قصتان
قصة من مصر، والأخرى من أمريكا.
نبدأ بالقصة الأولى من مصر
ذكرت هذه القصة إحدى المجلات الأسبوعية، عن امرأة أرملة رقيقة الحال، من إحدى محافظات الوجه القبلي في مصر، ترعى ابنها الوحيد، عجزت عن تسديد إيجار الشقة. ورفع عليها مالك العقار قضية طرد. ومثلت المرأة أمام القاضي، دون محام، فهي لا تملك أن تقيم من يدافع عنها. وأقرت بأنها تأخرت عن سداد الإيجار وعزت ذلك إلى فقرها الشديد، قالت ذلك والدموع تنهمر من عينيها. ولم يملك القاضي سوى أن يصدر أمرًا بطردها من العقار كما يقول القانون الذي هو يمثله.
لكنه عندما ذهب إلى بيته لم يستطع أن ينام ولا أن يهدأ له بال. لقد كان في المحكمة يمثل القانون، ولكن في بيته تغلبت عليه نوازعه الإنسانية، فماذا يفعل؟ إنه لا يستطيع أن يوقف الحكم القانوني العادل الذي أصدره على المرأة، ولا يملك أن يتجاهل دموع تلك المرأة البائسة. وقبل وصول الشرطة لتنفيذ الحكم ضد المرأة وابنها، كان سبقهم هو ومعه عقد تمليك لشقة متواضعة اشتراها بماله هو، وأهذاها للمرأة المعدمة، لكي تكمل بقية عمرها فيه.
والقصة الثانية التي من أمريكا قصها الكاتب المسيحي المعروف ”جوش ماكدويل“ قال:
قامت شرطة المرور بإيقاف سيارة تقودها شابة، بسبب سرعتها الزائدة. حررت لها الشرطة مخالفة سير، واستدعيت الفتاة للمثول أمام القاضي. تلا القاضي أمامها لائحة الاتهام، وسألها: ماذا تقولين؟ هل أنت مذنبة أم بريئة. أجابت الفتاة مذنبة. وعندها حكم القاضي عليها بأن تدفع مائة دولار غرامة، أو أن تسجن مدة عشرة أيام. ثم حدث شيء مدهش، عندما وقف القاضي وخلع ثوب القضاء وتقدم إلى الأمام وأخرج محفظته ودفع الغرامة.
لقد كان هذا القاضي أباها. وهو أحب ابنته، غير أنه كان قاضيًا عادلاً. كسرت ابنته القانون، فلم يستطع أن يقول لها ”اذهبي بسلام“. طالما أنتِ بنت القاضي فلا خطر ممكن أن يصيبك، لأنه لو فعل ذلك لما كان قاضيًا عادلاً، ولما كان أمينًا على تنفيذ القانون الذي أقسم يومًا بأن يحترمه. لكنه أيضًا أحب ابنته إلى الدرجة التي كان فيها مستعدًا أن يخلع ثوبه القضائي، ويتقدم إلى الأمام ليمثلها كأب، ويدفع عنها الغرامة.
هذا يصور لنا إلى حد ما ما فعله الرب يسوع معنا. فإذ كانت أجرة الخطية موت، وهو ما سيقع حتمًا على كل الخطاة غير التائبين والذين لم يؤمنوا بالرب يسوع المسيح، فلكونه إلهًا محبًا فقد نزل من عرشه في هيئة إنسان، بل استمر في طريقه إلى أن وصل إلى الجلجثة ليمثل المذنبين أمام الله ويدفع نيابة عنهم أجرة معصيتهم وخطاياهم. وليعطيهم عطية الحياة الأبدية مجانا. وكان ثمن هذا كله موت الصليب. فاستعلن أروع ما في قلب الله أعني محبته. الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا.
مجيئان:
عزيزي القارئ: لقد أتى المسيح مرة من ألفي عام، وصنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا (عبرانيين 1: 3)، وبناء عليه أمكن للمبشرين أن يتجهوا بالأخبار السارة لكل ربوع الأرض، فلقد أكمل المسيح العمل (يوحنا19: 30). وكل المطلوب أن تأتي للمسيح كما أنت، فتنال عطية الغفران والحياة الأبدية. يقول الوحي الكريم: «كل من يدعو باسم الرب يخلص» (رومية 10: 13).
على أن القصة لم تنته عند هذا الحد. فسيأتي الرب عن قريب مرة ثانية. وسيكون الأمر مختلفا تماما في هذا المجيء الثاني.
لقد أتى مرة متضعًا ليتألم ويموت، وسيأتي ثانية بقوة ومجد كثير (متى24: 30).
في مجيئه الأول حمل مبذر الزرع وذهب ذهابًا بالبكاء، وفي مجيئه الثاني سيحمل حزمه ويمتلئ فمه بالترنم (مزمور 126: 6)!
في مجيئه الأول وضع نفسه وأطاع (فيلبي 2: 8). وُضِع قليلاً عن الملائكة (عبرانيين 2: 9)، وفي مجيئه الثاني سيأتي وجميع الملائكة معه (متى 25: 31).
إذًا – عزيزي القارئ - هو سيأتي المرة الثانية في صورة مختلفة عما رأيناه عليها في المرة الأولى. فلن يأتي في ضعف بل في قوة، لا في صمت بل بهتاف، لا ليتألم بل ليملك، لا ليخلص بل ليدين!
نعم لا بد أن يجيء المسيح مرة ثانية كما أتي المرة الأولى.
إن ذاك الذي أتى في المرة الأولى ليموت نيابة عن الخطاة الذين أحبهم، سيأتي في المرة الثانية ليدين الخطاة الذين رفضوه واحتقروه. ومن ذا الذي يشك أن هذه اللحظة التي فيها يظهر المسيح للعالم ستكون أعظم لحظة في كل التاريخ. والرب بنفسه هنا يصف تلك الحادثة بأسلوب بسيط وواضح وقاطع.
وأختم حديثي بسؤال: إن كان المسيح سوف يأتي وسوف يظهر قوته العظيمة، فما الذي منعه أن يفعل ذلك حتى الآن؟
الإجابة: ليس لعدم امتلاكه للقوة؛ بل ليعطيك فرصة للتوبة.
سوف يظهر من السماء، وسوف ينصهر هذا الكون المادي ويذوب! يعلن لنا الوحي المقدس أنه يوم ظهور المسيح ستذوب الجبال مثل الشمع (مزمور 97: 5)! لكن الأخطر من ذلك أنه في ذلك اليوم سيذوب لحم الأشرار، وتذوب عيونهم في أوقابها، ويذوب لسانهم في فمهم (زكريا14: 12). ساعتها لن تفيدك التوبة حينئذ، سيكون الوقت قد فات. وسيمضي الرافضون وغير المؤمنين إلى عذاب أبدي. «ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين» (رؤيا14: 11).
ليتك تسرع بالتوبة والإيمان، نحو ذاك الذي أتى من قمة مجده إلى الأرض ليبحث عنك، والذي مات فوق الصليب ليخلصك.
-----------
[1] يرد هذا الاسم كثيرا في نبوة إشعياء. فمثلا يقول الرب: أنتم شهودي يقول الرب، وعبدي الذي اخترته، لكي تعرفوا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو (إجو آيمي)، قبلي لم يصور إله، وبعدي لا يكون» (إش43: 10)؛ و «أيضا من اليوم أنا هو (إجو آيمي) ولا منقذ من يدي. أفعل ومن يرد» (إش43: 13). أنظر أيضا إشعياء 41: 4؛ 43: 25؛ 46: 4؛ 48: 12.
[2] يركِّز كثير من أصحاب البدع على قول المسيح للشاب الغني: «لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله» (متى 19: 17)، معتبرين ذلك دليلاً على أن المسيح نفى صفة الألوهية عن نفسه. لكن نلاحظ أن المسيح لم يقل لذلك الشاب: ”لا تدعني صالحًا“، بل قال له: «لماذا تدعوني صالحًا؟». والفارق كبير. فالمسيح هنا لم يكن ينفي الألوهية عن نفسه، بل كان ينفى الصلاح عن البشر. وأما كونه صالحًا، كما ذكر هو عن نفسه في يوحنا 10: 14،«أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ،» وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي، فليس لذلك من سبب سوى أنه ليس مجرد إنسان.
[3] نلاحظ أن المسيح ذكر في أصحاح 16: 23 «إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم». وفي هذا نحن نرى وحدة الابن والآب في استجابة الصلاة، كما في كل شيء.
[4] أحيانًا يحدث هذا قبل موتهم، إذ بمجرد عزلهم يزول عنهم الجاه والصولجان، ويمسي أسيرًا لا يملك من أمر نفسه شيئًا!
-------
[1] هذه الحقيقة وإن كنا نجد إشارات عديدة لها في العهد القديم، لكنها لم تكن معلنة بالوضوح الكافي في ذلك الوقت، لأن الله كان ما زال محتجبًا (قارن 1ملوك 8: 12؛ إشعياء 45: 15 مع يوحنا 1: 18)، وأما وقد جاء المسيح، ”الكلمة“، المعلن لله، وبدأ خدمته، فإننا هنا، وللمرة الأولى، نرى أوضح إعلان لهذه الحقيقة في الوحي.
[2] انظر تعليقنا على قول المسيح: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنا8: 58)، في الفصل الأول؛ وأيضًا «أنا هو الأول والآخر» (رؤيا1: 17؛ في الفصل الثاني.
[3] نلاحظ أن إنجيل لوقا يحدثنا عن تفوق المسيح وربوبيته وهو بعد جنين في بطن العذراء مريم. فلقد قالت لها أليصابات: «من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي. فهوذا حين صار صوت سلامك في أذني، ارتكض الجنين بابتهاج في بطني» (لوقا1: 43و44).
[4] نلاحظ أن اسمى الجلالة اللذين استخدمهما توما في كلامه مع المسيح يسبقهما أداة تعربف، فتوما لم يقل غن المسيح إنه مجرد رب وإله، بل هو الرب وهو الله مسبوقًا بأداة التعريف.
* هذا القول الكريم قاله المسيح وهو ماض إلى الصليب والموت، وكان هو يعلم ذلك (يوحنا 13: 21، 36) ولكنه مع ذلك طلب من تلاميذه أن يجعلوه موضع إيمانهم لأنه هو مفتاح المصير الأبدى «الطريق والحق والحياة»!
المفضلات