[frame="2 80"]
المعوق هو الناقص جسديا او عقليا، المبتورة ساقه او يده، المفلوج، الضرير، الجالس على كرسي ابدا او المتوكئ على عكاز، الذي يسميه المجتمع معوقا لان الناس معيارهم سلامة العقل او الجسد وهم وضعوا قاعدة السلامة قائلين: "العقل السليم في الجسم السليم". من البداهة القول ان من اصيب بعاهة يمكن ان يكون استاذا جامعيا.
كلنا في الحقيقة معوق بصورة او بأخرى. المريض المستعصي لون من الوان التعب او الانهيار احيانا ويحسب نفسه مرشحا للموت قريبا وقد يخطئ الاطباء. لكن الناس تعتبر علم الاطباء لا يخالطه سوء تقدير اذ لا بد ان تتكل على من يكاشف في حالك الصحية وتماشي الاطباء على الرجاء اذ تأمل احيانا ان يكونوا مخطئين وان قوة عليا تنجيك. مرة سألت طبيبا كبيرا: "هل الطب علم ام هو فن؟" اجابني: "انه فن واخلاق".
وعلى رغم سلامة العقل عند هذه الفئة من البشر لا نزال نتحسر على من نعتبره ناقصا لكوننا نعتبر ان الكمال كمال الجسد. في الحقيقة ان ليس من انسان غير مصاب قليلا او كثيرا. كل امرئ يحمل اذى في جسده وليس الذكاء نصيب كل مخلوق عاقل. اصحاب العقول الوضاءة قلة في الدنيا.
أبدأ بالامراض العقلية بما فيها الجنون المطبق كما كان يسمّى. غير ان الاختصاصيين يقولون لي ليس من جنون مطبق. المجنون هو الذي اصطنع عالما غير الذي نعيشه، له قواعده لكنه لا يلتئم مع قواعدنا نحن المدعوين اصحاء. ثم قد يعود المختل الى عالمنا الحقيقي فيرصف بين العقلاء. ولكن بعد اكتشاف فرويد العقل الباطن صار كل منا موضوع الاطباء النفسانيين. اي ليس في العقل الباطن او اللاواعي من انسان سليم ولكن قد يجهل معظم الناس هذا ولا يطلبون علاجا لئلا يتهموا بالخلل العقلي. الجنون عالم قائم بذاته، سر كبير مهما تصدى له المعالجون. والمجانين اخوة لنا كذلك المصابون بعصاب. ونحن نصبح واياهم دنيا واحدة اذا حكمتها المحبة.
مرة فيما كنت ادرس اللغة الالمانية في المانيا وهذا قبل اربعين سنة ونيف رأى اساتذتي لاتمرن على اللغة ان اساكن عائلة قائمة في قرية كبيرة مخصصة لمعالجة داء الصرع وأطلع على احوال المرضى واخاطب الذين لم يبلغوا في المرض مبلغاً كبيرا. رأيت حالات مروعة تراوح بين الجنون الكامل والقدرة على الصناعات اليدوية وكان الكلام مع هؤلاء ممكنا. ما تاريخ هذه الضيعة؟ قس انجيلي رأى فيما كان يتأمل في هذا المرض ان المصابين به في حاجة الى ان يحبهم واحد واعتقد ان لا شفاء الا بالمحبة. ولما ادركت هذه القرية رأيت فيها عائلات تطوعت لمرافقة المصروعين بمشاركة حياتهم فتأسست مدرسة ثانوية لصبيانهم ومدرسة للاناث وكلية للممرضات ووجدت كلية لاهوت لاعداد القسس للخدمة الروحية لهؤلاء المرضى. كان يجب ان يعتني أحد بهم، ان يعنى بهم انسانياً وليس فقط على صعيد الاستشفاء.
• • •
أما على الصعيد الجسدي فأخذت الانسانية المعاصرة تفكر بأنه ليس من انسان ساقط من الاجتماع البشري وان ليس ممن اصيب جسدياً لا يصلح لشيء وفهمنا ان كل واحد من هؤلاء قادر على أن يستعيد قواه بالعمل لأن العمل هو التأهيل أي الدعوة الى اندماج المريض بالصحيح اذ ليس من انسان لا قدرة له على العطاء فالعطاءات تجمعنا وتؤلّف منا جماعة موحّدة متراصة فلا نتيه في تقديس للجمال الجسدي.
ثم هل من جمال أو قباحة الا في النفس؟ هناك اعضاء ناقصة أو وظائف ناقصة لا فرق وتعرّض الناقص بفضائل عظيمة والانسانية تقوم بالانسان الطاهر لا بالانسان الجميل. وخارج الانقياء القلوب ليس من وجود.
لي صديق كبير لبناني ضرير يعلّم في احدى الجامعات الاميركية له مؤلفات في المادة التي يدرّسها. يذهلني بمعرفته للأديان التوحيدية وغير التوحيدية. كيف جمع علمه وكيف يعطيه بدقة علمية كبيرة؟ صاحب نظرية التفجر الكوني Big Stephen hawkins Bang، مفلوج ولا يتكلّم ويعطي دروسه باشارة الاصابع واعطى للعلم الحديث ما لم يعطه الكثيرون. انه اذا لموجود وفاعل مع ان اعاقته ذروة الاعاقات. المهم ان نقول لهؤلاء ايضاً انهم أخوة وانهم ذوو قدرات وأن المعطوب في كثير من الأحوال هو كالسليم لكونه مثله معطاء ولكون حياته قائمة على ما في داخله من بهاء.
مرة، يوم أحد، كنت أصلّي في طرابلس وعرفت ان صديقاً قديماً لي فقد بصره وبترت له ساق بسبب من مرض السكري. فبعد القداس ذهبت اليه لعيادته وأخذت في الطريق أركّب الجمل التي عزمت على قولها لتعزيته. فلما وصلت اليه أخذ هو يكلمني عن الرب فلمست سلاماً فيه وهدوءاً اغناني عن إرشاده وكان هو مرشدي.
• • •
الاعاقة تحديداً هي ما يعطل الحركة في بعض من جوانبها وما لا خلاص منه. انها وضع تتأقلم معه بلا حسرة لأن الحسرة تقتل وتكون قد زدت على النقص نقصاً. المهم ان تقتنع انك كامل الانسانية لأن الانسانية ليست بالجسد ولا تبقى اسير محدوديته وتبذل ما استطعت وبهذا تتجسّد بالإنسانية المسمّأة سليمة وقد لا يكون كذلك الا بالظاهر. نحن كلنا متآزرون في سلامة نفوسنا. فاذا بقي معوق نفسياً تحت وطأة إعاقته نعمل ما نستطيع لخدمته وتوجيه ما له من طاقات حتى لا يقع في الحزن وتالياً في إهمال واجبه نحو الجماعة البشرية مصابة كانت ام غير مصابة فيتم التلاقي بيننا بالرجاء وجمع قوانا لإنهاض الكل.
وإذا كان لا بدّ من الاختيار لعمل معيّن بين المعوّق والسليم في انتاج القدرة نفسها فاختيارنا يذهب الى المعوق حتى لا يبقى هذا عاطلاً عن عمل يقدر على ان يقوم به ويتحرر من رواسب الأسف في نفسه او اليأس فنبرهن له واقع الحياة المشتركة. اننا نرحب به ترحيباً كاملاً فلا يتحسّر عن النقص اذ هو في نفسه مؤهل بحبنا له.
• • •
كان لي صديق لبناني في احد البلدان الأوروبية معطل الساقين دعاني الى زيارته وظننت اني سأستأجر سيارة للذهاب اليه واذا بي أرى انه يسوق سيارة مصنوعة خصيصاً لهذه الفئة من المعوقين سمعت منه فيما كنا قاصدين منزله لجهة حسرة على وضعه. قلت له انك دكتور في الفلسفة وتكتب بثلاث لغات وتلقي دروساً في الجامعة. وكنت حليف المسيح في بلدنا وهنا ومستواك العلمي مثل مستواي او اعلى فمم تشكو؟ وهذا الشاب يتلقى من زوجته حباً عظيماً وقد اقترنا وهي عالمة بوضعه اذ كان فائقاً على الصعيد الروحي وعلى رقة نادرة وراعياً لجاليتنا هناك ويعد كتباً في الفكر العربي والاسلامي.
فاذا كان المعوق مع الله فالله يعوّضه بحضوره فيه ما يحسبه الناس نقصاناً. الرب مكمل وجودنا منتقصاً كان الجسم ام كاملاً وليس من كيان كامل من هذا المنظار ام ذاك فكل جسم مضروب بمقدار والنفس لها ان تكون كاملة أو شبه كاملة حتى يردّنا الله الى سلامة الملكوت. في هذا الوجود الارضي لنا ان نتلقى الكلمة التي تنزل علينا من فوق.
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات