
من وجهة نظر سلبية، تبدو هذه المسيرة صراعاً، ولكن من الخبرة الشخصيّة يتعرّف الإنسان إليها كحدث "تجلّي" واكتساب للسلام والراحة بالمسيح. إنّها خبرة تأتي إلينا، هي خبرة الحياة الجديدة وترك الحياة القديمة.
ومتى وكيف نعرف إن كنّا نتدرّج على هذه السلّم صعوداً أم نزولاً؟ أو بالأحرى كيف نضمن أن ندفع قيمة حياتنا يومياً ثمنَ ارتقائنا على السلم السماويّة؟ لقد رتّبت الكتيسة لذلك ممارسات ورياضات وفضائل ووصايا وطقوس، حين نمارسها، تدفعنا صعوداً. ومن أهمّ هذه الفضائل هي الصلاة والصوم. الفضيلتان اللتان يشدّد عليهما انجيل اليوم وكتاب السلم إلى الله. وإنّ فترة الصوم الأربعينـيّ هي زمن رياضة روحيّة نتفرّغ فيها أكثر إلى الصلاة والصوم في سعي جدّي للتدرّج نحو الأعلى، ولنبني في هيكلنا البشريّ كياننا الروحيّ.
نبدّل إذن في الصوم وجهة نظرنا وغايتنا في أمور جديدة وأساسيّة في الحياة. نتوب في الصوم، وهذا يعني أنّنا نصلح بنيتنا الإنسانيّة التي أفسدتها نظرتنا وممارساتنا الهابطة. نتوب في الصوم، يعني أن نرفع أعيننا إلى السماء ونكرّس كلّ حركاتنا وطاقاتنا في سبيل بنيان الإنسان الجديد وتصّور المسيح فينا. نصوم يعني أن نكون في حركة توبة دائمة، وهذا يعني أنّنا نسعى بكل كياننا لنحيا حياة المسيح في دنيانا. نصوم يعني أنّنا نصعد في عالمنا الساقط، وهكذا نصعد بعالمنا الساقط أيضاً. الصوم هو أداة حيّة فاعلة وملموسة وحسيّة لتوبتنا.
"اصعدوا يا إخوتي اصعدوا"، عبارة تجعلنا دوماً على دروب التوبة.
آميــن
قداسة المطران بولس يازجي
(متربوليت حلب والاسكندرون وتوابعهما للروم الأرثوذكس)
المفضلات