هل يخلص غير المسيحي ؟
( محاور أساسية للإجابة )
للإجابة على السؤال لابد لنا من أن نخضع عقولنا لعملية عصف ذهني حر ، في عدة محاور هي مفاهيم أساسية تتضافر معا مكونة بنية الإجابة :
1- الانتماء إلى المسيح .
2- الحكم على الآخر .
3- مصطلح " الأمم " .
4- مقاصة الإيمان .
5- السر الكنسي وعلاقته بالآخر ، غير المسيحي .
6- مصطلح " الكرازة "
1- الانتماء إلى المسيح .
أولا : مقدمة هامة :
1- مفهوم الانتماء ، إلى المسيح :
للانتماء - إلى المسيح - مفهوم ومضمون مختلف ، لايعرفه البشر ، مقارنة بذلك المفهوم الذي لديهم . فالانتماء إلى المسيح ليس انتماءا " من الخارج " ، بمعنى أنه ليس كأي انتماء إلى فكرة معينة - يتم الاقتناع بها - أو إلى شخص تاريخي ، تلتصق به الأذهان والأفئدة ( من الخارج ) ، ولكنه انتماء إلى الداخل ، أي انتماء إلى داخل الشخص ذاته . والحقيفة أن العالم لم يعرف مثل هذا النوع من الانتماء ؛ فلم يعرف العالم فكرة معينة قد تم التماهي ، والتوحد، معها إلى درجة الولوج فيها ، كجزء منها . ولم يعرف العالم شخصا تاريخيا انتمى إليه نفر لدرجة أنهم صاروا مستوعبين داخله ،كأجزاء منه ، ولكن المسيح هو هكذا . المسيح ليس مجرد شخص تاريخي - تنتمى إليه الكنيسة فكريا أوعقائديا ، بل إنه شخص يحتوي الكنيسة ؛ فهي جسده الخاص ، وبدون هذا الانتماء يبقى المسيح مجرد رأس لكيان فارغ !!!. وهكذا يتكمل ويمتلئ المسيح بانتماء الكنيسة إليه ، ويذكرنا ذلك ، بالالحاح - والتأكيد المستمر والمستميت للرسول بولس - على تعبير ( في المسيح ) كتعبير عن كيان الكنيسة ، التي بدورها ، ليس لها وجود ، خارجا عن هذا الاسم .
2- آلية الانتماء ، إلى المسيح.
فعل الانتماء المسيحي وديناميكيته ليس فعلا بشريا ؛ فالحق الالهي يعلمنا أن الكلمة صار جسدا ، أى أن الكلمة هو الذى انتمى إلى البشر ، حتى أنه صار " ابن الانسان " . فاتجاه حركة الانتماء هو اتجاه نازل وليس اتجاها صاعدا . هو الذى انتمى إلينا أولا فصرنا منتمين إليه ، فيه . انتماء الكلمة إلى الإنسان هو " الفعل " بينما انتماء الإنسان إلى الكلمة هو " رد الفعل ". وبالتأكيد ، إن للمفهوم طبيعة مزدوجة ؛ فالكلمة حينما صار جسدا ، تأله البشر فيه ، صائرين شركاء في الحياة الأبدية -التي له - وهذا هو مفهوم " النعمة " ، ولكن تبقى الحقيقة المؤكدة ، أن حدث الانتماء - بفعله ومساره - هواتجاه نازل ، هو اتجاه تجسد الكلمة ؛ فشخص" الابن " هو المعطى (بضم الميم ) إلى العالم - هذا هو الانتماء ( كفعل ) - وفيه قد صعد البشر إلى الآب ، منتمين إليه ، وهذا هو الانتماء ( كرد فعل ) .
إذن ، حدث الانتماء هو الاختراق الذي صنعه الكلمة بتجسده ، مهيئا لنفسه جسدا من البشر ، جاعلا إياه رأسا لكيان وجودهم الجديد ، ومن هذه الرأس ( الرب يسوع المسيح ) ينطلق مسار حركة الانتماء - بقدرته الذاتية وإرادته التي تخترق الكل - لجذب كل الأعضاء ، حتى مايكتمل كيان المسيح ، الممتلئ بكنيسته .
2- الحكم على الآخر .
أولا : مقدمة هامة .
1- مفهوم الدينونة :
الدينونة ، أو الحكم بالإدانة هي حالة " الكشف " و " التعرية " لخرق قانوني ، يؤدي للوقوع تحت طائلة القانون .
ما نحن بصدده هو قانون الحياة والوجود ، المستعلن في ناموس ( قانون ) المسيح ، كقول الرسول بولس : " تمموا ناموس المسيح ". ( غل 6 : 2 ) .
والحياة الأبدية - المعطاة للبشر في شخص الكلمة المتجسد - هي فحوى ومضمون " القانون "، وعدم الايمان بالمسيح ، ورفضه سوف يفتضح ، باستمرار حالة الموت ، وعدم الخلاص منها : " الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية ، والذي لايؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله " . ( يو 3 : 36 ) .اذن ، الدينونة هي حالة سلبية ، تعني تحصيلا حاصلا لعدم قبول الدخول إلى مظلة " قانون " الحياة ، أي "شخص المسيح " . وبالتالي فإن التمايز الصارخ - بين الحياة والموت ، بين هؤلاء الذين في المسيح ، وأولئك الذين خارجه - هو في حد ذاته ، حدث النطق بحكم الدينونة على الذين ليسوا في المسيح : " لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم ، بل ليخلص به العالم . الذي يؤمن به لايدان ، والذي لايؤمن قد دين (بالفعل ) ، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وهذه هي الدينونة : أن النور قد جاء إلى العالم ، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة . لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ، ولا يأتي إلى النور لئلا توبخ أعماله . وأما من يفعل الحق فيقبل إلى النور ، لكي تظهر أعماله بالله معمولة " . ( يو 3 : 17 - 21 ).
2- القانون الذي يحتكم إليه ، بالدينونة :
المرجعية القانونية ، التي نحن بصددها ، ليست هي الناموس ( القانون ) - بمفهومه العتيق - بل هي شخص المسيح ، الذي هو ، غاية الناموس . الخروج عن القانون - هنا - هو الخروج عن " شخص المسيح " . وليس لدينا أوضح من القاعدة الكتابية ، التي يسجلها الرسول بولس : " لاشيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع " .( رو 8 : 1 ) .
3- أهلية الحكم ، بالدينونة :
لكي يكون القاضي ، قاضيا حقيقيا ، لابد أن يكون مدركا لحدود وأطر القانون ، أي لابد له أن يكون مدركا لشروحات وفحوى تفاصيل القانون . هذا الإدراك يؤهله للحكم ، بالخروج عن القانون - اذا كان هناك خروج عن القانون في القضية المعروضة عليه - وبالتالي يستطيع ، وهو مرتاح الضمير ، أن يحكم بالإدانة . وأما عن القضية - التي نحن بصددها - فالقانون ليس مجرد " نص " ، يحتكم إليه ، بل هو شخص يتجاوز الزمان والمكان ( شخص المسيح ) .
حقا ، إننا- نحن المسيحيين - نمتلك تصوراتنا عن القانون (شخص المسيح ) ، ولكننا ، بالفعل لن نتجاسر على القول بأننا نتماهى مع القانون ولا نتجاسرعلى القول بأننا نمتلك حدود القانون وأطره ، وبالتالى لانتجاسر على القول ، بأننا نستطيع أن نحكم - على أحد بالخروج عن القانون . إننا الآن - في هذا العالم - لانتجاسرعلى القول بأننا قضاة ! .
نحن المسيحيون مدعوون لأن نصير" قضاة "، ولكن ليس في هذا العالم ، بل حينما نتكمل ، ( في المسيح ) . فقط ، حينما نخرج من هذا العالم - ونصير أعضاء فيه - نستطيع أن ندين العالم ، لأن " القديسين سيدينون العالم " ( 1 كو 6 : 2 ) .
3- مصطلح : " الأمم " .
أولا : الخريطة الدينية .
اسمحوا لي أن أنحت هذا المصطلح ، وإنني أرى أنه مهم جدا لفهم مصطلح " الأمم " . وما أعنيه ، بتلك " الخريطة " هو : علاقة الله بالشرائح المختلفة للبشر ، المعلنة في الكتاب المقدس ( بعهديه ) . ولهذه الخريطة وجهان : وجه ظاهري ، يبدو عنصريا ، فنرى " شعب الله المختار " ، الذي أعلن له الله ذاته ، من خلال " الناموس " ونرى أيضا - في نفس المشهد - الأمم ، المحكوم عليهم بالإقصاء من العلاقة نهائيا . ونرى أيضا وجها آخرا للخريطة ، يتكشف في مسار النعمة ، وهو وجه يمثل عدالة الله ، المستترة وراء ذلك المشهد ؛ فبينما يحدث ، التمرد والرفض ، داخل حظيرة الإيمان ، التي لشعب الله " المختار" ، نرى رعية يتم اجتلابها ، من الأمم ( المرفوضين والمدانين ، سابقا ) ، لتدخل إلى حظيرة الايمان .
إذن ، هذا هو النموذج ( الخريطة ) : شعب مدعو للإيمان ( داخل الحظيرة ) ، شعوب مرفوضة ( في الخارج ) ، متمردون ( في الداخل ) و مستجلبون ( من الخارج ) .
هكذا كان " اسرائيل القديم " ، الشعب المختار ، في مقابل " الأمم " ( الكلاب الضالة ، المدانة ، المحكوم عليها بالموت ، روحيا ) ، وبينما يتمرد ، ذلك " المختار" ! ، يقيم الله ، من أولئك " الكلاب " أمة " ، يغيظهم بها ، بقبولهم المسيح ، الذي هو: غاية الناموس ( التي لم يدركوها ) .
فى العهد الجديد ، يتجلى تطبيق نفس النموذج ، ويصبح التطبيق القديم ، مجرد رمز ، يتم امتلاؤه في التطبيق الجديد ؛ فالشعب " المختار" ، في العهد الجديد ( اسرائيل الجديد ) ، هو رافد الكنيسة ، التي قبلت دعوة الإنجيل ، في العالم كله . اسرائيل الجديد هو المدعوون مسيحيين ، هو رافد الكرازة الرسولية ، للعالم أجمع . وأما في الخارج ، فيوجد من هم يمثلون المفهوم الجديد للأمم ، هؤلاء هم المحكوم عليهم ( في هذا العالم ) ، بالسجن داخل ثقافات ومعتقدات مختلفة ، يكاد يكون من المستحيل اختراقها (عمليا وواقعيا ) بواسطة كرازة الانجيل ، وهم أيضا - وللأسف الشديد - محكوم عليهم من المسيحيين ، بالإقصاء خارج المسيح ، وفي وسط هذه المساحة ( الخارجية ) المترامية من الثقافات والمعتقدات - المغايرة للثقافة والمعتقد المسيحي - يوجد الكثير من البشر الذين قد هيأهم الله ، بالنعمة ليصيروا شركاء في المسيح ، عوضا عن ذلك ، المتمرد ، داخل اسرائيل الجديد ، عوضا عن " ابن الهلاك " . وفى صلاته الأخيرة ، يقدم الرب يسوع ، خريطة العهد الجديد ، في كامل وضوحها ، فيقول : " حين كنت معهم في العالم كنت أحفظهم في اسمك ، الذي أعطيتنى ، حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب …. ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط ، بل أيضا من أجل الذين يؤمنون بي بواسطة كلمتهم " ( يو 17 : 12 و 20 ) .
ثانيا : عدالة الله .
نحتاج إلى الاستنارة ، لكي نفهم النص الكتابي ., فيما يلي بعض النصوص ، ونسأل الرب أن ينيرها أمام أذهاننا :
- ( " ففتح بطرس فاه وقال : " بالحق أنا أجد أن الله لايقبل الوجوه . بل في " كل أمة " ، الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده . الكلمة ( اللوغوس ) التي أرسلها إلى بني اسرائيل يبشربالسلام بيسوع المسيح . هذا هو " رب الكل " " ) . ( أع 10 : 34 - 36 ).
- ( " لأني لست أستحي بإنجيل المسيح ، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن : " لليهودي أولا ثم لليوناني " . لأن فيه معلن بر الله بإيمان ، لإيمان ، كما هو مكتوب : " أما البار فبالإيمان يحيا " " ) .( رو 1 : 16 ) .
- ( أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء ، فبالحياة الأبدية . وأما الذين هم من أهل التحزب ، ولايطاوعون للحق بل يطاوعون للإثم ، فسخط وغضب ، شدة وضيق ، على كل نفس إنسان يفعل الشر : " اليهودي أولا ثم اليوناني " . ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح : " اليهودي أولا ثم اليوناني ". لأن " ليس عند الله محاباة ) . ( رو 2 : 7 - 11 ) .
- ( " لأن الكتاب يقول : " كل من يؤمن به لا يخزى " . لأنه لافرق بين " اليهودي واليوناني " . لأن " ربا واحدا للجميع " ، مغنيا لجميع الذين يدعون ( بضم الياء وتسكين الدال ) به . لأن " كل من يدعى باسم الرب يخلص" . فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به ؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به ؟ وكيف يسمعون بلا كارز ؟ ." ) .( رو 10 : 11 - 14 ) .
. تعليق :
عبارة : " اليهودي أولا ثم اليوناني " ، هى إشارة لتتابع إدراك ووعي كنيسة العهد الجديد ؛ فاسرائيل الجديد ، الذي صارت إليه دعوة كرازة الإنجيل ، هو اليهودي ، الذي يجتاز الخبرة أولا ، في هذا العالم ؛ فيقبل - بما أتيح له من وعي - صورة الايمان ، بالمسيح ، وهو مدعو لتنامي هذه الصورة ، إلى الشركة الأبدية في كيان المسيح ( كرافد من روافد الكنيسة ) ، وبالطبع يتم رفض الدعوة من قبل ابن الهلاك . أما " اليوناني " ، فهو ذلك الرافد الآتى من " الأمم " ، غير المدعوين ، والذي سينفتح إدراكه - لحقيقة ذاته (ككنيسة ) - مؤخرا ، عندما يغادر هذا العالم .
آلية عدالة الله .
الله يتيح فرصة عادلة للجميع لكي يأتوا وينضموا إلى جسد ابنه . هذه الفرصة ليست متوقفة ، على مستوى الوعي والإدراك الثقافي - نوعا أو كما - ولكنها محكومة بالتهيئة الطبيعية ، التي تكرسها النعمة ، في الفرد الإنساني ، المعين- سابقا - للحياة الأبدية ، في المسيح يسوع ، ولذلك ، فإن المجهولين ، المغتربين - في الأمم - ماأن يتكملوا- باستثمار ناموسهم الطبيعى لحساب المسيح ، إلا ويقال لهم أن وجودهم هو مضمون وغاية الإنجيل ، الذي لم تتح لهم الفرصة لكي يؤمنوا به في هذا العالم :
- ( " لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله ، بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون . لأنه " الأمم الذين ليس عندهم الناموس ، متى فعلوا بالطبيعة ماهو في الناموس ، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم ، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم شاهدا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة ، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب " انجيلى " بيسوع المسيح " ) .( رو 2 : 13 - 16 ).
- ( " فماذا ؟ إن كان الله ، وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوته ، احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك . ولكي يبين غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد ، التي أيضا دعانا نحن إياها ، ليس من اليهود فقط بل من " الأمم " أيضا . كما يقول في هوشع أيضا : " سأدعو الذي ليس شعبي شعبي ، والتي ليست محبوبة محبوبة . ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه : " لستم شعبي "، أنه هناك يدعون أبناء الله الحي " . وأشعياء يصرخ من جهة اسرائيل : " وإن كان عدد بني اسرائيل كرمل البحر ، " فالبقية " ستخلص . لأنه متمم أمر وقاض بالبر . لأن الرب يصنع أمرا مقضيا به على الأرض " . وكما سبق أشعياء فقال : " لولا أن رب الجنود أبقى لنا نسلا ، لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة " . ( رو 9 : 22 - 28 ).
. اذن ، الناموس الطبيعي ( للمختارين من الأمم ) ، من الممكن أن يتطور - بالنعمة النابعة من الكلمة المتجسد - إلى ناموس المسيح ، بينما اختزال الناموس في صيغة المحتوى الشكلي والتصديق المعتقدي - للمدعوين " مسيحيين " ، فهذه هى حقيقة وواقع " ابن الهلاك " .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات