4- مقاصة الإيمان .
اسمحوا لي أن أستخدم هذا التعبير ( التجارى ) ، الذي يبدو غريبا عن سياق حديثنا ، ولكنني أجده هاما للغوص في مفهوم " الإيمان " ، فعندما يقدم الرسول بولس - في ( عب : 11 ) - أعظم تنظير لمفهوم الإيمان ، فهو لايقدمه كمضمون لصورة ، ثابتة ، محددة ولكنه يقدمه " كمعالجة نعموية " ، لصور حياتية ، مختلفة عاشها رجال الله ، المؤمنون - كل في زمانه الخاص وفي " صورته " الخاصة ، وبالرغم من ذلك ، قال عنهم أنهم : ( " في الايمان مات هؤلاء أجمعون ، وهم لم ينالوا المواعيد ، بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها ، … ولكن الآن يبتغون وطنا أفضل ، أي سماويا . " لذلك " لايستحي " بهم الله أن يدعى إلههم ، لأنه أعد لهم مدينة " . " ). ( عب 11 : 13 - 16 ).
. لذلك - وبصفة عامة - نجد الرسول بولس - حينما يتحدث عن المفهوم الشامل ، والعميق للإيمان ، الذي يتحقق به وجود الكنيسة ، بكل روافدها - فإنه يستخدم كلمات تشير إلى تلك المعالجة ، لصور إيمان عظماء الإيمان ، المختلفة ؛ فيستخدم فعلا مثل " يستحي " ، الذي ذكرناه في الاقتباس السابق . أيضا في مثل اخر ، يقول : " لأني لست " أستحي" بانجيل المسيح ، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن : لليهودي أولا ثم لليوناني . لأن فيه معلن بر الله بإيمان ، لإيمان ، كما هو مكتوب : " أما البار فبالإيمان يحيا " .( رو 1 : 16 و 17 ) . وأيضا كما في : ( " لأنه لاق بذاك الذي من أجله " الكل " وبه " الكل "، وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد ، أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلآم . لأن المقدس والمقدسين "جميعهم " من واحد ، فلهذا السبب " لايستحي " أن يدعوهم إخوة ، قائلا : " أخبر باسمك إخوتي ، وفي وسط " الكنيسة " أسبحك "." ) . ( عب 2 : 10 - 12 ) . الاستحياء ( الخجل ) هو الشعور بعدم لياقة أمر ما . وعدم الاستحياء - الذي نحن بصدده - يعني أنه ليس من غير اللائق بالله أن يؤمن به البشر، منطلقين من صور شتى ، متعدده ولكنه يليق بالله أن يؤمن به الكل ، في الكنيسة . وحقيقة الأمر هي أن الاستحياء والخجل هو منظورنا ، نحن ، الذين نعتقد أنه لايليق أن يوجد في كنيسة الله أي روافد غيرنا .
وأيضا ، هناك فعل آخر يستخدمه الرسول بولس ، يفيد مضمون إعادة التقييم والحساب ، الذي يكشف بعدا جديد للصورة ، لم يكن واضحا قبلا ، وهو فعل " الحسبة " ، فعل التقييم كما لو كنا نصنع " مقاصة " :
- ( " فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس . ولكن إن كنت متعديا الناموس ، فقد صار ختانك غرلة ! إذا إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس ، أفما " تحسب " غرلته ختانا ؟ وتكون الغرلة التي من الطبيعة ، وهي تكمل الناموس ، تدينك أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس ؟ لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديا ، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانا ، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي ، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان ، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله " ) . ( رو 2 : 25 - 29 ) .
- ابراهيم ، أبو الآباء : ( " آمن بالله " فحسب " له برا " ) . ( غل 3 : 6 ) . - " ولكن لم يكتب من أجله وحده أنه "حسب " له ، بل من أجلنا نحن أيضا ، الذين "سيحسب " لنا ، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات . الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا ". ( رو 4 : 23 - 25 ) . - " بالإيمان قدم ابراهيم اسحاق وهو مجرب . …إذ "حسب " أن الله قادر على " الإقامة من الأموات " .( عب 11 : 17 - 19 ) .
- بالإيمان سارة نفسها أيضا أخذت قدرة على إنشاء نسل ، وبعد وقت السن ولدت ، إذ " حسبت " الذي وعد صادقا " . ( عب 11 : 11 ) .
- ( " بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون ، مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله .. " حاسبا عار المسيح " غنى أعظم من خزائن مصر ، لأنه كان ينظر إلى المجازاة . " ). ( عب 11 : 24 - 26 ) .
. كل شخص من عظماء الايمان ، المذكورين في " عب11 " قد عاش خبرة خاصة به ، عاش صورة معينة ، ولكن الجميع قد اتفقوا فى شيء واحد ، هو أنهم كانوا ينظرون إلى مابعد الصورة ؛ فإن اختلف الجميع في تفاصيل و أحداث صور الإيمان ، فقد اتحد الجميع في تأويل فحوى وجوهر كل الصور ، أي شخص المسيح .
. الايمان ليس صورة محددة ولكنه " تجاوز وتخطي كل الصور" . تشييء الإيمان في صورة محددة هو تفريغ للإيمان من مضمونه . الصورة هي الخبرة البشرية - الأولى - بالله ، والتي - من المفترض -أن تخضع لتجاوز النعمة ، في طريق الشركة ، في المسيح .
وبالنسبة لنا ، نحن المسيحيين فإن فهمنا لكلمات الانجيل ، واستيعابها ذهنيا ، هو مجرد صورة ، والنقطة الحاكمة هي جوهر تلك الكلمات ( شخص المسيح ) ، وليس مجرد الصورة الذهنية التي ترسمت في أذهاننا عن المسيح .
ومن المنظور العام والشامل فإن الصورة الاستاتيكية ( الثابتة ، الساكنة ) ليست هي طبيعة الإيمان بل إن ديناميكية تجاوز هذه الصورة - أيا كانت ( عقيدة أو ثقافة ) - في اتجاه المسيح هي جوهر حركة الإيمان ، وهذا يقودنا إلى القول بأن كل الصور هي " متكافئة " وليس هناك أي أفضلية - لصورة على أخرى - بالنسبة إلى الجوهر النهائي ، المحقق من خلال تجاوز كل الصور ( شخص المسيح الممتلئ بالكنيسة ).
أينما تتجه عيناك - في الكون - فالمفترض أنهما تتجهان صوب المسيح ، الكلمة الحال في الكل . القضية الأساسية هي قدرتك على البصر ، تلك القدرة التي تنطلق من حالة العمى ! ؛ فالكل عميان ، يبدأون رحلة الايمان ، فتنفتح أعينهم في المسيح ، ليدركوا - حينئذ - مدى فشل وانهيار " الصورة " الأولى ، أيا كانت . والأمر أشبه بأن تضع عدة صور أمام عدد مماثل من العميان ، واتركهم يتخيلون - كل بطريقته - ماعسى أن تكون تلك الصور ، وتخيل حكمهم على تلك الصور - في حالة افتراضنا بأنهم جميعا قد أبصروا . الإجابة الوحيدة الصحيحة هي أن الكل ، وان كان قد اختلفت الصور الموضوعة أمامهم ، إلا أنهم جميعا قد اتفقوا على حكم واحد بخصوص جميع الصور الذهنية التى كونوها ، وهذا الحكم هو أن كل هذه الصور ، في حد ذاتها ، ليست الحقيقة .
كل الصور هى متكافئة - إيجابيا - من منظور قابليتها لاختراق النعمة ، وتجاوزها ، الذي يصب في المسيح . وكل الصورهى متكافئة - سلبيا - من منظور تركها والتخلي عنها ، في المسيح .
صورة إيماننا - نحن المسيحيين - هي صورة متكافئة مع كل الصور ، الاستاتيكية الأخرى - من حيث كونها لاتمتلك القوة الذاتية للوصول إلى الأصل - مالم يتم إخضاعها وتجاوزها بالنعمة ؛ فنحن نقبل الإنجيل ، كلمة الله المكتوبة ، بعقولنا الطبيعية ، ولكن اشتراكنا في " الكلمة الشخص" لم يتكمل ، بعد . ونحن ندخل الكنيسة ( المبنى ) ، ولكن دخولنا إلى " الكنيسة ، جسد المسيح "، لم يتكمل ، بعد . نحن نؤدي الطقوس الأرثوذكسية ، ولكننا لم نتحرر إلى طقس السماء ، بعد . نحن نعيش المنظور ولكننا لم نعش غير المنظور ، بعد .
اختزال القضية - في مجرد التعاطي مع الصورة الاستاتيكية - هو الإقصاء الأبدي عن المسيح .
الفرق الأساسى بين تعاطي النعمة - مع صورتنا - وتعاطيها مع صورة " الآخر" ( غير المسيحي ) هي في " آلية التجاوز " ؛ فبينما يتم ذلك - بالنسبة لنا - بطريقة كمية ، تراكمية ، يتم - بالنسبة للآخر - بطريقة نوعية ، دراماتيكية . بالنسبة لنا ، يتطور مستوى وعينا تدريجيا ، فيتنامى إدراكنا لكياننا ، ككنيسة . وبالنسبة للآخر ، تنفتح عيناه بطريقة مفاجئة ، ليجد نفسه في المسيح ، بالمسيح . بالنسبة لنا ، يجب أن يوضع " الطين " - الذي صنعه يسوع - على أعيننا ، ثم يجب أن نجتاز الطريق إلى سلوام ، ثم يجب أن نغتسل ، وفى نهاية الطريق ( التراكمي ) ، نعود مبصرين ، وبالنسبة للآخر يكفي أن يقول له يسوع : " اذهب . إيمانك قد شفاك " فللوقت يبصر ويتبع يسوع في الطريق " . ( مر 10 : 52 ) .
. التنامي االتدريجي لوعينا ( نحن المسيحيين ) ، بالمسيح ، لايفرض على المسيح تطبيق نفس الأسلوب مع الآخر ؛ فهو قادر أن يعطي الآخر ، الحد الأقصى للوعي ، الذي لم نستطع ، نحن الوصول إليه ، إلا تدريجيا .
الخلاصة : آلية التجاوز والتخطي - لكل الصور - الحادثة بالنعمة - هي رمانة ميزان عدالة الله ، بخصوص الفرصة المتكافئة للكل ، وهي أساس " مقاصة الإيمان " ، التي تزن وتحسب ماتستحقه صور الوعي البشري المختارة لأن تشترك في المسيح .
5- السرالكنسي وعلاقته بالآخر ( غير المسيحي ) .
والآن لنا سؤال كاشف : هل يجوز لنا أن نعتقد بأن قدرة سر المسيح ، مغلولة بسقف وعينا وإدراكنا به ؟ .
هل يحدد مستوى الوعي - بسر المسيح - مدى استحقاق هذا السر في البشر ؟ أم أن سر المسيح ( الكلمة المتجسد في البشر ) هو الاختراق الأعظم في الخليقة ، الذي لايمكن أن يحتكره ، مجرد الوعي به والإدراك له من قبل شريحة معينة ، من البشر ، . وبالتالي فان تلك القدرة تتخطى - بطريقة مطلقة - أي مستوى من مستويات الوعي والإدراك البشري ؟.
نحن المسيحيون ، ونحن ننطلق إلى الشركة في سر المسيح ، إنما ننطلق من مستوى وعي نسبي ، يميزنا عن الآخر- الذي بلا وعي ولا إدراك ، لذلك السر- ولكن يظل هذا المستوى ، من الوعي - واقعيا - جهالة ، ويبقى مجرد منطلق وبداية لحركة السر ، وليس كمالا للسر .
نحن ننطلق من صورة ذاتنا ، من صورة أنانيتنا ونرجسيتنا ، نحو ذات بديلة ، هي شخص المسيح .
و طقس السر الكنسي هو صورة وعينا النسبي ، بذاتنا وبسر المسيح ، تلك الصورة التي نتجاوزها ، في ديناميكية " الرمز" التي تصب في المسيح .
. نحن نعي وندرك صورة خلقتنا وولادتنا من العدم - واصطباغنا بصبغة الوجود - حينما ننطلق من طقس المعمودية .
وغاية المعمودية هي أن نصطبغ بالمسيح ( قد لبستم المسيح . غل3 :27 ) . فهل مازلنا نعتقد بأن المعمودية هي فقط مجرد صورة التغطيس ( في الماء المقدس ).؟
. نحن نعي وندرك صورة هشاشة وجودنا وعدم ثباته ، حينما ننطلق من طقس المسحة (التثبيت ) .
وغاية المسحة هي أن يصير وجودنا - في المسيح - هيكلا أبديا للروح القدس . فهل مازلنا نعتقد بأن سرالمسحة هو مجرد ، صورة مسحة الزيت المقدس ؟.
. نحن نعي وندرك صورة تشرذمنا وتفرقنا ، حينما ننطلق من طقس كسر الخبز ( الإفخارستيا ) .
وغاية الإفخارستيا هي أن نصير شركاء في جسد المسيح . فهل مازلنا نعتقد بأن الإفخارستيا هي مجرد صورة الأكل للخبز المقدس ؟.
. إذن :
صورة السر (الطقس ) هى مجرد منطلق لحركة الرمز - الذي يكشفه ويملأه السر - نحو جوهر السر ، شخص المسيح ذاته . وأما نظرة التماهي بين الصورة والجوهر، والتغاضي عن حركة الرمز- التي هي بمثابة رحلة النعمة الفاصلة بينهما - فهي التي تدمر مفهوم السر ، وتعيده إلى الممارسات الفريسية العتيقة ، وربما تعيده إلى الوثنية !.
. نحن المسيحيون ، حينما نمارس السر الكنسي فنحن نعيش المسيح ، ولسنا نعيش صورة السر ( طقس السر ) . المسيح شخص حي وليس صورة طقسية . المسيح واحد يجمع الكل . وصور السر الكنسي متعددة ، ولكن كل منها ، على حدة يهدف إلى الشركة في المسيح الواحد .
والآن نستطيع أن نقول بأن طقس السر ليس هو النقطة الحاكمة ، وليس هو المعيار الذي يحتكم إليه في دينونة الآخر ، بل إن المعيار هو جوهر السر ، شخص المسيح ذاته ، ذلك الشخص الذي ، من المستحيل أن يكون الطريق إليه ، غيرمنطلق إلا من صورتنا ، نحن ، فقط .
صورة السر ( العلامة ) هي صورتنا نحن ، ننطلق منها لنتجاوزها إلى الشخص ، وأما الآخر ، غير المسيحي ، فالكلمة المتجسد ، له القدرة أن يأتي به محققا سره فيه :
. فيلبسه ذاته ، صابغا إياه بصبغة الحياة ، دون احتياج لصورة طقس المعمودية ، كما نختبره نحن .
. وجاعلا إياه هيكلا للروح القدس ، دون احتياج لصورة طقس مسحة الزيت ، كما نختبره نحن .
. مصيرا إياه شريكا في جسده ، دون احتياج لصورة طقس كسر الخبز ، كما نختبره نحن .
خلاصة .
. إذا كان سر المسيح هو مجرد طقس ( صورة ) فإنه يجوز لنا - بضمير مستريح - أن نكون قضاة وأن نحكم بالهلاك الأبدي على الآخر ( الذي بلا طقس ) ، ويجوز لنا أيضا أن نطرده من الشركة في المسيح . ولكن إذا كان سر المسيح هو شخص المسيح ، ذاته ، فإنه يجب علينا أن نعتقد بأنه يليق بذلك الشخص أن يكون قادرا على تكميل كيانه ، برافد يجتلبه من ذلك الآخر ، أيا كان طقسه ( صورته ) .
. باختصار شديد ، وصادم ، نستطيع أن نقول بأن القناعة بتماهي السر الكنسي مع علامته الظاهرة ، لدى نفر من المسيحيين ، يجعلهم معتقدين باحتكارهم لشخص المسيح .
6- مصطلح " الكرازة "
في سياق تنظير الرسول بولس - بالروح - لمصطلح " الكرازة "، نجده يقدم تعبيرا عجيبا ومدهشا هو "جهالة الكرازة " : " لأنه إذا كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة ، استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة ." ( 1كو1 : 21 ) .
. لغويا ، مفردة " الجهالة " ، الواردة هنا ، ( في الأصل اليوناني ) لاتعني عدم المعرفة ، بل تعني عدم فاعلية (عدم صلاحية ) المعرفة ، المتاحة ، ويستخدم الرسول بولس - في نفس السياق - مفردة مقابلة ، في المعنى هى مفردة " الحكمة " . والحكمة ليست هي المعرفة ، بل هي قوة وفاعلية وجوهرالمعرفة ، . ولعل أفضل مثل على هذه المقابلة ، الكاشفة هو هذه الآية : " فإن كلمة الصليب عند الهالكين "جهالة "، وأما عندنا نحن المخلصين فهي " قوة الله "، لأنه مكتوب : " سأبيد حكمة الحكماء ، وأرفض فهم الفهماء ". ( 1 كو 1 : 18 و 19 ) .
. الحكمة ، في النهاية ، هي شخص الكلمة .
. الجهالة هي البطلان ، هي التحييد ، هي الصورة الميتة ، لشيء موجود ، ولعل أعجب مثل نضربه ، من الكتاب - وقد ورد فيه الفعل الأصلي الذي اشتق منه ، اسم " الجهالة " - هو : " أنتم ملح الأرض ، ولكن إن " فسد " الملح فبماذا يملح ؟ لايصلح بعد لشئ ، الا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس . " ( مت 5 : 13 ) . هنا قد أتى مفهوم الفساد وعدم الصلاحية ، كترجمة لمفردة " الجهالة ".
. جهالة الكرازة تعني تحييد الكرازة - من منظور قوتها الذاتية - في تحقيق هدفها في العالم . الكرازة تقدم صورة المسيح للعالم ولكن جوهر الكرازة هو شخص المسيح الحي وليس صورة المسيح . القوة الفاعلة - في مسار حركة الكرازة - هي شخص يحقق وجود ذاته ، الممتلئة بالكنيسة.
فالفعل الكرازي يتم بقوة تتخطى مجرد الكرازة ، حتى لايكون لأحد فخر : " فانظروا دعوتكم أيها الإخوة ، أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ، ليس كثيرون أقوياء ، ليس كثيرون شرفاء ، بل اختار الله جهال العالم ليخزى الحكماء واختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء . واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود ، لكي لايفتخر كل ذي جسد أمامه . ومنه أنتم بالمسيح يسوع ، الذي صار لنا جكمة من الله وبرا وقداسة وفداء . حتى كما هو مكتوب : " من افتخر فليفتخر بالرب " .( 1كو : 26 - 31 ) .- " وأنا كنت عندكم في ضعف ، وخوف ، ورعدة كثيرة . وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الانسانية المقنع ، بل ببرهان الروح والقوة . لكي لايكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله ". ( 1كو 2 : 3- 5 ).
إن الانجيل - الذي تستهدف حركة الكرازة توصيله للمدعوين- ليس مجرد رسالة مكتوبة ، بل هو مجد المسيح ذاته الذي يحققه المسيح بذاته ، وأما الكلمة المكتوبة ، العارية من جوهرها الشخصي ( المسيح) ، فهي " الانجيل المكتوم " ، الذي لايحمل أي قوة ذاتية في مسار الفعل الكرازي : " ولكن إن كان إنجيلنا مكتوما . فإنما هو مكتوم في الهالكين ، الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين ، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح ، الذي هو صورة الله . فاننا لسنا نكرز بأنفسنا ، بل بالمسيح يسوع ربا ، ولكن بأنفسنا عبيدا لكم من أجل يسوع . لأن الله الذي قال : " أن يشرق نور من ظلمة " ، هو الذي أشرق في قلوبنا ، لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح . " ( 2كو 4 : 3 - 6 ).
. ولكن ربما يسأل سائل - ومعه كل الحق - قائلا : إذا كان تبليغ دعوة الإنجيل ليس هو النقطة الحاسمة بل إن النقطة الحاسمة هي عمل إلهي فوقي يتخطى ظاهر الكرازة ، وهو قادر بأن يأتي بآخرين لم تصلهم الرسالة ، فماجدوى تدبير التجسد والخلاص ، إذن ؟
والإجابة ببساطة هي أن الفعل الكرازي قد أخذ كل زخمه وكل ملئه وكل قوته وفعله ، من استحقاق قوة وفعل التجسد ؛ فالمسيح الكلمة المتجسد هو الكارز بذاته ، من أجل أن يمد ذاته في كنيسته ، وإن كان قد أتاح لرافد من روافد كنيسته - الذي هو نحن - بأن يتمتع بقدر من الوعي النسبي بفحوى دعوة الإنجيل ، فهذا لا يلغي قدرته على امتداد جسده في " خراف أخر ليست من هذه الحظيرة " ( يو10 : 16 )
خلاصة عامة
من أجل الوصول إلى إجابة صحيحة على سؤال " هل يخلص غير المسيحي ؟ " علينا أن نجيب على عدة أسئلة جزئية ، تشكل الإجابة عليها محاور إجابة السؤال المطروح :
1- إذا كان الانتماء إلى المسيح هو الشركة والعضوية فيه ، الأمر الحادث للكنيسة بالنعمة ، كرد فعل واستحقاق لانتماء الكلمة إلى البشر بالتجسد ، فهل نستطيع أن ندعي ، وننادي باحتكارنا ، وحدنا ، نحن أبناء دعوة الإنجيل - بسبب وعينا النسبي بأنفسنا ، ككنيسة - لرد الفعل الوحيد الممكن للبشر من نحو تجسد الكلمة ، في البشر ؟
2- إذا كان القديسون سيدينون العالم بإظهارهم وفضحهم للأشرار الخارجين عن الشركة معهم في المسيح ، فهل يستطيع المسيحيون ، الآن ، في هذا العالم - وهم لم يغادروا ، بعد ، إلى الجسد الواحد الذي يجمعهم والذي يعرف كل عضو فيه باقي الأعضاء - أن يدينوا ويحكموا على أي أحد - مهما كانت ديانته أو ثقافته - بالإقصاء عن المسيح ؟
3- إذا كان الله قد افتقد الأمم الخارجين عن حظيرة شعب الله المختار ، كنيسة العهد القديم ، بطريقة غير مدركة وغير متوقعة وغير مرغوب فيها أو مقبولة ، من قبل الشعب القديم ، فهل يعجز الله عن افتقاد " أمم العصر المسيحي " ( إن جاز التعبير ) ، الذين لم تصلهم كرازة الإنجيل ، بطريقة وبتدبير لانستطيع إدراكه أو الوعي به بل نرفضه تماما ،كشعب مختار ؟
4- إذا كان الله قد جعل نصيبا ، في ابنه المتجسد ، للقدماء الراقدين وكانت صور إيمانهم المختلفة ولوجا نعمويا نحو المسيح الآتي ، وإذا كان الله بتجسد ابنه قد فتح الطريق للمدعوين مسيحيين أن ينطلقوا من صورة إيمانهم الآنية نحو الولوج إلى المسيح حيث مالم تره عين ، حيث ماهو ليس صورة ، أفليس هو قادر على أن يجعل نصيبا - في ابنه - لنفر معين ومختار من ضمن أولئك الجهلاء المتغربين في ثقافات وأديان مختلفة ، دون ذنب لهم ؟
5- إذا كان السر الكنسي هو تحقق وجود الكنيسة بتموقعها في المسيح ، انطلاقا من صورة وجودها الآني - انطلاقا من مؤسسيتها ، انطلاقا من طقسها وطقوسيتها ، انطلاقا من ليتورجيتها ، انطلاقا من علامتها الظاهرة ، انطلاقا من صورة وعيها النسبي بشخص المسيح - فهل يعجز المسيح عن اجتذاب أقوام آخرين من صور وعي مختلفة ، نحو التموقع في شخصه والعضوية فيه ؟
6- إذا كان الفعل الكرازي وتوصيل الإنجيل إلى المدعوين هو فعل وقوة شخص المسيح ، ذاته ، الذي يمتد في العالم محققا وجود الكنيسة ومستوعبا إياها في ذاته ،وليست القوة الذاتية للكرازة أو للرسل ، فهل يعجز ذاك عن الوصول إلى الآخر المغاير لنا ، الذي " بلا كارز " ، واجتذابه إلى ذاته وإلحاقه بنا نحن الذين وصلت إلينا دعوة الكرازة الرسولية ؟
المرجع
. " هل يخلص غير المسيحي ؟ : نص وتعليقات " - المطران جورج خضر وتعليق مجدي داود - pdf ، منشور بباب اللاهوتيات ، موقع : coptology ، بتاريخ 25- 9 - 2009 .
. تنويه
ترجع بداية القصة بمقال للمطران جورج خضر تم نشره على مدونة " مساحة حرة " الملحقة بالموقع السابق ذكره ، بتاريخ : 6-11-2008 . وهي منقولة عن جريدة النهار ( 22-6- 2002) ، وقد قامت شبكتكم بنقلها عن موقع الكوبتولوجي .
تحمست للطرح الذي يثيره سؤال نيافة المطران المبجل ، وقمت منذ ذلك الحين بنشر سلسلة من التعليقات الممنهجة على المقالة ، تحت اسم " m-david ".
وقد لاقت التعليقات نعمة في أعين مديري الموقع وعلى رأسهم الدكتور جورج حبيب ، وسمحوا بطباعة جميع المقالات ، مصحوبة بتعليق محترم للدكتور جورج حبيب ، وهذا هو المرجع المذكور عاليه .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات