مقدمة للمؤلف

من غريغوريوس إلى أخيه المكرم الأسقف الشريك القديس يوحنا.
أخي العزيز، إنك تلومني في عطف وتواضع لأنني قصدت باختبائي هذا، الهروب من ثقل الأعباء الرعوية. وكل ما أخشاه أن تظهر هذه الأعباء للبعض وكأنها هينة وبسيطة لذلكقصدت من هذا الكتاب أن أبين كم هي شاقة كي يعلم الذين لم يحملوا نيرها أنه لا ينبغي لهم ـ في نظري ـ أنيسعوا بجهالة في طلبها. أما الذين قد صاروا جهلاء لرغبتهم الملحة فيها فليشعروا بخوف في اقتنائها.
ينقسم هذا الكتاب إلى أربعة مواضيع منفصلة، حتى يمكن أن تصل الرسالة إلى ذهن القارئ في ترتيب وخطوة بخطوة. طبيعة الموضوع تتطلب من الراعي أن يدرك جيدًا:
أولا: ماهية الطريقة التي ينبغي بها الإقدام إلى مكانة عالية المقدار كهذه.
ثانيًا: كيف يسلك الراعي حين يصل إليها باستحقاق، وكيف ينبغي أن يُعَلم الآخرين حياة الاستقامة، وبأي نوع من اليقظة ينبغي أن يتحقق الراعي من ضعفاته اليومية خلال أدائه القويم لخدمة التعليم. ينبغي أن تتضح كل هذه الأمور أمام الراعي لئلا يفتقر إلى التواضع بعد الوصول إلى هذه الدرجة. إن طرق الحياة الآن تناهض تمامًا هذه الخدمة، فلقد ابتلع العلم حياة الاستقامة وبالغ الفكر البشري في تقديره.
لهذا وقبل كل شيء يجب أن يضع الخوف حدًا لاشتهاء الوصول إلى مثل هذه الرتب. أما إن نال الإنسان مثل هذه الدرجة دون أن يطلبها فلتكن حياته سببًا في تمجيدها، إذ من الضروري أيضًا أن تظهر استقامة الراعي في سلوكه عن طريق الوعظ والإرشاد.
أخيرًا ليس لي شيء أضيفه إلا أنه ينبغي أن نتحقق من ضعفاتنا الذاتية التي تحقر من قدر كل ما أنجزناه من أعمال حتى لا يؤدي زهو غرورنا إلى تجريد هذه الأعمال من قيمتها في أعين الديان غير المنظور.
ولأن كثيرين مثلي يفتقرون إلى الخبرة، غير عارفين كيف يقيمون قدر طاقاتهم، ومع ذلك يبتغون أن يقوموا بتعليم ما يجهلونه، الذين لا يقدرون أعباء السلطة بالقياس بعظمتها، لأنهم يجهلون كم هو جليل مقدارها. ليت هؤلاء يُزجرون ونحن في بداية هذا الكتاب، لأنهم وهم جهلة ومتهورون، يبتغون الاقتراب من قلعة التعليم. لذلك ينبغي أن يصد هؤلاء عن الإقدام بتهافتٍ وتهورٍ على هذه المغامرة ونحن على أعتاب هذا البحث.