هل يخلص “غير المسيحي”؟
المطران جورج خضر – جريدة النهار 22/يونيو – حزيران /2002
يقضي تواضع المعرفة ألاَّ يُنصِّب أحدٌ نفسه دياناً، فالله وحده يدين القلوب. غير أن الكثيرين يحسبون أنهم وكلاء على هذا السر العظيم، بدل أن يهتموا بخلاص أنفسهم هم. شرائح كثيرة تدَّعي أنها تعرف الفرقة الناجية والفرقة الهالكة. وهذا أخذ حيزاً من الفكر في غير ديانة. ولعل الضلالة الكبرى في الأوساط المسيحية مصدرها هذا القديس العظيم أوغسطينوس الذي قال: “خارج الكنيسة ليس مِن خلاص”. ولكن ما يشفع له أنه وضع هذه المقولة ضد هراطقةٍ ظهروا في إفريقيا في عصره، وكان حلمه أن يردهم إلى الإيمان القويم. والأصح من كلمته السلبية هذه أن نأتي بالتأكيد الإيجابي: “الخلاص هو في الكنيسة”، بمعنى أنه عطاء المسيح.
ما يشوِّش هذا البحث أن معظم المسيحيين الذين يطرحون هذا السؤال، يطرحونه على هذه الصورة: هل يصعد غير المسيحي إلى السماء؟ والسؤال الذي يرد عليهم هو ما السماء؟ في التصور الشعبي إن السماء هي فوق الفضاء، وتظهر بعد فناء العالم. ولكن ليس في كتبنا ما يؤكد أن هذا العالم يفنى، وأننا تالياً سنسكن حيزاً فوق الفضاء، إذ ليس بعده إلاَّ الفضاء. ليس الله واقعاً في المدى، وإذا صرت أنت معه فلا يحدك مدى. والله ليس فوق، ولا تحت، أي ليس في مكان. والقضية كلها نوعية وجود، وأن يكون وجهك القائم من بين الأموات أمام وجه الله الذي ليس له وجه مادي.
إلى هذا فالإسلام لا يستعمل كلمة سماء للتحدث عن حالة البشر بعد بعثهم، ولكنه يستخدم كلمة جنة، ومفهومها آخر، وهي حسية إلاَّ عند نفر قليل من المفسرين ولا سيما المتصوفة. وعلى المقلب الآخر، الهنود والصينيون لا يؤمنون بالسماء، واليهود ما آمنوا بها إلاَّ من بعد التلمود أي بعد المسيح بقرون. مبحث السماء إذن بات مبحثاً مسيحياً صرفاً. فالسؤال يصير إذاً: هل في سماء المسيحيين غير المسيحيين؟ جوابي الفوري إن إنجيل الدينونة لا يتكلم على المسيحيين، إذ يقول السيد: “كنت جائعاً فأطعمتموني … رثوا الملك المعد لكم قبل إنشاء العالم”. ولا يدور إطلاقاً فيه حديث عن المؤمنين أو غير المؤمنين. ولكنه يدور حول العمل الصالح.
غير أن ثمة في العهد الجديد حديثاً آخر عن الدينونة. والقول الفصل هنا هو هذا: “مَن أخطأ بدون الناموس (أي شريعة موسى) فبدون الناموس يهلك. وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان”. الأمم (أي الوثنيون) الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموسٌ لأنفسهم الذين يظهرون عمل الناموس مكتوباً في قلوبهم (رومية 2: 13 - 15). ومن المنطق أن ينقل هذا إلى الذين جاؤوا بعد المسيح، فيقال إن الذين تبعوه يدانون بإنجيله ومن لم يتبعوه يدانون حسب ضمائرهم.
يبقى طبعاً الكلام الشديد الوارد في مرقس: “مَن آمن واعتمد خلُص، ومن لم يؤمن يُدَن” (مر 16: 16). غير أن هذا الكلام على إطلاقه يجب أن يُفهم في إطار الجدل الذي قام بين السيد ويهود عصره الذين كان يُفترض فيهم أن يؤمنوا بالسيد انطلاقاً من كتبهم، وأبوا التسليم للحق الظاهر في يسوع الناصري. إلى ذلك يؤكد الكتاب أن “الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله” (رو 11: 17)، أو “كيف يؤمنون إن لم يُبَشَّروا”. فما من إيمان لم تسبقه بشارة. وما من مسئولية نكرانٍ لمسيحٍ بلا إخبارٍ عنه. والواقع في الماضي أن الكثيرين لم يبلغهم الإنجيل، وأن أربعة مليارات من الناس اليوم لم يسمع معظمهم بالمسيح. وغير صحيح أن هذه المليارات اقتنعت به ورفضته عمداً. ثم ما قوة المبشر وقدرته على الإقناع؟ وإذا كان اليقين من نعمة ربك ولم تنـزل – وهذا في سر الله وحده – فكيف تدان هذه الجحافل من البشر؟
إلى هذا مَن يقنعني أن ألوفاً مؤلفة من المدعوين مسيحيين هم أطهر من السيدة رابعة العدوية والحلاج أو المهاتما غاندي الذين دانوا بما دانوا به، وأن هؤلاء الأبرار الذين كانوا من خارج الكنيسة المنظورة معذَّبون في النار بما لم يخطئوا به؟ فالسؤال الأعمق هو مَن هو الإنسان العضو في الكنيسة؟ هل الكنيسة هي مجموعة المعمَّدين حصراً أم هي جسد المسيح، بمعنى امتداد جسد المسيح إلى حيث يريد أن يمتد؟ لقد قال القديس البيزنطي نيقولاوس كاباسيلاس: “مَن لم تعمده الكنيسة (بالماء) يعمده عريس الكنيسة (بلا ماء)”. التنظيم الكنسي يربط المسيحيين، ولكنه لا يقيد المسيح نفسه الذي يعمل بلا وسيلة محسوسةٍ.
إن اللغط الدائر حول موضوع الخلاص اعتقاد العامة أنه نيل السماء، والحقيقة أن الخلاص يكتسبه المرء نهائياً في الملكوت، ولكنه يبدأ هنا بمعرفة المسيح المخلِّص. إنه رؤية وحب ومراس. فإذا قلنا إن الخلاص بالمسيح لا نفكر أولاً بالذهاب إلى السماء، ولكن نفكر بالحياة في المسيح هنا. كل تأكيدات الكتاب أن يسوع يخلِّص البشر من خطاياهم، وأن هذا يتم بمعرفتهم الإنجيل. “لا أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي” (يو 14: 6). كذلك: “إن الله لم يجعلنا للغضب بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح” (1 تسالونيكي 5: 9).
المسيحيون يعتقدون بوضوح أن الكمال الروحي يقتنى بالمسيح، وأن ما أعلنه الله به هو إعلان نهائي عن الله، أي أنهم لا يرون المسيحية كشفاً مرحلياً عن الألوهة أو كشفاً قابلاً للنسخ أو الزيادة أو النقصان أو التنقيح. وفي هذا المنطق يذهبون إلى أن الكلمة الإلهية قائمة بين سفر التكوين وسفر الرؤيا بحيث أنهم يقيسون حقيقة كل كلام آخر على الكتاب الذي بين أيديهم. وهذا ورد عندهم صراحةً في مطلع الرسالة إلى العبرانيين: “الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواعٍ وطرقٍ كثيرةٍ كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عب 1: 1).
لذلك لا يرون أنفسهم مضطرين إلى أن يصدروا حكماً في ما يقال خارجاً عنهم. هذه هي المسيحية كما يراها أصحابها. غير أن هذا لا يحول دون تعظيمهم لكل حق وخير وجلال يقرأونه في الفكر الديني أو الفلسفي. وأما أن يقال إن الرسالة المسيحية نسبية وأن الأديان متساوية في العمق وفي الجوهر، فما من شك في أن هذا يناقض التراث المسيحي المعروف.
يبقى السؤال: هل يصعد أحد إلى السماء، هل يخلص نهائياً دون أن يمر بالمسيح؟ الجواب الأكيد في المنظور المسيحي أنه لا بد أن تمر به بطريقة ما. لقد قال المسيح: “أنا الطريق والحق والحياة”. هذا يوجب البشارة، فإنها أمر إلهي في العهد الجديد. ولكنا رأينا أن المسيح له أن ينقذ من يشاء بمعمودية وبغير معمودية. بتعبير آخر عمل المسيح يتم بالكنيسة لمن رآها وانضم إليها، وقد يتم بانعطاف المسيح على من يشاء. وفي هذا ليس يسوع في حاجة إلى الكنيسة – المؤسسة لينقذ من يشاء. أي أن هناك إمكاناً عنده أن يبث روحه ورؤيته ومحبته على الكائنات البشرية أكانت منتظمة في دين أم غير منتظمة.
في هذه القراءة قد تكون أنت للمسيح بعلمٍ منه، لا بعلمٍ منك وتكون، إذ ذاك، قد أتيت به إلى الآب. وهذا لا يعرفه إلاَّ الآب. ولكن لا تخلُص نفسك في اليوم الأخير ما لم ترَ الرؤية التي يكون المسيح قد سكبها في نفسك. وبتعبير أبسط تكون مسيحياً في السماء وغير مسيحي في الأرض.
هذا يلتقي ورأي القديس غريعوريوس النيصي إن الشر لا يمكن أن يثبُت أمام الله إلى الأبد، وإن الله سيزيل الجحيم. وهذا يلتقي والفكر الصريح عند القديس اسحق السرياني الذي صلَّى لخلاص الشيطان. إن الكنيسة لم تكفِّر هذين القديسين ولم ترفض رأيهما. هذا ليس عند المسيحيين عقيدةً، ولكنه موضوع رجاء. المسيحية لا تناقش الأديان الأخرى. تبحث في الأشخاص وتتمنى خلاصهم بالطريقة التي يعرفها الله وحده.
منقول عن مُدونة "مساحة حرة" د. جورج بباوى
http://www.coptology.com/blog/?p=49#more-49
إعتصر قلبى ألماً حينما قرأت هذه المقالة. كنت متأكداً ان هذا الشعور الذى يصرخ بداخلى "يستحيل ان يُبيد الله كل هؤلاء البشر"، لابد ان يكون صحيحاً! العقل يقول انه صحيح, الكتاب يقول انه صحيح. و لكن قلبى إعتصر، لأن أحدهم علمنا قديماً (ومازال) ان كل من هو غير مسيحى فى جهنم و بئس المصير...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
عظمي يانفسي الإله الذي ولد بالجسد من البتول
المفضلات