لكل إنسان ميله والإله الصالح خلق الإنسان حراً نبيلاً يحترم حرية كل إنسان تاركاً إياه حراً ليسلك الطريق الذي يريحه. لا يضع الكل بنفس الخط مثل طابور الجيش. لهذا على الشباب أن يتركوا أنفسهم حرة في المكان الروحي لحرية الله. وعليهم ألا يفحصوا بأي حياة سلك أو يسلك فلان أو فلان، ولا يتأثروا بأحد فهذا لن يساعدهم.

على الأهالي والآباء الروحيين والمربيين أن يساعدوا الشباب بان يختاروا أي حياة تكون حسب مقدرتهم، وان يسلكوا في ميلهم الحقيقي دون أن يؤثروا عليهم أو أن يخنقوا ميلهم. لان القرار في اختيارهم لحياتهم هو من حقهم وحدهم فقط. أما الآخرين فنستطيع أن نعبر عن آراء بسيطة فقط. والحق الوحيد الذي لنا هو مساعدة الأرواح في إيجاد طريقها. لذلك فأنا أحاول دائماً أن أساعد الشباب بقدر استطاعتي، كي يجدوا الطريق الصحيح والسلام الداخلي، كي يعيشوا فرحين في هذه الحياة. وأقول لكم الحقيقة، أن اختار شاب اعرفه أي طريق. فإنني سأفرح، ودائماً سأهتم بخلاص نفسه. يكفي بان يكون بالقرب من المسيح بداخل كنيستنا، وسأشعر بأنه أخي لأنه سيكون ابن كنيستنا الأم.
طبيعي أن افرح بالأخص بأولئك الشباب الذين سيسلكون الحياة الرهبانية، لأنه حكيم ذاك الذي يسلك الحياة الملائكية. لكننا لا نستطيع أن نضع جميع البشر في نفس القالب. فانك ترى بان المسيح لم يعطي الرهبنة كوصية (بالرغم من أنها طريق الكمال) لأنه لم يريد أن يضع على الجميع حملاً ثقيلاً.لذلك عندما سأله الشاب الغني كيف سيخلص؟ أجابه المسيح" احفظ الوصايا" عندها أجابه بأنه قد حفظها وسائله "ماذا يعوزني بعد) عندئذ أجابه المسيح" أن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء وتعال اتبعني" متى21:19) )

فالرب يسوع لم يضع فخاً في العالم، ولا علم بالرهبنة، كونه كان سيضع ناراً ولكان كثيرون سيسرعون إلى الرهبنة دون تمييز ليصبحوا رهباناً، ولأصبحت الرهبنة شيئاً سيئاً. لكنه رمى الشرارة فقط وعندما أتت اللحظة المناسبة ظهرت.

وهكذا فنحن ليس لدينا الحق في أن نجبر الآخرين (هم وحدهم إن أرادوا أن يجبروا أنفسهم) لنا وحدنا أن نجبر أنفسنا، وهذا أيضاً بتمييز. فان سألني أحد ما عن هذا الموضوع أقول له (اعمل ما يجلب لك الراحة، يكفي أن تكون بالقرب من المسيح)وان قال لي بأنه لا يرتاح في العالم، عندئذ أحدثه عن الرهبنة، لكي أساعده بان يجد طريقه.-ولان السنوات تعبر مسرعة-فعلى الشاب أن لا يبقى مدة طويلة في عدم المقدرة على اخذ القرار. بل لن يختار صليباً واحداً (إحدى طرق كنيستنا)موافقةً مع ميله ورغبته وليتقدم فيها بثقة بالمسيح. فان أراد أن يفرح بالقيامة، عليه أن يتبع المسيح إلى الصلب. وفي كل من الطريقين يوجد أدوية، لكن الذي يوجد بالقرب من الله فالمسيح الحلو يحليها.

عندما يتجاوز الإنسان الثلاثين يصعب عليه اخذ القرار. وكلما مرت السنين كلما زادت الصعوبة. الشاب يتكيف بسهولة في أي حياة يسلكها، أما الكبير فانه يفحص بعقلانية. لذلك فأننا نرى أولئك الشباب الذين رتبوا أنفسهم في عمر صغير(إما في الحياة الزوجية أو الرهبانية)، فان يحفظوا بساطة طفولية حتى سن الشيخوخة ويندمجوا بسهولة ببعضهم البعض.
أما الفتاة فعليها أن تكون قد أخذت قرارها قبل الخامسة والعشرين في أي حياة ستسلك، كونها بعد هذا العمر تحدث صعوبة في استقرارها، لأنها تفكر في كيف ستخضع، وفي نفس الوقت كلما كبرت اقتنت غرابة الأطوار ومن سوف يأخذها! وبعد ذلك تطلب فقط حماية لها في الزواج وليس من اجل أن تنشئ عائلة.
من يؤجل الزواج(تعبر السنين) يبحث ولا يجد. لهذا أقول في هذا الموضوع: يحتاج الإنسان بعض المرات إلى قليلاً من المغامرة، وان يتغافل عن بعض الأشياء غير الجوهرية، لأنه لا يمكن أبداً أن يأت كل شيء كما ينتظر. يوجد في البعض كبرياء عظيمة وأنانية كبيرة. لهذا فان الله لا يساعدهم.

لسنوات عديدة يحضر إلى قلايتي بعض الأشخاص ويسألونني (أيها الأب ماذا يريد الله منا؟!) كأن الله بحاجة إليهم، فإنهم لم يتزوجوا ولا أصبحوا رهباناً. وآخرون يقولون (أيها الشيخ ماذا اعمل، أن أصير راهباً أم أن أتزوج؟ قل لي ؟إلى أين أكون؟)أما أنا فاسأله (أنت ماذا تريد؟) يجيب البعض نريد الاثنين. وان قلت لهم فكري مثلاً للزواج وتزوجوا، يمكن أن لا يرتاحوا، وعندئذ سيأتون إلي ويقولون لي (أنت الذي قلت لي أن اسلك هذه الحياة وها أنا في تعاسة). لنفرض بان أحد الشباب عنده ميل للزواج لكنه كان يفكر بالرهبنة، فان لم ينتبه لينشئ عائلة صالحة، وظهرت مشاكل في ما بعد ولم يعالجها روحياً، عندئذ يأتي الشرير ويحاربه بالفكر قائلاً له (كان عليك أن تكون راهباً كونك كنت تريدها، وكونك تزوجت فانه من العدل أن تتعذب الآن) وهذا الفكر لا يتركه في سلام وهدوء ليلاً ونهاراً. لذلك يجب على الشاب أن لا يتردد في إنشاء عائلة رغم كل الظروف المحيطة. بل أن يضع ثقته في المسيح، عندها لن يبقى في قلبه أي خوف من أي شيء. ألم تكن سنوات الاضطهاد صعبة؟ أو ربما توقف المسيحيون عن إنشاء عائلات لهم؟ بالتأكيد لا. فكتاب حياة القديسين (السنكسار) يبين لنا كم من القديسين استشهدوا مع نسائهم وأولادهن. وكم من العائلات المسيحية عاشت حياة القداسة والفضائل بداخل بيتها.

لهذا اعملوا ما يريحكم واضعين رجائكم على الرب يسوع الذي له المجد والعزة إلى الأبد آمين

للأب باييسيوس المتوحد


نُشرت على موقع دير سيدة الينبوع - دبين - الأردن