Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode.php on line 2958
القديس اثناسيوس الكبير (سيرته الكاملة - كتاباته)

الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: القديس اثناسيوس الكبير (سيرته الكاملة - كتاباته)

  1. #1
    المدير العام الصورة الرمزية Habib
    التسجيل: Jan 2007
    العضوية: 630
    الإقامة: Central Europe
    هواياتي: التاريخ والسياسة
    الحالة: Habib غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,239

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    1 44 القديس اثناسيوس الكبير (سيرته الكاملة - كتاباته)


    القديس اثناسيوس الكبير
    معلّم المسكونة
    (+373م)

    وسطه ونشأته
    لا نعرف تماماً متى كانت ولادته. نعرف فقط أنها كانت في حدود العام 295م. كذلك لا نعرف أين كانت. ثمة ما يبعث على الظن انه ربما ولد في مكان ما بقرب مدينة الإسكندرية، مما يفسّر اُلفته بآباء البرية وتعلقه بمثالهم. أنّى يكن الأمر فالبادي انه كان قبطياً أكثر مما كان يونانياً. وقد أشار القدامى إلى السمرة غير العاجية لبشرته. كان يقرأ ويكتب ويعظ بالقبطية. هذا لا شك فيه. لم يعرض لاضطهاد المسيحيين في سنواته الخمسة العشر الأولى من حياته. حملة ذيوكليسيانوس قيصر على المسيحيين امتدت من السنة 303 إلى السنة 311م. ماذا كان وقعها عليه؟ لا نعلم بالتدقيق، لكن هناك من يميل إلى الربط بعامة بين تشبّت الشهداء بالإيمان وصلابتهم، من ناحية، وما أبداه أثناسيوس في صراعه ضد الآريوسية، من ناحية أخرى، من أمانة وصلابة وطول باع. فالواضح أن نفسه كانت مطبوعة على روح الشهادة للرب يسوع. وقد سرى عنه، عبر العصور، في هذا الشأن، قول جرى مجرى المثل الشائع يوم كادت الآريوسية تبلع العالم: "أثناسيوس ضد العالم. Athanasios contra mundum".
    ماذا عن علمه وثقافته؟ لا نعرف الكثير. يبدو انه لم يتثقف بثقافة اليونانيين نظير كبار القديسين كباسيليوس الكبير والذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي. الكنيسة تعلّمها، بصورة خاصة، من الكأس المقدسة، من المعلمين المسيحيين وأوساط المؤمنين والدوائر الأسقفية في الإسكندرية حيث يبدو انه انضم حدثاً إلى حاشية القديس الكسندروس، أسقف المدينة. بعض معلميه، على ما أورد هو عبوراً، قضى في زمن الاضطهاد. هذا ربما فسّر حدّة روح الشهادة لديه.
    وقد شاعت عن كيفية التصاقه بأسقف الإسكندرية، الكسندروس، رواية مفادها انه فيما كان الأسقف، يوماً، في دارته المطلّة على البحر، لاحظ، في المدى المنظور، على الشاطئ، حفنة من الأولاد يلعبون. كان واحد منهم يقف في الماء فيما كان رفاقه يتقدمون واحداً واحداً كما في زياح، فيصبّ عليهم الماء وينصرفون. فأخذ الأسقف يتساءل: ترى ماذا يفعلون؟ وبدافع الفضول أرسل في طلب الولد وسأله ماذا يعمل؟ لماذا يصب الماء على رؤوس الأولاد الآخرين؟ فاجابه: أعمدهم! وهل تعلم كيف؟ نعم! علّمتهم أسرار إيماننا ولقّنتهم الصلوات وكيف يستعدون لاقتبال المعمودية ثم عمّدتهم! الأولاد، بالمناسبة، كانوا وثنيين. فتعجب الأسقف واكبر ما فعله الصبي. وإذ مال إليه ورغب في تبنّيه استأذن والديه وضمّه إليه. وبعد سنوات قليلة أضحى مقدماً عنده كابن لأبيه وحافظ سره.



    ملامحه:

    كيف بدا للعيان ذاك الذي أبدى من الجرأة والصلابة ما ادهش العالم؟ كان نحيف البنية، قصير القامة. أعداؤه دعوه قزماً. وكان معكوف الأنف، صغير الفم، ذا لحية قصيرة محمرّة وبشرة تميل إلى السواد وعينين صغيرين.. وقد اعتاد أن يمشي بانحناءة بسيطة إلى الأمام ولكن برشاقة ولباقة كأنه أحد أمراء الكنيسة.


    أثناسيوس وآريوس: أول الغيث!
    سنة 318م، وبناء لطلب الكسندروس، كتب أثناسيوس، وهو بعد في أوائل العشرينات من عمره، مقالتين إحداهما ضد الوثنيين والأخرى بشأن تجسد كلمة الله. تضمنت المقالتان لبّ الرسالة التي شاء الرب الإله لاثناسيوس أن يفتّقها وينقلها إلى العالم. وحدث في السنة 319 أن دعا الكسندروس إلى اجتماع لكهنته عرض فيه لوحده الأب والروح القدس في الجوهر، فلم يرق كلام الأسقف لاحد الكهنة الحاضرين، وهو آريوس، الذي اعترض وطعن في وحدة الجوهر الإلهي قائلاً: "إذا كان الأب قد ولد الابن فلا بد من أن يكون المولود ذا بداءة في الوجود، وهذا معناه انه كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجوداً. ومعناه أيضا أن الابن اقتبل جوهراً من العدم". قول آريوس هذا استتبعه اعتبار الابن دون الأب ولو سما على الإنسان، ومن جوهر غير جوهر الأب، وان دوره بين الله والإنسان لا يتعدى دور الوسيط. وكل ما أُسبغ عليه من تسميات، كالسيد والمخلص والإله، إنما اسبغ عليه مجازاً، من باب التوسع. الكسندروس استفظع وحاول ردّ آريوس عن غيّه عبثاً. كثيرون، محلياً، تدخّلوا ولكن على غير طائل. آريوس عاند وتمادى. وقليلاً قليلاً بدأ أثناسيوس يلعب الدور الأبرز في الصراع. تكلم عن الكسندروس. واجه آريوس بقوة ودون هوادة. أما الكسندروس فأطال أناته على آريوس بما فيه الكفاية، ولما تبين له انه لم يعد هناك مجال للعلاج جمع أساقفة مصر وليبيا وحكم بقطع آريوس. كان الموضوع خطيراً. كل وحدة الله كانت مهددة. كل التدبير الخلاصي بيسوع المسيح أضحى بلا معنى. استقامة الرأي باتت في خطر!


    من كان آريوس؟
    كان آريوس ليبياً، راعياً لكنيسة بوكاليس. لا نعرف عنه الكثير. كتاباته أكثرها أتلف أو ضاع. كان حاد الذهن، ضليعاً في الفلسفة، خبيراً في الاستدلال المنطقي. وقد وُصف بأنه طويل القامة، نحيف، متنسك، واثق من نفسه، يتكلم كمن له سلطان. كان في الثالثة والستين حين قاوم الأسقف الكسندروس. وقد سبق له أن التصق، لبعض الوقت، بجماعة منشقة تمتّ إلى أسقف يدعى ملاتيوس بلبلت الكنيسة في الإسكندرية. وثمة من يقول انه كان رجل طموحات ويطلب المعالي، فلما خاب عن بلوغ سدّة الأسقفية الأولى على مصر، تحوّل إلى مقاوم ومعاند إثباتاً لنفسه. انّى يكن الأمر فقد تعاطى آريوس الحقائق الإيمانية كما لو كانت مسائل فلسفية. الموضوع بالنسبة إليه كان موضوع منطق واستنتاجات منطقية، على مذهب بعض التيارات الفلسفية في زمانه. ولكي يجعل آراءه على كل شفة ولسان نظم بعضها على الموسيقى فأضحت أغان ترددها العامة في كل مكان.


    البدعة تنتشر
    وشاعت البدعة هنا وثمة كان فيها ما يستهوي كثيرين تعاطوا المسيحية أو كانوا مستعدين لان يتعاطوها كفلسفة جديدة. وكثيرون سعوا إلى المزاوجة بين المسيحية وهذا التيار الفلسفي أو ذاك وفشلوا. عشرات الهراطقة تولّدت وعشرات المذاهب نشأت كان يمكن أن تودي بالكنيسة الفتية إلى التهلكة أو تجنح بها إلى الفساد لو لم يكن روح الرب حافظها وعاصمها. هذا إذن كان المناخ الفكري العام، آنذاك، لا سيما في أوساط المفكرين المسيحيين. فلما نزلت هرطقة آريوس إلى سوق الأفكار، وهي أسوا واخطر ما ظهر، تلقفها العديدون. تجدر الإشارة، على رأي بعض الدارسين، أن للآريوسية بصورة أساسية، علاقة بالغنوصية التي يبعد فيها الكائن الأعظم عن المخلوقات، وبالأفلاطونية الجديدة التي تبدو فيها الكلمة في وضع الوسيط بين الواحد والمتعدد، بين الروح والمادة، وبالمخفضين، أمثال أوريجنيس المعلم، الذين خفّضوا مرتبة الابن ومرتبة الروح القدس فقالوا بثالوث متدرّج غير متساوٍ في الجوهر الواحد. إلى ذلك احتضن آريوس وقدّمه عددٌ من المتنفذين نظير افسافيوس، أسقف قيصرية فلسطين، وافسافيوس أسقف نيقوميذية، العاصمة الشرقية للإمبراطورية قبل القسطنطينية، وبولينوس، أسقف صور، واثناسيوس أسقف عين زربة، وغريغوريوس أسقف بيروت، وماريس أسقف خلقيدونية. آريوس خرج من مصر إلى قيصرية فلسطين ومنها إلى نيقوميذية. ومن هناك اخذ يبث سمومه يميناً ويساراً فاحتدم الصراع. مصر، ليبيا، فلسطين، أسيا الصغرى وسواها كلها اضطربت. قطبا الصراع مصر ونيقوميذية. لكن شيئاً فشيئاً كل الأساقفة دخلوا في جدل فيما بينهم، دخلوا في صراع. والصراع طال الشعب. في بعض الأمكنة تحول الجدل إلى صدام فتضارب الناس وتقاتلوا وسالت الدماء. هكذا لاح في الأفق، بصورة جدية، خطر الحرب الأهلية، فكان لا بد للسلطة الحاكمة من أن تتحرك لتحسم الأمر وتضع حداً للجدل.


    مجمع نيقية
    بلغت أصداء الصراع الناشب أسماع قسطنطين الملك فتنبه وتخوف. لم يدرِ تماماً ما الذي كان القوم يتجادلون في شانه. استعان ببعض أصدقائه ومستشاريه العارفين أمثال هوسيوس، أسقف قرطبة. وبعد التداول معهم استقر رأيه على الدعوة إلى مجمع يضم أساقفة المعمورة يكون دورهم بصورة أساسية، أن يحددوا له موقف الكنيسة الجامعة من المسائل المطروحة وهو يلتزمه ويكفل فرضه بالقوة. همّ قسطنطين الأول كان الحفاظ على الهدوء والنظام ووحدة الإمبراطورية.
    على هذا الأساس، تقرر أن يكون مكان الاجتماع مدينة صغيرة تدعى نيقية، وهي ازنيق الحديثة، في القسم الشمالي من أسيا الصغرى، على بعد أميال قليلة من مدينة نيقوميذية، كما وجّهت الدعوة إلى الف وثمانمائة أسقف لحضور المجمع، ووضعت وسائل النقل الرسمية في تصرفهم. لا نعرف تماماً عدد الذين لبّوا. في تراثنا انهم 318 على عدد الخدام الذين تمكن إبراهيم الخليل بهم من فك اسر ابن أخيه لوط، في سفر التكوين(14:14).
    التأم المجمع في 14 حزيران سنة 325م. عدد كبير من الكهنة والشمامسة رافقوا الأساقفة. ستة أساقفة وكاهنان أتوا من الغرب. والباقون كانوا شرقيين. بعض الذين حضروا كانوا معترفين حملوا في أجسادهم سمات الآلام لاجل اسم الرب يسوع: بولس أسقف قيصرية ما بين النهرين، ذو اليدين المحروقتين المعطوبتين، وبفنوتيوس الصعيدي المقلوع العين اليمنى والمعطوب الرجل اليسرى، وبوتامون الهرقلي الأعور. كما حضر أساقفة عُرفوا بقداسة السيرة كسبيريدون القبرصي ويعقوب النصيبيني. القديس أثناسيوس الكبير كان رئيس شمامسة ورافق أسقف الإسكندرية الكسندروس وتكلم باسمه. من رأس المجمع؟ لا نعرف تماماً. ربما هوسيوس أسقف قرطبة وربما افستاتيوس أسقف إنطاكية. في خطبة افتتاحية، دعا قسطنطين الملك الحاضرين لإزالة أسباب الشقاق من بينهم وتوطيد السلام.
    عرض آريوس أفكاره، فتصدى له الفريق الأرثوذكسي. أثناسيوس، ولو شماساً، كان الأبرز في الرد على آراء آريوس والتصدي لحججه وتبيان عطبها. ساد اللغط. تبلبلت الآراء. احتدم الجدال. اقترح هوسيوس وضع دستور إيمان يكون أساساً للإيمان القويم. في ضوء تعاليم الآباء، جرى اعتماد نص يشكل أساس دستور الإيمان النيقاوي القسطنطيني الذي نتلوه اليوم. الفريق الآريوسي تقزّم. استبانت مفسدة آريوس جلية للعيون. حكم المجمع بقطع آريوس. تبنى قسطنطين الملك قرارات المجمع واصدر قراراً، على ما ورد عند المؤرخ سقراط، قضى بحرق كتب آريوس وحذّر من يقتنيها سراً ويروّج لها بالموت. انقضّ المجمع بعد حوالي سبعة أسابيع من انعقاده، يوم الخامس والعشرين من تموز.
    يومها ظُنّ أن ملف آريوس طوي وان الكنيسة استراحت والإمبراطورية استكانت إلى وحدتها من جديد. ولكن أثبتت الأيام أن ما جرى لم يكن سوى حلقة من مسلسل الآلام التي حلّت بالكنيسة الجامعة وبالقديس أثناسيوس الكبير كرمز لها، إن لم يكن رمزها الأوحد، على امتداد سنين طويلة.


    قول أثناسيوس
    التركيز في دفاع أثناسيوس كان على تراث الكنيسة وتعليمها وإيمانها كما سلّمه السيد وكرز به الرسل وحفظه الأباء. في مقابل ميول مناهضيه العقلانية قدّم قديسنا الإيمان على العقل. أرسى أسس الفكر اللاهوتي القويم كما لم يفعل أحد من قبله. من هنا فضله ومن هنا تسميته في تراثنا ب " أب الأرثوذكسية" أو كما دعاه القديس غريغوريوس اللاهوتي "عمود الكنيسة".
    كلمة الله، عند آريوس مولود فهو إذن مخلوق، من نتاج مشيئة الأب السماوي. عند أثناسيوس، كلمة الله مولود ولكنه غير مخلوق لانه نابع من جوهر الأب لا من مشيئته. هو منه كالشعاع مع الضوء. ليس فقط أن كل ما للابن هو للأب بل كل ما للأب هو للابن أيضا. كل ملء اللاهوت هو في الابن كما في الأب. الواحد لا ينفصم عن الأخر. من رآى الابن فقد رآى الأب في آن. ليس الأب من دون الابن ولا الابن من دون الأب. كما الضوء والشعاع واحد، الأب والابن واحد. لذلك لم يكن هناك وقت أبدا لم يكن فيه الابن موجوداً وإذا كان الأب والابن واحداً فالأب مميز عن الابن والابن مميز عن الأب. ثم وحدانية الأب والابن في الجوهر مرتبطة بتجسد الابن وبالتالي بخلاصنا لان الذي اتخذ بشرتنا واتحد بها إنما أعطانا أن نتحد به وان نتخذ الوهته. من هنا كلام القديس بطرس في رسالته الثانية(4:1) عن صيرورتنا "شركاء الطبيعة الإلهية"، وكلام القديس أثناسيوس نفسه عن كون: "الله صار أنساناً لكي يصير الإنسان إلهاً". لو لم يكن الابن من جوهر الأب لما كان بإمكانه أن يجعلنا على مثال الأب. وكما الابن كذلك الروح القدس. الروح القدس أيضا من جوهر الأب وإلاّ ما أمكنه البتة أن يؤلهنا، أن يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية.
    الموضوع، بالنسبة للقديس أثناسيوس، كان موضوع الخلاص برمّته. قول آريوس يتعدى كونه مجرد رأي لان اقتباله معناه ضرب المسيحية في الصميم. فلا مجال للمساكنة أو المهادنة. الزغل في الآراء في هذا الشأن، قضاء على الكنيسة. أثناسيوس وعى دقة المسألة وخطورتها حتى العظم، فأتت حياته، في كل ما عانى على مدى ست واربعين سنة، تعبيراً عن تمسك لا يلين بكلمة حق الإنجيل والإيمان القويم.


    أثناسيوس بطريرك
    إثر انفضاض مجمع نيقية، عاد الكسندروس الإسكندري إلى دياره فسام أثناسيوس كاهناً وسلمه مقاليد الإرشاد والوعظ وشرح تعاليم المجمع النيقاوي. ثم بعد ثلاث سنوات رقد الكسندروس(328) فاختير أثناسيوس ليحل محله. لم يكن الاختيار من دون صعوبات. أثناسيوس كان له مناهضوه، لأسباب عديدة بينها أسباب شخصية كفتوته. كان في الثلاثين يومذاك. ثم أن البعض اعتبروه متصلباً قاسياً تنقصه المرونة في التعاطي مع الآخرين. أنّى يكن الأمر فقد ورد أن قديسنا لجأ إلى أحد الديورة هرباً من الأسقفية لكنه رضخ بعد للأمر الواقع.
    أولى مهام أثناسيوس كرئيس أساقفة على الإسكندرية وتوابعها، كانت استعادة الوحدة والنظام في ابرشيته الشاسعة التي عانت لا من الهراطقة الآريوسية وحسب بل من جماعة ملاتيوس المنشقّة أيضا وكذلك من الانحطاط الخلقي وانحلال الانضباط الكنسي. وعلى مدى سنوات جال أثناسيوس في كل الأنحاء المصرية، حتى الحدود الحبشية، يسيم الأساقفة ويختلط بالمؤمنين الذين اعتبروه إلى النهاية أباً لهم. كما تفقّد الأديرة، حتى التي في برية الصعيد، وأقام لبعض الوقت في دير القديس باخوميوس(15 أيار). باخوميوس كان يقّدر أثناسيوس كثيراً، وقد سماّه أب الإيمان الأرثوذكسي بالمسيح.
    أقام أثناسيوس الأسقف في شيء من الهدوء يرعى شعبه سنتين. ثم انفجر الصراع مع الآريوسية من جديد وعلى اخطر مما كان قبل مجمع نيقية.

    †††التوقيع†††

    الآن أضداد للمسيح كثيرون

    رجاءً لكل الأخوة اصحاب النسخ واللصق والقص والتلوين عندما تريد ان تنقل موضوع من مواضيعي ان تذكر المصدر
    -----
    عندما اشتاقُ للوَطَن... احمله معي إلى خمَّارة المدينَة.. أضعُهُ على الطاولَة... أشربُ معه حتى الفجر... وأُحَاورُه حتى الفجر... وأتَسكع معه في داخل القنَّينة الفارغَة... حتى الفجر... وعندما يُسكر الوطنُ في آخر الليل... ويعترف لي أنَّه هو الآخرُ.. بلا وَطَن.. أُخرجُ منديلي من جيبي... وأمسحُ دموعَه..
    -----
    ††† الكنيسة وفية لرجالاتها الأبرار الذين رفعوا شأنها †††
    -----
    أصحاب السيادة أعضاء المجمع الأنطاكي المقدس
    -----
    * كما تثمر الشجرة متى رويت كذلك تقوي هذه التعذيبات عزيمتي.
    * نحن لا نكره أجسادنا لكننا نفرح إذا ما تأملنا في الحقائق غير المنظورة، ولنا ثقة بالوعد أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستلعن للذين يحبون المسيح.
    (الشهيد حبيب 309†)

  2. #2
    المدير العام الصورة الرمزية Habib
    التسجيل: Jan 2007
    العضوية: 630
    الإقامة: Central Europe
    هواياتي: التاريخ والسياسة
    الحالة: Habib غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,239

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    1 44 رد: القديس اثناسيوس الكبير (سيرته الكاملة - كتاباته)


    مسلسل النفي: الحلقة الأولى
    فيما كان القديس أثناسيوس يتابع اهتمامه بشعبه كأسقف جديد عليهم، كان الآريوسيون يحيكون خيوط المؤامرة عليه. حقدهم تفاقم وكيدهم لم يخبُ. افسافيوس النيقوميذي كانت له معارفه في البلاط. ابرز معارفه قسطنسيا، أخت قسطنطين الملك. فسعى لديها لتسعى لدى أخيها لرد الاعتبار لآريوس. وكان أن صوّر المصوّرون لقسطنطين أن قرارات مجمع نيقية لم تأت بالثمار المرجوّة لها لا على صعيد استتباب الأمن ولا على صعيد شيوع السلام والاتفاق. لذلك من الأوفق للعرش أن يكون متسامحاً ويدعو إلى التسامح. هذا يهدّئ النفوس ويساهم في الحفاظ على وحدة الشعب بشكل افضل. تبنّى قسطنطين هذا المنطق وأعاد لآريوس الاعتبار وسمح له بمزاولة نشاطاته من جديد. إزاء هذا الموقف الإمبراطوري المفاجئ، كان رد أثناسيوس فورياً وحاسماً: لا! هذا مرفوض! في جوابه إلى الإمبراطور قال: "من المستحيل للكنيسة أن تستعيد من يقاومون الحقيقة ويشيّعون الهرطقة وقد سبق لمجمع عام أن قطعهم". قسطنطين استاء لانه ظن أن كلمته لا ترد، بالنسبة للدولة كما بالنسبة للكنيسة. أما أثناسيوس فلم يكن همّه الطاعة لقيصر دون قيد أو شرط بل الطاعة لله أولا واخيراً. كان مستعداً للتعاون مع القيصر طالما كان قيصر في خط الحقيقة الإلهية. أما وقد حاد عنها فهو الملوم. ليس أثناسيوس مستعداً للرضوخ للأمر الواقع. الحقيقة الإلهية فوق كل اعتبار.
    على هذا نجح الآريوسيون في نقل الصراع من المستوى اللاهوتي إلى المستوى السياسي. لم ينجحوا في محاربة أثناسيوس باللاهوت فتحوّلوا إلى محاربته بالسلطة السياسية. اخذوا يصورونه كمشاغب، كمن يشكل خطراً على أمن الدولة. فلا عجب إن قال عنه قسطنطين الملك انه" رجل وقح ومتعجرف ومفسد". وطبعاً عرف الآريوسيون بما أوتوه من حقد وكيد كيف يغيرون صدر قسطنطين عليه بالأكثر. قالوا عنه انه يعرقل نقل القمح المصري إلى القسطنطينية. وقالوا انه يفرض الضريبة على السفن المسافرة إلى هناك ليدفع لكهنته. وإمعانا في تشويه صورة أثناسيوس أمام القيصر والعامة، وجّهوا إليه تهماً عدّة بينها الزنى والسحر والقتل. قالوا إنه اغتصب امرأة واستبد بعفافها. وقالوا انه قتل أسقفاً من المنشقين الملاتيين يدعى ارسانيوس. والآريوسيون تظاهروا وهم يحملون ذراعاً سوداء يابسة قالوا أنها لارسانيوس.
    وإذ صادف مرور ثلاثين سنة على تولي قسطنطين العرش، أراد الاحتفال بالمناسبة بتكريس كنيسة القيامة في أورشليم. ثم تمهيداً لذلك دعا الأساقفة إلى مجمع يُعقد أولا في صور للنظر في التهم الموجهة إلى أثناسيوس. لم يكن أمام أثناسيوس أي خيار، فركب إلى صور هو وخمسون من أساقفته. لكن المجمع لم يكن مجمعاً بل محكمة. لذلك لم يسمح للأساقفة المصريين بالدخول، ودخل كمتّهم وعومل كذلك. كل أعدائه اجتمعوا عليه, وُجّهت إليه شتّى التّهم. ظنوا انهم قضوا عليه. الخناق كان شديداً. لم يأتوا به ليستمعوا إليه بل ليدينوه. لكن نعمة الله أعانته. قالوا انه زان وأتوا بامرأة قالت انه اعتدى عليها. لكن المرأة فشلت في الدلالة عليه، وتبين انه لم يسبق لها أن شاهدته في حياتها. قالوا انه قتل ارسانيوس، فإذا بارسانيوس الذي وصل إلى صور في اليوم السابق لانعقاد المحكمة، يظهر ذاته فتظهر التهمة باطلة. قالوا إن اليد اليابسة التي حملوها هي يد ارسانيوس، فإذا بارسانيوس يظهر كامل اليدين. إزاء هذه الشهادات انحلّ عقد المجتمعين على أثناسيوس دون أن ينحل حقدهم. وهكذا تمكن قديسنا من التواري قبل أن يصدروا في شأنه حكمهم الأخير.
    واختفى أثناسيوس. ثم فجأة ظهر في القسطنطينية. اقام في منزل في الشارع المؤدي إلى القصر الملكي. واذ كان قسطنطين عائداً، ذات يوم، إلى قصره، نزل أثناسيوس إلى الشارع وتقدم منه، وقسطنطين غير منتبه، وقبض على زمام الجواد الذي امتطاه وأوقفه عن سيره. لم يكن قسطنطين معتاداً أن يوقفه أحد، فنظر مستغرباً متعجباً منزعجاً، فإذا به أمام الرجل القصير القامة الذي لم يعرفه أول الأمر يقول له: "الله يحكم بيني وبينك بعدما انضممت إلى صفوف المفترين عليّ!" وبدا قسطنطين كأنه لا يريد أن يسمع المزيد لكن، أردف أثناسيوس: "أطلب منك فقط إما أن تدعو إلى مجمع شرعي أو أن تدعو محاكميّ إلى مواجهتي في حضورك". وانصرف قسطنطين. بعد أيام طلب ملف القضية على أثناسيوس ومعرفة الحكم الصادر في حقه، كما دعا عدداً من متهميه لمواجهته لديه، فحضروا وحضر أثناسيوس. أكالو له تهماً عدّة لا سيما فيما يختص بالقمح والسفن المسافرة إلى القسطنطينية. دافع أثناسيوس بمنطق رجل الله لا بمنطق أهل العالم. ولكن بدا قسطنطين اكثر استعداداً للإصغاء لمنطق من يتحدثون بلغة السياسة والأمن والدولة وما إلى ذلك. موقف أثناسيوس بان ضعيفاً. لم يرد قسطنطين أن يبتّ في أمره بصورة نهائية، فأبقى عليه أسقفا للإسكندرية لكنه حكم بنفيه إلى "تريف" عاصمة بلاد الغال(فرنسا) حيث بقي إلى أن رقد قسطنطين في أيار 337م.
    يُذكر أن آريوس، أثناء غياب أثناسيوس عن الديار المصرية، حاول العودة إلى الإسكندرية فصدّه الشعب الحسن العبادة فتحول إلى القسطنطينية. هناك رغب افسافيوس النيقوميذي ومن لفّ لفّه في حشد الجموع احتفالاً بإعادة الاعتبار لآريوس. وإذ خرج آريوس وأصحابه إلى الشارع قاصدين الكنيسة بزهو وأبّهة وحماس، حدث فجأة ما لم يكن في الحسبان. شعر آريوس بألم في أحشائه، فانتحى جانباً لقضاء حاجة نفسه فوقع مغشياً عليه ومات.


    الحلقة الثانية
    في غضون سنة من وفاة قسطنطين عاد أثناسيوس إلى كرسيّه. القديس غريغوريوس اللاهوتي كان حاضراً ووصف ما جرى. كل الإسكندرية استقبلته. مشى على السجّاد. اشتعلت أمام البيوت قناديل الزيت. صدحت المدينة بالعيد والتمجيد. "لا شيء يفصلنا عن المسيح". هكذا علّق أثناسيوس. الصلاة والعبادة اجتاحت مدن مصر في حركة عفوية جامعة شاملة. وفي طفرة الحماس مئات وآلاف الاسكندرانيين خرجوا ليترهّبوا. الجياع أطعموا. اليتامى احتُضنوا. واستحال كل بيت كنيسة.
    ومع ذلك، وفي اقل من ثلاث سنوات(340م)، عاد أثناسيوس إلى المنفى من جديد. فإثر وفاة قسطنطين الملك توزعت الإمبراطورية على أولاده الثلاثة، فملك قسطنطين الثاني على بريطانيا وغاليا وإسبانيا، وقسطنس على اليونان وإيطاليا وأفريقيا وقسطنديوس على آسيا وسوريا ومصر. الأولان مالا إلى الأرثوذكسية والأخير إلى الآريوسية. وقع تحت تأثير افسافيوس النيقوميذي الذي جرى نقله إلى القسطنطينية وصار أسقفا عليها. قسطنديوس كان شاباً في العشرين ملأته شهوة السلطة. قال عنه مرسلينوس المؤرخ انه كان يربك الكنيسة بخرافاته وأوهامه. وقال عنه أثناسيوس: "انه قُلَّب لا رأى له من ذاته. يأخذ بنصيحة الخصي إذا حدث أن كان قريباً منه. لذلك لا اظنه سيئاً. فقط عاجز وسخيف".
    وصدر لاثناسيوس من القسطنطينية أمر بمغادرة الإسكندرية، كما جرى تعيين أسقف آريوسي جديد محلّه هو غريغوريوس الكبادوكي. دخل غريغوريوس بمواكبة عسكرية. وصل في آذار 340م. وبوصوله شاع جو إرهابي. فدُنّست الكنائس ولُوّثت المذابح واُقف رهبان وعذارى وأودعوا السجون وعذّبوا. الإسكندرية الكنيسة خضعت للاحتلال العسكري. أما أثناسيوس فتوارى. استقل سفينة برفقة امونيوس وايسيدوروس الراهبين وارتحل. إلى أين؟ إلى رومية حيث استقبله يوليوس الأول أسقفها استقبالاً طيباً. هذا فيما أوعز لحكّام الإسكندرية أن يقطعوا راس أثناسيوس إذا تجرأ فعاد إلى الديار المصرية.
    بقي قديسنا في المنفى ست سنوات. تلك كانت سنوات مخصبة. أخذ يتنقل في الغرب بحرية. كان محترماً ومقدّراً من الجميع. وعظ، خاطب الأساقفة، علّم عن نيقية، وقيل كتب، آنذاك، سيرة القديس انطونيوس الكبير التي كان لها اثر بارز على الغرب وعلى شيوع الرهبنة فيه. وتأكيداً لدعم يوليوس الأسقف لاثناسيوس، دعا إلى مجمع في رومية في تشرين الثاني 342م زكّى الإيمان النيقاوي وأعلن انه لا يعترف بغير أثناسيوس أسقفا على الإسكندرية. ولم يطل رد فعل الآريوسيين حتى ورد، فعقدوا مجمعاً مضاداً في إنطاكية وضع دستور إيمان جديد واتخذ تدابير قانونية خاصة للحؤول دون إمكان عودة أثناسيوس إلى كرسيه. على هذه بدا العالم المسيحي مقسّماً إلى غرب أرثوذكسي وشرق يرزح نير الآريوسية. أخيرا، سنة 345، اندلعت الثورة في الإسكندرية وقُتل غريغوريوس المغتصب. وإذ تنبه قسطنديوس إلى خطر اندلاع حرب أهلية تراجع وسمح لاثناسيوس بالعودة، فعاد خلال العام 346م وقيل 348م.


    الحلقة الثالثة
    ولم ينم الآريوسيون على الضيم ولا نام قسطنديوس الملك. خيوط المؤامرة كانت ما تزال بعد قيد الحياكة. همّ الفريق الآريوسي ما فتئ تصوير أثناسيوس كعنصر شغب وان استمراره في سدّة المسؤولية الكنسية خطر على أمن الدولة. فبقي قسطنديوس مشدوداً. سنة 353م اُطيح بقسطنس، الإمبراطور في الغرب. وكان قد أُطيح بقسطنطين الثاني قبله، فخلت الساحة لقسطنديوس بالتمام والكمال. أضحى إمبراطور الشرق والغرب معاً. هاجسه كان أن يحفظ الوحدة السياسية للإمبراطورية بأي ثمن. هذه الوحدة، بنظره كانت آريوسية الطابع، واثناسيوس أحد الذين يتهددونها. فجأة وجّهت التهمة إلى أثناسيوس بالتآمر على سلامة الدولة من جديد. فلقد زعموا أن أثناسيوس كاتب أحد الساعين إلى اغتصاب إمبراطورية الغرب، وان رسالة في هذا الشأن، وقعت في أيدي عملاء قسطنديوس. عليه وصل صيف العام 355م، إلى الإسكندرية مبعوث ملكي وطلب من أثناسيوس تسليم سلطاته فرفض. استمرت محاولات إقناعه ستة اشهر من دون نتيجة. قالوا لاثناسيوس: اخرج لتسليم مصر، فأجاب: لن يكون لها سلام إذا غادرتها! أخيرا وصلت الأزمة إلى حد المواجهة العسكرية. دخل الجنرال سيريانوس الإسكندرية على رأس خمسة آلاف عسكري. جاء ليُخرج أثناسيوس بالقوة. وفي 9 شباط 356م كان أثناسيوس ورعيته يقيمون السهرانية في كنيسة القديس ثيوناس استعداداً لسر الشكر في اليوم التالي. فجأة أحاط العسكر بالكنيسة واقتحموها. كان أثناسيوس في كرسيه والترانيم تملأ المكان. انبعثت الأصوات. تعالى الصراخ. التمعت السيوف. وسقط قتلى وجرحى وديسوا. وقف سيريانوس أمام الهيكل فيما انتشر عسكره بين الناس يميناً ويساراً. همّهم الأول كان التعرف إلى أثناسيوس والقبض عليه. لكن الجند استباحوا سرقة الأواني الذهبية وتعرضوا للعذارى. أما أثناسيوس فإذا كان صغير القامة فقد غطّاه عدد من الرهبان والاكليروس وحملوه ثم خرجوا به من الباب دون أن يلاحظهم العسكر وسط المعمعة واختفوا تحت جنح الظلام. خرج أثناسيوس إلى الصحراء. الرهبان حفظوه، وعامة المؤمنين أيضا. لكنه اخذ يظهر من وقت إلى أخر في الإسكندرية طلباً لرعاية شعبه بصورة خفيّه. في تلك الفترة بدا كأن الكنيسة، شرقاً وغرباً، وقعت تحت نير الآريوسية بالكامل لا سيما وان قسطنديوس كان قد سعى إلى عقد مجمع لصالحها في ميلان ونفى على آثره 147 أسقفا أرثوذكسيا رفضوا الرضوخ له. القديس ايرونيموس كتب عن تلك المرحلة قائلاً: "العالم كله كان يئن ويعجب لانه ألفى نفسه آريوسياً!.
    ست سنوات قضاها أثناسيوس متخفياً، لا شك أنها تركت بصماتها عليه. فلقد شاخ! لكنه لم يلن ولم يحد عن قوله الأول، عن إيمان الكنيسة القويم، عن عقيدة نيقية، شعرة واحدة. قدرته، بنعمة الله على الصمود كانت خارقة. كانت فيه شعلة إلهية لا تخبو. أخيرا مات قسطنديوس وعاد أثناسيوس مظفراً، بعون الله إلى الإسكندرية في 21 شباط 362م. يوليانوس الوثني الجاحد تولى العرش. وفي سعيه إلى ضرب المسيحية أعاد الأساقفة الأرثوذكسيين إلى ديارهم أملا في تأجيج الصراع بين الأرثوذكسيين والآريوسيين. ومن ثم في إضعافهما معاً لتقوى الوثنية على حسابهما وتعود إلى الواجهة من جديد. لكن حساب البيدر لم يكن على حساب الحلقة، فكان نصيب أثناسيوس التواري والنفي مرة أخرى.


    الحلقة الرابعة
    بين شباط وخريف العام 362م، حقق القديس أثناسيوس نجاحات ملفتة. التفّ الشعب الأرثوذكسي حوله. أقام اتصالات بعدد من الأساقفة الأرثوذكسيين. بدى لناظريه كلولب لتوحيد الكنيسة. أقام جسوراً مع الفريق نصف الآريوسي الذي وقف وسطاً بين الأرثوذكسية والآريوسية. أبدى حياله مرونة وتفهماً عميقين. لما فهموا حقيقة موقفه تغيّروا وانضموا إليه. كل هذا وغيره اقلق يوليانوس الجاحد. وحتى لا يفسح لاثناسيوس في المزيد من المجال لافساد خططه عليه اتخذ في حقه تدابير احترازية. وجّه إلى شعب الإسكندرية رسالة ذكر فيها بان أثناسيوس سبق أن صدر في حقّه عدد من المراسيم الملكية التي قضت بنفيه. سجلّ الرجل إذا غير نظيف، وها هو ألان يهين القانون والنظام ويتصرف كأنه لا قانون. كذلك أكد يوليانوس انه لم يسمح لا لاثناسيوس ولا لسائر من اسماهم ب "الجليليين"، وعنى بهم المسيحيين، بالعودة إلى كنائسهم بل إلى بيوتهم وحسب. وبعد أن أشار إلى ما اعتبره "الوقاحة المعهودة" لاثناسيوس الذي اغتصب، على حد قوله، "ما يدعى بالكرسي الأسقفي" ، انذره بمغادرة الإسكندرية حال تسلّمه أشعارا بذلك، وإلا فان عقاباً صارماً سوف يتخذ بحقه.
    لم يجد قديسنا أمامه خياراً غير الانسحاب من الإسكندرية. تركها في تشرين الأول 362م. وإذ رأى الرهبان الذي رافقوه إلى المركب يبكون قال لهم: "لا تحزنوا! ليست هذه سوى غيمة صغيرة وتعبر!" أحد مراكب العسكر الملكي لاحقه واقترب منه. سألوا "أين أثناسيوس؟" أجاب: "ليس بعيداً عنكم!" ولكن بدل أن يفتشوا المركب انصرفوا. أما أثناسيوس فوُجد بين رهبان صعيد مصر، لكنه كان ينزل إلى الإسكندرية حيثما دعته الحاجة. عملاء يوليانوس كانوا يعرفون ذلك لذلك لاحقوه. مرة كان في مركب يصلي وكاد أن يقع في ايدي مضطهديه. قال للأنبا بامون الذي رافقه: "اشعر بالهدوء في زمن الاضطهاد اكثر مما اشعر في زمن السلم". وإذ أردف موجّهاً كلامه إلى صحبه: "إذا ما قُتلت..قاطعه بامون قائلاً: "في هذه اللحظة بالذات قضى يوليانوس عدوك في الحرب الفارسية!" هذا، كما تبين فيما بعد، كان صحيحاً. ففي تموز 363م خرج يوليانوس إلى الحرب ضد الفرس فقضى بسهم طائش من أحد عسكرييه ولم يعد.


    الحلقة الخامسة والأخيرة
    بعد يوليانوس الجاحد تولى الحكم الإمبراطور جوفيانوس الذي كان أرثوذكسيا. هذا ثبّت أثناسيوس على كرسي الإسكندرية وعامله بإجلال كبير. لكن عمر جافيانوس كان قصيراً. ففي أوائل العام التالي 364م، خرج على رأس عسكره إلى حدود بيثينيا، حيث قضى مسموماً بدخان الفحم الذي أُشعل في غرفة نومه لتدفئته. على الأثر تولى الحكم إمبراطوران: والنتنيانوس على الغرب ووالنس على الشرق. والنس كان آريوسياً. والفريق الآريوسي كان اضعف من ذي قبل. انتظر والنس إلى العام 367م ليبادر إلى نفي الأساقفة الأرثوذكسيين من جديد. أثناسيوس كان من بينهم. توارى مرة أخرى. وقيل اختبأ أربعة اشهر في مقبرة. ولكن اهتاجت مصر فتوجّس والنس خفية وامر باستعادة أثناسيوس فعاد، هذه المرة ليبقى.
    ساس قديسنا رعيته بسلام سبع سنوات إلى أن رقد في الرب في 2 أيار عام 373م. جملة سنواته أسقفا كانت ستاً واربعين، قضى عشرين منها في المنفى. لم يعاين نصرة الأرثوذكسية في كل مكان، لكنها تحققت بعد سنوات قليلة من وفاته، زمن الإمبراطور ثيوديوس الكبير.


    حياة المغبوط انطونيوس الكبير
    من أهم ما ترك لنا القديس أثناسيوس. كتابة، سيرة القديس انطونيوس الكبير الذي قال انه رآه مراراً ولازمه طويلاً وسكب في يديه الماء. تاريخ السيرة حدود العام 357م. بعد وفاة القديس انطونيوس بقليل. الكتاب موجّه إلى رهبان غير مصريين، ربما غربيين، طلبوا من أثناسيوس أن يكتب لهم عن حياة المغبوط لانهم رغبوا في أن يعرفوا منه كيف بدأ نسكه، من كان قبل ذلك، كيف كانت نهاية حياته، وهل إن كل ما يروى عنه صحيح. غرضهم، كما بدا لاثناسيوس، كان الاقتداء بغيرة انطونيوس. وقد قبل أثناسيوس طلبهم ولبّى رغبتهم لان ربحه كبير حتى لمجرد ذكر اسم انطونيوس، على حد تعبيره، ولان حياة المغبوط، كما ورد في مقدمته، "نموذج كاف للنسك". ويبدو أن مراسلي أثناسيوس ضمّنوا كتابهم إليه بعض الأخبار التي سمعوها عن انطونيوس. هذه أكد أثناسيوس صحتها مشيراً إلى أنها مجرد غيض من فيض. كما حرص أثناسيوس على جمع معلومات إضافية عن انطونيوس من الرهبان الذين اعتادوا زيارته بشكل متواتر، أولا ليتعلم وينتفع هو بنفسه وثانياً ليكون له أن يكتب عنه المزيد. كذلك سعى أثناسيوس إلى التدقيق في أخبار المغبوط ما أمكنه لكي تكون كل الأمور بشأنه حقيقة، على حد تعبيره. ثم ختم بالقول: "إذا ما سمع أحدكم شيئاً اكثر فلا شك في الرجل، أما إذا اسمع اقل فعليه إلا يحتقره".
    هذا والسيرة أهم وثيقة معروفة عن بداءة الحياة الرهبانية. علّق القديس غريغوريوس اللاهوتي عليها بالقول أنها "قاعدة للحياة الرهبانية في شكل سردي" . كتبت أول ما كتبت باليونانية وترجمها افغريوس الانطاكي إلى اللاتينية تحت العنوان "من أثناسيوس الأسقف إلى الاخوة الذين في البلاد الأجنبية" . هذا ربما كان إشارة إلى الرهبان الغربيين. أنّى تكن الحقيقة الأمر فان السيرة ساهمت مساهمة فعالة في نشر المثال الرهباني وأدخلت الرهبنة إلى الغرب. اوغسطينوس المغبوط أشار في اعترافاته إلى التأثير الحاسم الذي كان للسيرة عليه، بالنسبة لهدايته، كما أشار إلى اجتذابها العديدين إلى الحياة الرهبانية.
    والى السيرة باليونانية واللاتينية وردت اقدم نصوصها بالسريانية والقبطية أيضا.


    قالوا عنه
    لقد قيل الكثير عن أثناسيوس الكبير. القديس غريغوريوس اللاهوتي قال "أن الله به حمى الإيمان الأرثوذكسي وحفظه، في حقبة من اشد الحقب التاريخية حرجاً". وعن كتاباته قال يوحنا موخوس، في القرن السادس للميلاد، " إذا وجدت مقطعاً للقديس أثناسيوس ولم يكن لديك ورق لتنقله فاكتبه على ثيابك". كذلك كتب القديس غريغوريوس اللاهوتي عنه قائلاً: "إذا كنت اثني على القديس أثناسيوس فإنما اثني على الفضيلة نفسها لانه حوى كل أنواع الفضائل. كان عمود الكنيسة ولا يزال مثال الأساقفة. ليس إيمان أحد صادقاً إلا بقدر ما يستنير بإيمان أثناسيوس". هكذا وصف غريغوريوس خُلقة: "كان متواضعاً حتى لم يجاره أحد في تلك الفضيلة.. حليماً، لطيف المعشر يسهل على الجميع الوصول إليه..طيّب القلب حنوناً عطوفاً على الفقراء..أحاديثه لذيذة تأخذ بمجامع القلوب. توبيخاته بلا مرارة. ومتى أثنى على أحد فلحمله على الكمال..كثير التسامح من دون ضعف، شديد الحزم من دون قسوة..كثير الحرارة والمواظبة على الصلاة، شديداً في حفظ الأصوام. لا يكلّ عن الاسهار ولا عن تلاوة المزامير..يعطف على الصغار ولا يهاب مقاومة عظماء الدنيا وما يأتون من مظالم.
    أثناسيوس، بكلمة، مصارع. لم يخش الضربات وكان مستعداً أن يتقبلها. دافع عن الإيمان القويم في وجه الأباطرة كما في وجه اللاهوتيين السياسيين. كان واثقاً من ربه وغلبته، ثابتاً في إيمانه وعزمه. لم يردّه عن قول الحق ضيق ولا أسكتته عن الشهادة قوة. تمثّل الأرثوذكسية قولاً وعملاً. قريباً من الشعب كان لا أرستقراطيا. أسقفا للمقاومة، بتعبير عصري. حريصاً على إتمام رعايته وتقدم سامعيه في سبل الحياة الإنجيلية. لا يتّسم لاهوته بالتأملية الفلسفية بل بالصلابة العقدية. لاهوته تأكيد للحق الإلهي لا تفكّر نظري فيه. لاهوته حي. حتى البلاغة عنده مظهر من مظاهر الالتزام بعمل الله الخلاصي.
    كان أثناسيوس كلّياً في قولته وتصميمه. اتهموه بالتصلب وقلة المدارة. والحق انه كان صلباً لا متصلباً. احدياً في توجهه على نحو حاد واضح، لا يراوغ ولا يناور ولا يداور. الشعب المؤمن والرهبان أدركوا انه يقول الحق. لم يخذوا بفتنته. اخذوا بشهوة الحق لديه. أقنعهم لا بمنطقه، بل لانهم وثقوا به. هذا كان سر بلاغته النفّاذة.
    صنع أثناسيوس الكثير. ترك على الفكر اللاهوتي عبر العصور بصمات لا تمحى. ولعل ابرز ما تركه انه حال دون تحوّل المسيحية عن خطّها الخلاصي التألهي إلى فلسفة. كما حرر الكنيسة من ربقة القوى السياسية، لا سيما وقد اعتاد الأباطرة الرومان، إلى زمانه، الاستبداد بشؤون العبادة كما بشؤون العباد. كذلك ربط اللاهوت بالتأله وبالنسك، وقدم في شأنه انطونيوس المغبوط نموذجاً للإنسان الجديد، فكان أثناسيوس مفصلاً بين الكنيسة كما آلت إليه بكل التحديات التي نزلت بها، والكنيسة كما استوعبها سيدها حقه ونفسه لمئات السنين، بعدما انفتح بابها للدنيا على مصراعيه، حتى إلى يومنا هذا.


    سيرة القديس مأخوذة من كتاب سير القديسين (السنكسار)
    نقلاً عن ينبوع الحياة - دبين، الاردن

    من كتب القديس على الإنترنت:

    كتاب: المسيح فى رسائل القديس أثناسيوس الكبير
    http://www.antiochair.com/library/th...GAth/index.htm

    كتاب: ضد الآريوسيين الشهادة لالهوهية المسيح
    http://www.antiochair.com/library/th...rios/index.htm

    كتاب: الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الكبير
    http://www.antiochair.com/library/se...reat/index.htm


    ملاحظة : هناك كتاب منسوب للقديس أثناسيوس اسمه "تجسد كلمة الله".


    للمزيد راجع:
    كتاب: القديس أثناسيوس الكبير (حياته، لاهوته، منهجة) لمجموعة من المؤلفين
    http://www.antiochair.com/library/sa...reat/index.htm

    †††التوقيع†††

    الآن أضداد للمسيح كثيرون

    رجاءً لكل الأخوة اصحاب النسخ واللصق والقص والتلوين عندما تريد ان تنقل موضوع من مواضيعي ان تذكر المصدر
    -----
    عندما اشتاقُ للوَطَن... احمله معي إلى خمَّارة المدينَة.. أضعُهُ على الطاولَة... أشربُ معه حتى الفجر... وأُحَاورُه حتى الفجر... وأتَسكع معه في داخل القنَّينة الفارغَة... حتى الفجر... وعندما يُسكر الوطنُ في آخر الليل... ويعترف لي أنَّه هو الآخرُ.. بلا وَطَن.. أُخرجُ منديلي من جيبي... وأمسحُ دموعَه..
    -----
    ††† الكنيسة وفية لرجالاتها الأبرار الذين رفعوا شأنها †††
    -----
    أصحاب السيادة أعضاء المجمع الأنطاكي المقدس
    -----
    * كما تثمر الشجرة متى رويت كذلك تقوي هذه التعذيبات عزيمتي.
    * نحن لا نكره أجسادنا لكننا نفرح إذا ما تأملنا في الحقائق غير المنظورة، ولنا ثقة بالوعد أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستلعن للذين يحبون المسيح.
    (الشهيد حبيب 309†)

  3. #3
    أخ/ت جديد/ة
    التسجيل: Jul 2008
    العضوية: 3899
    الحالة: jp_fadel غير متواجد حالياً
    المشاركات: 3

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: القديس اثناسيوس الكبير (سيرته الكاملة - كتاباته)

    10x for all

المواضيع المتشابهه

  1. عقيده خلاص الله للانسان للقديس اثناسيوس الكبير
    بواسطة Seham Haddad في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2009-03-24, 06:10 PM
  2. كريستولوجية القديس اثناسيوس
    بواسطة copticlion في المنتدى اللاهوت الأرثوذكسي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2008-11-16, 08:44 AM
  3. مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 2008-05-07, 01:49 PM
  4. كتاب: القديس يوحنا كاسيان - حياته، كتاباته، أفكاره -
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى إعلانات الإدارة لبقية الأخوة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2007-02-21, 03:01 AM
  5. كتاب : القديس أفراهاط الحكيم الفارسي حياته، كتاباته، أفكاره
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى إعلانات الإدارة لبقية الأخوة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2007-02-08, 04:29 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •