باسم الآب والإبن والروح القدس, إله واحد. آمين
![]()
سلام وبركة الرّب معكم أحبائي
أخي سام مِنان, مدخل رائع بورك لك اجتهادك وبوركت فطنتك المميزة التي دائماً تزودنا بذخائر علوم الكتاب المقدس.
نشيد الأناشيد هو كتيّب صغير في التوراة. لكن له تفسيرًا كبيرًا. فهذا الكتيّب مهمّ جدًا لأنّه يربط العهد القديم بالعهد الجديد، ويربط الإله الخالق بالإله المحبّ، ويربط شعب التوراة بكنيسة المسيح، ويجعل كل النفوس المؤمنة على مستوى الروح الذي يدخلنا في تيّار الحبّ، حبّ الآب والابن، حبّ الله والعالم، حبّ المسيح ونفوس المؤمنين. لهذا، نقرأ هذا الكتاب ونحاول أن نلج إلى قلب الله الذي هو حبّ وعطف وحنان، الذي يريد أن يأتي الينا ويجعل منّا مسكنًا له.
يتجلّى للمؤمن في نشيد الأناشيد, نشيد حبّ الله لشعبه وحبّ الشعب لربّه. بضعة فصول قصيرة، خمس قصائد مع مطلع لها والنهاية. تفسير النشيد يدخل المؤمن في سرّ الله الذي هو محبّة؟
نشيد الأناشيد ظاهرياً هو نشيد حبّ بين العروس وعريسها، بين الزوجة وزوجها. وهي لعمري أرفع صورة على وجه الأرض. أمّا جوهرياً فهو نشيد حبّ الله لشعبه وحبّ الشعب لربّه.
يعتقد المؤرخون أن النشيد كُتب بعد العودة من المنفى سنة 538 ق. م.؟ ولم يتجاسر أن يفسّر هذا الكتيّب إلاّ النفوس المشبعة بالحبّ الإلهي. بدأ أوريجانس وتبعه غريغوريوس النيصي. ثمّ برنردس وتريزيا الأفيليّة ويوحنا الصليب ويوحنا السالسي.
من كتابات الآباء الملتهبين بألسنة الروح القدس الناريةتجلّت لنا فكرة تقول إنّ العريس يمثّل الهيكل وبالتالي الله المقيم في الهيكل. والعروس تمثّل أرض فلسطين. فالعريس يقيم في قلب العروس كما الهيكل يقع في قلب فلسطين. فمضمون النشيد يشدّد على العلاقة بين النفس والربّ. النفس هي العروس والرب هو العريس.
إلى الأخوة الأحباء خاصة الذين لم يتسنى لهم التمحيص في هذا السفر المقدس, أقدم لكم باقة مقتطفة من النشيد راجياً لكم أن تتذوقون من خلالها بضعاً من رحيقه, علّها تتوقكم لدراسة النشيد.
قلت: "لَو رَمْلةٌ هَتَفَتْ بِمُبْدِعِهَا شَجْوَاً***لَــكُــنْــتُ لِمُــبدِعِــهَا عُـــودا "
أبدأ متكلاً على الرّب
مطلع النشيد
1 : 1 – 4
اجذبني وراءك ، أدخلني خدرك (1: 4)
هذا هو المدخل إلى فصول الحبّ الأربعة. هذه هي البوّابة الكبيرة التي تجعلنا نلج إلى نشيد الاناشيد، إلى أجمل نشيد، نشيد حبّ الله لشعبه، نشيد حبّ الله لكل واحد منا. منذ البداية، أعطي اللحنُ وأعلنت المواضيع وتوضّحت الطريق التي ستصل بنا إلى انتصار الحبّ.
***
القصيدة الأولى
1 : 5 – 2 : 7
الشتاء عبر وولّى، والمطر فات وزال (2: 11)
عنوان القصيدة الأولى: فصل الشتاء وزمن المنفى. وهي تبدأ بتشكّي العروس التي هي بعيدة عن عريسها. كما تدلّ على انشدادها إلى ذلك الذي تحبّه. هي سوداء بسبب أعمال العبوديّة في الحقل، هي فرس في مركبات فرعون، ولكنها ما زالت جميلة في عين حبيبها. كم تتوق إليه، إلى لقياه، ولكنها تعرف وضعها: نرجسة وضيعة. فهل يحقّ لها أن تأتي إليه؟
***
القصيدة الثانية
2: 8 – 3 : 5
الزهور ظهرت في الأرض
وآن أوان الغناء (2: 12)
عنوان القصيدة الثانية: فصل الربيع وزمن الخطوبة. كانت القصيدة الأولى قد انتهت في بداية اتحاد بين العروسين. ولكننا نجد أننا نعود من جديد إلى الرغبة والانتظار والبحث عن الآخر حتى الاتحاد. ذاك هو واقعنا. نحن ما زلنا ننتظر الله، نرغب فيه، نطلبه ونبحث عنه. ولكن هل هو الذي يغيب أم نحن نغيب؟ هل هو الذي يحتاج أن يرجع أم نحن؟ وتسمع الحبيبة صوت الحبيب وتريد أن تكون له وهولها، فتطلبه حتى في الليالي ولن يهدأ روعها إلاّ ساعة تجده. تلك هي طريق النفوس المتعطّشة إلى الله.
***
القصيدة الثالثة
3 : 6 – 5 : 1
أغراسك فردوس رمّان
وكل ثمر شهيّ ( 4 : 13 )
بعد الربيع الصيف، وبعد الخطوبة الزواج. ها قد بدأت أعراس الحبيب والحبيبة. تبصر حبيبها في البعيد. هو ملك في قلبها الذي هو عرش له. وهو أيضاً أخذ بجمالها. أجل، جمالا النفس يجتذب الرب مع أن هذا الجمال هو انعكاس لجماله. ويدعو الحبيب الحبيبة ليدخلا معًا إلى أورشليم حيث يقيم الله وسط شعبه. أرض فلسطين لا تجد كمالها إلا بمدينة أورشليم. وأورشليم تصل إلى ذروة سعادتها بالهيكل الذي يدلّ على حضور الله فيها.
***
القصيدة الرابعة
5: 2 – 6 : 3
رأسي امتلأ بالطلّ وجدائلي بندى الليل (5: 2)
كادت الأمور تسير مسارها الطبيعيّ، وينتهي كل شيء. هذا لو كان نشيد الأناشيد خبر حبّ عاديّ. ولكننا أمام حبّ يفوق الطبيعة والحياة اليوميّة. هو حبّ الله لشعبه، وحبّ كل واحد منا لربّه. نصل إلى الربيع بزهوره، والصيف وشمسه التي تهيّئنا للخريف وثماره. ولكننا لا نستطيع أن نصل بسهولة إلى هذا الاتحاد التام الذي تتعرّف إليه النفس. فدونه العواصف التي تهدّد هذا الحبّ. وأوّل عاصفة تخرج من ذاتنا. من تكاسلنا وتقاعسنا. يا ليت العروس فتحت للعريس ساعة دقّ عليها. ولكنا تأخّرت... فمضى العريس وعبر.
***
القصيدة الخامسة
6 : 4 – 8 : 4
لدى أبوابنا أنفس الثمار وقد
احتفظت بها لك ، يا حبيبي (7: 14)
مضى الربيع بزهوره، والصيف بحرّه واطلالته على فصل الثمار. وها هو الخريف بعناقيد النخل والكروم، ها هو بالتفاح وعبيره، والرمان ولونه الأحمر. كل شيء صار حاضرًا من أجل الاتحاد التام بين الحبيب والحبيبة، بين الله وشعبه الذي تحرّر من قيود العبوديّة، بين الرب كل واحد منا، بعد أن ترك رقاد النوم واستيقظ الى نور النهار... أجل لم يعد من عائق، ولهذا نرى الحبيب يذهب إلى حبيبته، بل يركض، بل يستقلّ عربته ليصل بأقل سرعة ممكنة. فاشتياقه كبير مثل اشتياقها. هي تسقيه أطيب الخمر فتسكره، وهو يعلّمها الامثولة الوحيدة: الحبّ في الأمانة حتى النهاية.
***
النهاية
8 : 5 – 7
إجعلني خاتماً على قلبك،
خاتماً على ذراعك (8: 6)
انتهت السنة بفصولها الأربعة، وبدأ الفصل الخامس، أو هو بداية جديدة، بمعنى أن الجديد هو جديد الله الذي زرع وجوده في عالمنا، في قلوبنا. انتهت مسيرة الله إلينا، وبدأت مسيرتنا إليه بما فيها من صعود ونزول. ولكن لهيب الرب (يهوه) أشعلنا فلا نستطيع بعد أن نعود إلى الوراء. فكيف يستطيع من استنار وذاق الموهبة السماويّة أن يسقط؟ مثل هذا الحقل تهدّده اللعنة وتكون عاقبته الحريق. ولكن يبقى أن الحب قويّ كالموت أو هو أقوى من الموت لأنه يربطنا بمن أخبرنا باسمه: الله محبّة. فمن ثبت في المحبّة ثبت في الله وثبت الله فيه.
***
الأشعار الأخيرة
8: 8 – 14
يا ساكنة الجنّات،
الأصحاب يصغون إليك،
فأسمعينا صوتك (8: 13)
جاءت هذه الأشعار الاخيرة في إطار ثلاثة أقوال. الأول: أخت لنا صغيرة سوف تخطب. هذا هو وضع أورشليم التي سيعي إليها الربّ فيخطبها. الثاني: كرم سليمان كما هو قريب من الجنّة التي نزل إليها الحبيب. وهكذا يعود نش إلى إطار تاريخيّ مع سليمان ورجاله الأشدّاء. ومن خلال سليمان يتطلعّ الشاعر إلى السلام الحقيقيّ بعدما فعلت الحرب ما فعلت. وفي القول الثالث نعود إلى المناخ الحقيقيّ في نش حيث العروس جنّة من الثمار والأطياب. يدعوها الجالسة في الجنات، يدعوها لترفع صوتها. وتدعوه هي إلى الهرب. هو رفيقها في الجنّة، بل هي الجنّة. وهو سيهرب، لا وحده بل معها ليوحّد الحبّ بينما.
***
الخاتمة
يجد المؤمن تفاسير عديدة، وكل تفسير يشدّد على ناحية في قراءته لنشيد الأناشيد.
هناك التفسير "الطبيعة البشرية" الذي يعتبر نشيد الأناشيد مجموعة قصائد حبّ تشدّد على طبيعة الإنسان وغرائزه الجنسيّة التي تجعل الرجل يذهب إلى المرأة والمرأة إلى الرجل.
هناك التفسير "الدراماتيكي" الذي يقدّمه قصّة حبّ مع عقدة سوف تنحلّ في النهاية ساعة يتّحد الحبيب بالحبيبة.
وهناك التفاسير "الموازية" و "النبويّة" و "الروحية التصوّفية" تلك تتحدّث عن حبّ بين الله وشعبه، ومن ثمّ بين المسيح وكنيسته. في هذا المجال نتذكّر ما قاله الأنبياء عن عهد بين الله وشعبه كما بين العريس وعروسه.
أمّا نحن فنتبع الخط "الموازي" والخط "النبويّ" والخط "الروحي التصوّفي". تلك هي المراجع الأساسيّة التي تقدّم التفسير الحق لنشيد الأناشيد, الذي يربط الله بشعبه وبكل نفس من نفوس أحبّائه.
أذكروني بصلواتكم
أخيكم الخاطئ
سليمان
وكتبت في 9 أيلول 2007

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر



رد مع اقتباس
المفضلات