ثمة نوع آخر من الموت علينا أن نواجهه جميعاً في يوم من الأيام, وهو خبرة الرفض؛ كشعورنا بالرفض لدى تقدّمنا إلى وظيفة ميعنة. فكم من طلاب المدارس وخرّيجي الجامعات ينبغي لهم اليوم اختبار هذا الشكل المحدد من أشكال الموت! وهناك أيضاً الرفض في العلاقات الحميمة أو الحبّ: شيء ما يموت فعلياً فينا عندما نشعر بأن حبنا بقي من دون جواب, وأن شخصاً آخر مضّل علينا. غير أ، هذا الموت يمكنه أن يكون مصدر حياة جديدة. يجد العديد من الشباب أن الفشل في الحب هو بداية النضج والتدرب على حياة الراشدين. فالحزن على ميت أو فقدان شخص محبوب يسبب موتاً في قلب الشخص الذي يبقى. ويخالجنا أيضاً الشعور بأن جزءاً منا لم يعد موجوداً وبأننا فقدنا أحد أعضائنا. لكن عندما تتم مواجهة الحزن وقبوله داخلياً يصبح كلٌّ منا حياً وناشطاً أكثر من ذي قبل.
يجد العديد من المؤمنين أن موت الإيمان – أي فقدان اليقين (على الأقل ظاهرياً) العميق بالله وبمعنى وجوده – يسبب هو الآخر صدمة لا تقلّ أهمية عن التي يسبّبها فقدان صديق أو شريك الحياة. لكنّ هذا الأمر هو أيضاً خبرة موت – حياة علينا المرور بها لكي ينضج إيماننا. فالإيمان الأصيل هو الحوار المستمرّ مع الشكّ. إنّ الله يتخطّى, بشكل تامّ, كل مايمكن أن نقوله عنه, فالأجدر بنا أن نحطّم كل مفاهيمنا الذهنية لأنّها أصنام. ولكي يكون إيماننا حيّاً, لا بد أن يعرف الموت باستمرار.
في كل الحالات التي ذكرناها, يتضح لنا أن ليس للموت طابع هدّام, بل طابع خلّاق. فمن الموت تأتي القيامة والشيء الذي يموت يولد من أجل الحياة. أوَليس الموت الذي يوافينا في نهاية حياتنا الأرضية من هذا النوع عينه؟ أليس هو الموت – القيامة النهائيّ والأروع من كل الميتات والقيامات التي عرفناها منذ ولادتنا؟ الموت هو التعبير الأعمّ والأكمل عن كلّ ما عشناه خلال حياتنا. فإذا كانت الميتات الصغرى التي خبِرناها في حياتنا قد أوصلتنا في كل مرة إلى ما هو أسمى من هذه الحياة, أي إلى القيامة, فلماذا لا تكون هذه أيضاً الحال بالنسبة إلى لحظة الموت الكبرى عندما يحين الوقت لمغادرة هذا العالم؟
لكن ليس هذا كل شيء. فبالنسبة إلينا نحن المسيحيين, إن نموذج الموت – القيامة هذا,الذي يتكرر إلى ما لانهاية في حياتنا, يتّخذ أعمق معنى له في حياة مخلصنا يسوع المسيح وموته وقيامته. إن تاريخنا نحن ينبغي أن يُفهم على ضوء تاريخه الذي نحتفل به كلّ سنة في أسبوع الآلام المقدسة العظيم, وفي كل يوم أحد في القداس الإلهي. فكل ميتاتنا وقياماتنا الصغرى متّحدة عبر التاريخ بموت الرب وقيامته, وأعيادنا الفصحية الصغرى تسمو وتتثبّت مجددا من خلال فصحه الأكبر. نجد, في خدمة القداس الإلهي بحسب القديس باسيليوس الكبير, أن موت المسيح هو "يعطي الحياة". وكون المسيح هو مثالنا المُحتذى, نعتقد أن موتنا نحن يستطيع أن يكون أيضاً موتاً "يعطي الحياة". فالمسيح رائدنا وباكورتنا. هذا ما تؤكده الكنيسة الأرثوذكسية عشية الفصح في العظة المنسوبة إلى القديس يوحنا الذهبي الفم (القرن السادس): "لا يخشينّ أحد الموت لأن المخلّص حرّرنا منه؛ فقد أباده بعد أن ذاقه (...) المسيح قام وملكت الحياة. المسيح قام ولا ميْتَ في القبر".
إذاً, الموت يرافقنا في حياتنا كخبرة يوميّة دائمة تتكررى غلى ما لا نهاية. لكنّ الموت يبقى, على الرغم من ذلك ومهما بدا مألوفاً غير طبيعيّ في العمق. فالموت لا يدخل في إطار الهدف الذي وضعه الله لخليقته منذ الأزل. إذ إن الله لم يخلقنا لكي نموت بل لكي نحيا؛ وأكثر من ذلك, الله خلقنا وحدة غير منقسمة.فمن المُنطلقيْن اليهودي والمسيحي, يجب أن تكون نظرتنا إلى الإنسان نظرة كليّة لا جزئية: نحن لسنا روحاً محبوسة مؤقتاً في جسد يتوق إلى الخروج منه, بل نحن كيان متكامل يشمل الجسد والروح معاً. وقد شدد كارل غوستاف يونغ, عن حقّ, على ما سمّاه "الحقيقة الغامضة" بقوله: "إن الروح هو الجسد الحيّ المرئي من الداخل, وأما الجسد فهو التعبير الخارجي عن الروح الحي- وكلاهما واحد في الحقيقة". فإذا اعتبرنا الموت انفصالاً للروح عن الجسد, نكون متعدّين على وحدة الطبيعة البشرية.
إذا كان الموت مصيراً ينتظرنا جميعاً, فهو أيضاً أمر غير طبيعيّ, لا بل وحشيّ ومأساوي. فأمام موت أقربائنا وموتنا نحن, هناك دوماً تبرير لمشاعر يأسنا ورعبنا وحتى تمرّدنا على هذا الواقع, مهما كنا واقعيين. يقول الشاعر ديلان توماس:"لا تدخلوا بصمت في هذا الليل الصالح. ثوروا واعصفوا ضد احتضار النور". ويسوع نفسه بكى أمام قبر صديقه لعازر (يو11: 35) وشعر بالحزن والكآبة في بستان الجسمانية من جراء التفكير بموته القريب جداً (متى26: 38). كما أن القديس بولس يعتبر أن الموت عدو يجب القضاء عليه (1كو15: 26) ويردّه إلى الخطيئة مباشرة بقوله : "إنّ شوكة الموت هي الخطيئة" (1كو15: 56). فكوننا نعيش كلّنا في عالم ساقط, عالم منحرف, مفكّك, مجنون, ومحطّم, فإنّنا سنموت.
لكنّ الموت المأساوي هو في الوقت ذاته بركة. ذلك أنّ الموت, جزء من المخطّط الإلهي, يبقى هبة من الله وتعبيراً عن محبّته ورحمته. فلو قيّض لنا نحن البشر أن نعيش في هذا العالم الساقط إلى ما لا نهاية, أسرى حلقة الملل والخطيئة المفرغة, لأضحى هذا العيش قدراً مرعباً يصعب احتماله. لهذا قدّم لنا الله الموت مخرجاً. فالموت يحلّ اتّحاد الرّوح بالجسد لكي يستطيع بالتالي أن يُتحدهما مجدّداً ويعيدهما إلى ملء الحياة في قيامة الأجساد في اليوم الأخير. إن الموت أشبه بالخزّاف الذي تحدّث عنه النبي إرمياء بقوله: "فنزلت إلى بيت الخزّاف فإذا هو يعمل على المخرطة, فحصل عطل في الإناء الذي كان الخزّاف يصنعه من الطين في يده, فعاد وصنعه إناءً آخر كما حَسُنَ في عينيه أن يصنعه" (إر18: 4-5). فالخزّاف الإلهي يضع يده على الآنية الفخّارية التي تحوي بشريّتنا والتي شوّهتها الخطيئة فيكسرها لكي يستطيع أن يعيد صناعتها مرة أخرى ويمنحها عظمتها الأصليّة. بهذا المعنى يكون الموت هو الآلة التي التي تعيدنا إلى الحالة الأصلية. وكما ترتل الكنيسة الأرثوذكسية في خدمة الجناز: "يا من في القديم من العدم جبلتني ... لتتجدّد فيَّ صورة الجمال القديم". من هذا المنطلق, ألّف بنيامين فرانكلين نصّاً أراد أن يُحفر على قبره يقول: "هنا بنيامين فرانكلين, ناشر الكتب, طعاماً للديدان, كغلاف كتاب قديم. لكنه يؤمن بأن عمله لن يضيع, فهو سيظهر مرّة أخرى, في نسخة جديدة أبهى من سابقتها, مصحّحة ومعدّلة على يد مؤلفها!".
هناك إذاً جدليّة في موقفنا من الموت: لكنّ المقاربتين لا تتناقضان في نهاية المطاف. نحن نعتبر الموت أمراً غير طبيعي, غير مألوف, مضاد لخطة الخالق الأصليّة, وترانا نثور في وجهه بألم ويأس. لكنّنا نعتبره أيضاً جزءاً من الإرادة الإلهية, أو نعمة لا عقاباً. فالموت هو مخرج لمآزقنا أيضاً, أو قُل هو الباب الذي يؤدي إلى إعادة خلقنا. الموت هو طريق عودتنا. وأورد هنا مرّة أخرى مقطعاً من رتبة الدفن الأرثوذكسية يقول: "أنا الخروف الضالّ: فادعُني يا مخلص وخلِّصني". إنّنا نقترب إذاً من الموت بعجل ورجاء, مردّدين مع القديس فرنسيس الأسيزي: "ليتمجّد الربّ فقد أوجد لنا أخاً، أعني به الموت الجسديّ"؛ وذلك لأنه من خلال هذا الموت الجسد يدعو الربّ طفل الله إليه. كما أن الروح والجسد, بعد انفصالهما في الموت, يتكاملان مجدّداً ويتّحدان في القيامة النهائيّة.
تبرز هذه الجدلية بوضوح في رتبة الدفن الأرثوذكسية حيث ما من شيء يهدف إلى إخفاء حقيقة الموت المؤلمة والرهيبة. فالتابوت يبقى مفتوحاً, وغالباً ما تكون لحظة الوداع الأخير مؤلمة, لا سيما عندما يتقدّم أفراد عائلة المتوفّى وأصدقاؤه ليقبّلوه القبلة الأخيرة. لكن, في الوقت ذاته, نجد أن عادة ارتداء اللون الأبيض عوض الأسود قد سادت في أماكن عديدة,فالأبيض هو ذاته اللون الذي نرتديه في خدمة عيد الفصح لأن الرب القائم من بين الأموات يدعو الأموات المسيحيين إلى الاشتراك معه في قيامته. لا مانع من ذرف الدموع أثناء الجنّاز؛ بل إنّ البكاء حكمة لأن الدموع هي كالبلسم, والجرح يزداد عمقاً عندما يُكبت الألم. لكن يجب ألّأ نحزن "كسائر الناس الذين لا رجاء لهم" (1تس4: 13): مهما كانت مصيبتنا مؤملمة ومفجعة فهي لا تخلو من الرّجاء لأننا نعترف في دستور الإيمان بأنّنا نرجو "قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي".
يُتبع

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات