رسالة 40: من كيرلس إلى أكاكيوس [100]أسقف ميليتينيكيرلس يهدي تحياته في الرب إلى سيدي وأخي المحبوب والشريك في الخدمة أكاكيوس
1- مخاطبتنا بعضنا لبعض هي أمر حلو للأخوة ويستوجب الإعجاب ويستحق كل اعتبار بين أولئك الذين يفكرون تفكيراً سليماً بالحق. وأنا أقول إنه من الضروري أن أولئك الذين لهم إيمان واحد ونفس واحدة ينبغي أن يسرعوا ويفعلوا هذا بلا انقطاع، حيث إنه لا شيء يقف عائقاً ولا أي شيء يصد الرغبة الحارة والشوق نحو هذا الأمر. ولكن توجد أوقات، بسبب طول المسافات أو لندرة الذين يمكن أن يحملوا الرسالة، تغرينا ضد إرادتنا بعدم المراسلة. ومع ذلك فحينما يدع لنا الوقت فرصة أن يخاطب أحدنا الآخر، فإنه من المناسب أن نعتبر هذا الأمر مرسلاً من الله، وأن نقتنص الفرصة بفرح لنتصل بأولئك الذين نشتاق إليهم كثيراً. لذلك قد ابتهجت كثيراً جداً بالرسالة المرسلة من كمالكم، وإذ قد تعجبت من موقفك تجاهي، فكرت أنه من المناسب أن أعرفك الكيفية التي بها حل السلام بين الكنائس وأن أُبيّن كيف حدث كل شيء.
2- فان الملك التقي جداً والمحب للمسيح، له اهتمام عظيم جداً والذي يقدم العناية اللازمة للكنائس المقدسة، لم يعتبر الشقاق بينها أمراً يمكن احتماله. لذلك فبعد أن دعا الملك، الموقر جداً والمتقي لله جداً أسقف الكنيسة المقدسة بالقسطنطينية مكسيميانوس وكثيرين من الأساقفة الآخرين من الذين كانوا هناك وقتئذ، فإنه فكر في الكيفية التي يمكن بها أن يزول الشقاق بين الكنائس من وسطنا، وكيف يدعى إلى السلام الخدام المقدسون للأسرار الإلهية. ولكنهم قالوا إن هذا لن يحدث بأية طريقة أخرى، والذين يختص بهم النقاش لن يأتوا إلى وحدة الفكر نحو بعضهم البعض سوى برابطة وحدة الإيمان المشرق أمامهم وكما لو كان منقذاً لهم. لقد قالوا إن يوحنا أسقف أنطاكية وهو أسقف مملوء من تقوى الله، ينبغي أن يحرم تعاليم نسطوريوس ويقر كتابة بعزله. أما فيما يتصل بالأحزان الشخصية فإن أسقف الإسكندرية سينساها كلها لأجل المحبة، وسوف يعتبر المعاملة المهنية التي نالها في أفسس كأنها لا شيء، رغم أنها كانت خشنة جداً ويصعب احتمالها.
3- لذلك حيث إن الملك الموقر جداً وافق وكان مسروراً جداً بهذه الكلمات، فانه أرسل سيدي المدهش جداً التريفون والسكرتير أرسطولاوس، ليتمم هذا الأمر نفسه. ولكن حينما أطلع الأساقفة في الشرق على القرار الملكي وشرح لهم أن هذا القرار هو متفق مع رأي الأساقفة الذين كانوا موجودين في مدينة قسطنطين العظيمة، وأنا لا أعلم ماذا قصدوا، لكنهم إجتمعوا مع المقدس جداً والمتقي لله جداً أكاكيوس أسقف بيرويا، وإهتموا أن يكتبوا إليّ، أنه في طريقة الاتفاق أي في سلام الكنائس المقدسة، فإنه من المناسب أن يتحقق ليس بطريقة أخرى سوى تلك التي بدت أفضل بالنسبة لهم. كان هذا مضجراً وثقيلاً، لأنهم رغبوا أن يبطلوا كل ما كتبته في الرسائل والمجلدات والوثائق، ويوافقون فقط على الإيمان المحدد في نيقية بواسطة آبائنا القديسين. فكتبت رداً على أننا جميعاً نتبع عرض الإيمان المحدد من الآباء القديسين في مدينة نيقية، ولا نحّرف إطلاقاً أي أمر من الأمور التي تحددت هناك، لأن كل شيء فيه صحيح ولا ينبغي أن يمُس[101]، وبعد التحديد لم يكن أمراً مأموناً أن يتطفل أحد بعد ذلك.
4- أما من جهة الأشياء التي كتبناها بصواب ضد تجاديف نسطوريوس، فليست هناك أية مجادلة يمكن أن يقنعنا أن نقول أنها لم تعمل بصواب. بل بالحري كان من الضروري أنهم بحسب مابداً أفضل للملك التقي جداً والمحب للمسيح، وللمجمع المقدس والمجتمع في مدينة أفسس أن يحرموا التجاديف غير المقدسة لذلك الذي يحارب مجد المخلص، ويقروا بعزله، ويوافقوا على سيامة المقدس جداً والمتقي لله جداً الأسقف مكسيميانوس. وعلى ذلك فحينما سُلِمتَ إليهم هذه الرسائل، فإنهم أرسلوا إلى الإسكندرية الموقر جداً والمحب لله جداً الأسقف بولس أسقف إيميسا[102]، الذي أجريت معه أحاديث طويلة وكثيرة عن الأمور التي قيلت وحدثت بصورة غير شرعية وغير لائقة في أفسس[103]. وإذ وضعت هذه الأمور بعيداً عن ذهني - حيث أنه من المناسب بالحري أن نتبع بحماس الأمور الضرورية- فسألته إن كان يحمل رسائل من المتقي لله جداً الأسقف يوحنا. ثم قدم لي رسالة لم تكن تحتوي على الأشياء التي ينبغي أن تحتويها. ولكنها قد أُمليت بطريقة لم يكن ينبغي أن تملى بها لأنها تحمل قوة الإثارة وليس قوة التعزية[104]. وأنا لم أقبل هذه الرسالة. ورغم أنه كان من المناسب أن يزيلوا أحزاني باعتذارات عن الأمور التي سبقت ، ولأجل الأشياء التي حدثت في أفسس، فإنهم انتهزوا الفرصة لكي يقولوا أنهم أستشيروا ضدي بواسطة غيرتهم من أجل التعاليم المقدسة. ولكني سمعت أنه لا الغيرة الإلهية قد حركتهم، ولا هم اصطفوا ضد بسبب أنهم كانوا يحاربون لأجل تعاليم الحق، بل بسبب أنهم يخضعون لمداهنة الناس وبسبب أنهم كانوا يختطفون فرصة لأنفسهم على صداقة الذين كانوا في السلطة في ذلك الوقت.
5- ورغم ذلك، فحينما قال الأسقف المتقي لله جداً بولس انه مستعد أن يحرم تجاديف نسطوريوس وأن يقر كتابة بعزله، وأنه يفعل هذا نيابة عن الجميع وفي حضور كل أساقفة الشرق المتقين لله، فاني عارضته قائلاً أنه يكفي أن يقدم خطاباً منه بخصوص هذا لكي تتحقق الشركة التي نحتاج إليها نحن جميعاً.[105] إني أكدّت بقوة بكل طريقة وبكل الوسائل أنه من المناسب أن الموقر جداً والمتقي لله جداً يوحنا أسقف أنطاكية، يقدم اعترافاً مكتوباً بخصوص هذه الأمور. وهذا قد تم فعلاً، والحاجز والانفصال بين بعضنا البعض الذي يضل الكنائس قد انتهى. ولكن لم يكن هناك شك في أي مكان أن سلام الكنائس المقدسة يتحقق بملاشاة المدافعين عن تجاديف نسطوريوس.
6- إنهم يبدون لي أنهم مثل أولئك الذين يسقطون من سفينة دون أن يعرفوا كيف يسبحون. وحينما يكون هؤلاء البائسون يختنقون، فإنهم يضربون بأيديهم وأرجلهم جيئة وذهاباً، ويمسكون بأي شيء كان يأتي في طريقهم حباً في الحياة. أفليس صحيحاً أن يقال أنهم ينقلبون بعنف حيث إنهم قد سقطوا، وهم ينعزلون من الكنائس، وهم يبقون خارج الكنائس التي ظنوا أنها ستكون حامية لهم؟ أو ألا يغتاظون إلى درجة غير محتملة حينما يرون أولئك خدعوا منهم يتحولون عنهم، وأولئك الذين، كما لو كانوا، قد اسكروا بابتداعات دنسة، يصيرون الآن صاحين في الحق؟ ومع ذلك فيمكن أن نقول لهم ما هو مناسب جداً، وهو ما قيل بصوت النبي:"تجمعي واجتمعي أيتها الأمة غير المهذبة قبل أن تصيروا مثل الزهرة التي تمضي" (صفنيا 2 : 1،2) فلماذا إذن قد صاروا آكلين لقيئ غيرهم، وهم لا يخجلون بينما هم يدنسون قلوبهم نفسها بنجاسة آخر؟ "أيها الصم اسمعوا، ويا أيها العمي والأفكار المنحرفة؟ لماذا تشمتون الطريق المستقيم، وتعوجون طرقكم الخاصة (أنظر أمثال4 : 25) "أحرثوا من جديد أرضكم المراحة ولا تزرعوا في الأشواك"(إر4 : 3) ولكونكم شديدي الاهتياج، كما قلت - بسبب حلول السلام في الكنائس المقدسة فإنهم يسخرون من أولئك الذين لم يحتملوا مشاركتهم في شرهم، ويشجبون بمرارة دفاع الأساقفة المقدسين، وأنا أعني الأساقفة الذين من الشرق، ثم إذ يعوجونهه إلى ما هو مُرضٍ وعزيز على أنفسهم، وإذ يفكرون بغير إستقامة، فإنهم يقولون إن هذا الدفاع غير متعارض مع ابتداعات نسطوريوس.[106]
7- وهم قد اشتركوا في انتقادنا نحن كما لو كنا نفكر ضد ما قد كتبناه فعلاً. ولكني أعلم أنهم يقولون هذا أيضاً :أننا حديثاً قد قبلنا بياناً إيمانياً أو قانون إيمان جديد، كأننا لا نكرم القانون القديم والجليل."الأحمق يتكلم بحماقات وقلبه يفكر باطلاً" (أش32 : 6) وفضلاً عن ذلك فنحن نقول هذا، إنه لم يطلب أحد بياناً للأيمان منا ولا نحن قبلنا بياناً جديداً صاغه آخرون. لأن الكتب الإلهية الموحى بها، وصحوا آبائنا القديسين، وقانون الإيمان الذي صيغ بواسطة أولئك الذين هم مستقيمون من كل جهة، هذه تكفينا. وحينما اختلف معنا في أفسس، أساقفة الشرق المقدسون جداً، وصاروا موضع شك في أنهم اصطيدوا في فخاخ تجاديف نسطوريوس، بسبب هذا بالحري بإحساس مرهف، لكي يخلصوا أنفسهم من الخطأ المتضمن في هذا، بسبب أنهم كانوا مهتمين أن يرضوا تماماً محبي الإيمان الذي بلا لوم، لأنهم يعرفون كيف يكونون غير مشتركين في تصرفه المخزي، فإنهم صنعوا اعتذارا. إن الأمر بعيد جداً عن كل انتقاد ولوم. لأن نسطوريوس نفسه في ذلك الوقت الذي كانت فيه حاجة إلى إدانة تعاليمه الخاصة وإلى اختيار الحق بدلاً منها، لو أنه صنع اعترافا مكتوباً بهذه الأمور فهل كان يقول أحد انه اخترع اعترافا جديداً للإيمان؟ فلماذا إذن يشجبون عبثاً تحديد اعتراف الإيمان بأن يسموا اتفاق أساقفة فينيقية المتقين لله جداً، اعترافا جديداً. هذا الاتفاق قد عُملَ بطريقة نافعة وضرورية، إذ تحدثوا دفاعاً عن أنفسهم ولمصالحة أولئك ظنوا أنهم (أي أساقفة فينيقية) يتبعون التعابير الباطلة لنسطوريوس. لأن المجمع المقدس المسكوني الذي انعقد في مدينة أفسس عرف مقدماً بالضرورة أنه لا توجد حاجة لإقرار إيمان آخر غير ذلك الموجود الذي حدده الآباء المثلثو الغبطة الناطقون بالروح القدس.
8- أولئك الذين أختلفوا مرة مع المجمع - وأنا لا أعرف كيف - بعد أن تعرضوا للشكوك في أنهم لم يختاروا أن يفكروا تفكيراً صحيحاً وأنهم لا يتبعون التعاليم الرسولية والإنجيلية، فهل يتخلصون من الخزي بصمتهم أم بالحري بالدفاع وإظهار معنى رأيهم. وفي الحقيقة فان التلميذ الموحى له من الله قد كتب :"كونوا مستعدين دائماً لمحاربة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم" (1بط3 : 15) فذلك الذي يختار أن يفعل هذا، لا يصنع شيئاً جديداً ولا يُرى أنه يصيغ إقرار إيمان جديد، بل بالحري يوضح لأولئك الذين يسألونه، الإيمان الذي عنده فيما يخص المسيح.
9- ولكن بالإضافة إلى هذه الأمور، علمت أن أعداء الحق، بسبب أن لهم وجوهاً عابسة جداً من إجماع الأساقفة المتقين لله جداً، يقبلون كل شيء رأساً على عقب، ويقلبون إن معنى الإقرار الذي عمله الأساقفة يتفق مع لابتدعاتهم غير المقدسة، وهذا الإقرار صاغه الأساقفة في الإيمان المستقيم دون أن يجددوا شيئاً كما قلت، أو يضيفوا شيئاً على الإطلاق إلى ما سبق أن تحدد منذ زمن طويل، بل بالحري تابعين التعاليم التي بلا عيب التي للآباء القديسين. ولكن لكي نبرهن أنهم يتكلمون كلاماً زائفاً[107]، تعالوا ودعونا نعرض علناً هراء نسطوريوس وبيانات الأساقفة،[108] لأن الفحص سوف يظهر الحق بهذه الطريقة وليس بطريقة أخرى.
10- وبناء على ذلك، فإننا نجد أن نسطوريوس قد أنكر تماماً ميلاد ابن الله الوحيد حسب الجسد، لأنه يقول إنه لم يولد من امرأة حسب الكتب، فهو يتكلم هكذا:" تعلمت من الكتب الإلهية أن الله جاء من العذراء أم المسيح، ولكن لم أتعلم في أي مكان أن الله ولد منها. وأيضاً في تفسير آخر يقول:" لا يذكر الكتاب الإلهي في أي موضع أن الله ولد من العذراء أم المسيح، بل المسيح يسوع، الابن، والرب. وحيث إنه يقول هذا، فكيف يشك أي واحد أنه بقوله هذه الأشياء هو يقسم الابن الواحد إلى ابنين، واحد منهما مأخوذاً على حدة، يقول إنه هو ابن ومسيح ورب، الكلمة المولود من الله الآب، أما الآخر وأيضاً مأخوذاً على حدة إنه ابن ومسيح ورب، ولد من العذراء القديسة؟. ولكن أولئك الذين يدعون العذراء القديسة والدة الإله، يقولون إنه ابن ومسيح ورب واحد، كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت، ويرون أن جسده محياً بنفس عاقلة. لأن كونهم لا يقولون أن هناك ابناً هو الكلمة الذي من الله الآب، وآخر أيضاً الذي ولد من العذراء القديسة كما يعلن نسطوريوس، بل بالحري ابن واحد الذي هو نفسه، يصير مؤكداً وواضحاً جداً من الآتي، إنهم يضيفون - مشيرين إلى من يكون هو - أنه كامل كإله وكامل كإنسان، وقد ولد قبل الدهور من الآب حسب اللاهوت، و"في الأيام الأخيرة" لأجلنا ولأجل خلاصنا ولد من مريم العذراء القديسة حسب ناسوته، وانه هو من الجوهر نفسه الذي للآب حسب لاهوت، ومن الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته.
11- لذلك فهم لا يقسمون الابن الواحد والمسيح والرب يسوع إلى اثنين بل يقولون إنه هو نفسه، قبل الدهور وفي الأيام الأخيرة، أي أنه من الله الآب كإله ومن امرأة حسب الجسد كإنسان، لأنه كيف يمكن أن يُدرك أنه من الجوهر نفسه الذي لنا بحسب ناسوته ومع ذلك يكون مولوداً من الآب بحسب لاهوته، إن لم يكن هو نفسه يدرك ويقال عنه أنه إله وإنسان معاً.
12- ولكن عند نسطوريوس لا تبدو الأمور هكذا، بل بالحري فإن قصده قد تحول إلى العكس تماماً. وفي الحقيقة أنه قال وهو يعلّم في الكنيسة:"لهذا السبب أيضاً يسمى المسيح الله الكلمة، ومن أجل أن له اتصال غير منقطع بالمسيح" وايضاً قال، "فلنحفظ الاتصال غير المختلط الطبيعتين، لأنه دعنا نعترف بالله في الإنسان، وبسبب الاتصال الإلهي دعنا نكرم الإنسان المعبود مع الله الكلي القدرة".
13- لذلك أنتم ترون كيف أن تفكيره غير معقول، لأنه مملوء حتى النهاية بعدم التقوى. فهو يقول أن كلمة الله على حده يسمى المسيح، وله اتصال غير منقطع مع المسيح. لذلك ألا يقول هو بكل وضوح بمسيحين؟ ألا تعرف أنه يكرم إنساناً - لست أعرف كيف- وهو الذي يُعبد مع الله؟ ألا يظهر أن أقواله هذه ليست لها علاقة بأقوال أساقفة الشرق؟. أليست أفكاره متناقضة؟ لأنه يقول بوضوح أنه يوجد اثنان، أما هم فيعترفون أنهم يعبدون مسيحاً واحداً وابناً وإلهاً ورباً، وهو نفسه من الآب بحسب اللاهوت ومن العذراء القديسة بحسب الناسوت. لأنهم يقولون إنه قد صار إتحاد لطبيعيتين ولكنهم يعترفون بوضوح بمسيح واحد، وابن واحد، ورب واحد. لأن " الكلمة صار جسداً" حسب الكتب، ونحن نقول أن إتحاداً تدبيرياً بلا انفصال ويفوق التعبير، قد تم حقاً بين أشياء غير متشابهة.
14- لأننا لن نفهم مثل بعض الهراطقة القدماء، أن كلمة الله أخذ من طبيعته الخاصة أي الإلهية وأعد لنفسه جسداً، بل إذ نتبع، من كل ناحية، الكتب الموحى بها، نحن نؤكد بقوة أنه أخذ جسده من العذراء القديسة. وهكذا فنحن نقول أن الطبيعتين اتحدتا ومنهما يكون الابن الواحد والوحيد الرب يسوع المسيح، كما يتفق مع أفكارنا، ولكن بعد الإتحاد حيث أن الانفصال إلى اثنين قد بطل الآن فنحن نؤمن أنه توجد طبيعة واحدة للابن، كواحد[109]، قد صار إنساناً وتجسد. ولكن إن كان وهو الله الكلمة يقال أنه تجسد وصار إنساناً، فدع الشك في حدوث تغيير أن يطرح بعيداً لأنه قد ظل على ما كان عليه، ولنعترف بالإتحاد غير المختلط بالمرة. ولكن ربما يقول ذو الفكر المضاد:
هوذا أولئك الذين يصيغون الاعتراف بالإيمان المستقيم يذكرون طبيعتين بوضوح، ولكنهم يقولون أن تعبيرات أولئك الموحى لهم من الله تنقسم حسب اختلاف الطبيعتين. وحينئذ كيف لا تكون هذه التأكيدات مضادة لأقوالكم، لأنك لا تسمح بأن تنسب التعبيرات إلى شخصين أي إلى أقنومين.[110] ولكن يا أصدقائي أقول لكم، لقد كتبت في الفصول:
من ينسب الأقوال التي في الأناجيل والكتابات الرسولية إلى شخصين أي إلى أقنومين، ناسباً بعضها كما إلى إنسان على حدة منفصلاً عن كلمة الله، وناسباً الأقوال الأخرى كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الآب وحده، فليكن مداناً.
15- ولكننا لم نرفع التمييز بين الأقوال بأي حال، حتى وان كنا عملنا شيئاً يجعلنا غير جديرين وذلك بتقسيم الأقوال كمنسوبة للابن معتبراً على حدة كالكلمة الذي من الله الآب، وعلى الابن ثانية معتبراً على حدة كإنسان من امرأة. لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحد للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً كما سبق أن قلت.[111] إن كان أحد يرغب في معرفة الطريقة التي بها تجسد وصار إنساناً، دعه يتأمل في الكلمة: إله من إله، "آخذاً صورة عبد وصائراً في شبه الناس" (في2 : 6-9) كما هو مكتوب. وبناء على هذا وهذا فقط يفهم اختلاف الطبيعتين أي الأقنومين،[112] لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية. وإلا فكيف أن الكلمة وهو الله، أخلى نفسه ووضع ذاته إلى ما هو أقل، أي إلى حالتنا. وبناء على ذلك فحينما تُفحص طريقة التجسد بعمق، فان العقل البشري بلا شك يرى الاثنين مجتمعين معاً في إتحاد يفوق التعبير وبلا اختلاط. والعقل الإنساني لا يقسمهما بأية طريقة بعد أن اتحدا، بل يؤمن ويقبل بقوة أن الواحد الذي من الاثنين هو الله والابن والمسيح الرب.
16- ولكن هرطقة نسطوريوس تختلف تماماً عن هذا. لأنه يتظاهر أنه يعترف أن الكلمة الذي هو الله تجسد وصار إنساناً، ولكنه إذ لم يعرف معنى التجسد فانه يسمّى طبيعتين ويفصلهما عن بعضهما، وبالمثل الإنسان على حدة متصلاً بالله نسيباً فقط، بحسب مساواة الكرامة أي قوة السيادة. لأنه يقول ما يلي:" الله منفصل عن ذلك الذي هو منظور، ومن أجل هذا، أنا لا أفصل كرامة الذي هو غير منفصل، أنا أفصل الطبيعتين ولكني أوحد العبادة.
17- ولكن الإخوة في أنطاكية إذ يفهمون المسيح بأفكار عالية ووحيدة، فإنهم يقولون باختلاف بين الطبيعتين، لأنه كما قلت فإن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية ولكنهم كرزوا بابن واحد ومسيح ورب باعتباره واحداً حقاً، وهم يقولون أن شخصه (proswpon) واحد، ولا يفصلون بأي حال ما قد اتحد. وهم لا يقبلون انفصال الطبيعتين مثلما كان يسر أن يفكر مبتدع الاختراعات البائسة، ولكنهم يؤكدون أن الأقوال الخاصة بالرب هي فقط منفصلة، ليس أنهم يقولون أن بعضها يختص على حدة بالابن الكلمة الذي من الله الآب، وبعضها الآخر يختص بابن آخر أيضاً، الذي من امرأة، ولكنهم يقولون أن بعضها يناسب لاهوته، وبعضها الآخر يناسب ناسوته[113]. لأنه هو نفسه إله وإنسان[114]. ولكنهم يقولون أنه توجد أقوال أخرى مشتركة بطريقة ما، وتختص كما لو بكليهما، أعني اللاهوت والناسوت.
18- وما أقواله أنا هو مثل هذا:[115] فمن ناحية، بعض الأقوال تناسب على الأخص لاهوته، وأقوال أخرى أيضاً تناسب ناسوته، ولكن هناك أقوالاً تتصل بنوع خاص بموقف متوسط معين لأنها تعلن الابن كإله وإنسان معاً في نفس الوقت وفي شخصه. لأنه حينما يقول لفيلبس أنا معكم زماناً هذا مدته ولم تعرفني يا فيلبس، ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ، من رآني فقد رأى الآب" (يو14 : 9،10) "أنا والآب واحد"(10 : 30)، ونحن نؤكد أن هذا الكلام هو لائق جداً بلاهوته. ولكنه حينما يوبخ الشعب اليهودي قائلاً لهم: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق. هذا لم يعمله إبراهيم" (يو8 : 39،40) فنحن نقول أن مثل هذه الكلمات لائقة بناسوته. ومع ذلك فنحن نقول أن تلك الكلمات اللائقة بلاهوته وتلك اللائقة بناسوته هي كلمات الابن الواحد، لأنه وهو الله صار إنساناً، ومع ذلك عندما صار إنساناً لم يترك ما لكينونته الإلهية باتخاذه اللحم والدم. ولكن حيث أنه واحد: الابن والله والرب، فنحن نقول أن شخصه واحد، نحن وهم[116] نقول هذا.
19- ولكننا نؤكد بقوة أن هناك أقوالاً أخرى متوسطة مثلما حين يكتب بولس المبارك:" إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد." (عب8 : 13) وأيضاً:
"لأنه وإن وجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء وعلى الأرض...لكن لنا إله واحد الآب الذي منه كل الأشياء ونحن منه، ورب واحد يسوع المسيح الذي به كل الأشياء ونحن منه" 01كو8 : 5،6).
وأيضاً:
"كنت أود لو أكون أنا نفسي محروماً من المسيح من أجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والنجد والعهود والاشتراع. ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل وإلهاً مباركاً إلى الأبد آمين." (رو9 : 3،5) لأنه هوذا، إذ قد سماه المسيح يسوع، فهو يقول إنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، والذي به صارت كل الأشياء والذي من اليهود يسميه إلهاً على الكل ويؤكد قائلاً إنه مبارك إلى الأبد.
20- لذلك فلا تقسم في هذه الحالات، الأقوال التي عن الرب لأن فيها في نفس الشخص ما هو لائق بالله وما هو لائق بالإنسان، بل بالحري طبقها على الإبن الواحد، أي على الله الكلمة المتجسد. وبناء على ذلك، فإنه شيء أن تفصل الطبيعتين وذلك بعد الإتحاد وتقول أن الإنسان متصل بالله فقط بحسب مساواة الكرامة، وأيضاً هو شيء آخر أن تعرف الاختلاف بين الأقوال. لذلك فكيف تتوافق أقوال أولئك [الذين من الشرق] مع أقوال نسطوريوس الباطلة؟ لأنه ليس عجيباً إن كان بالنسبة للبعض أيضاً، فإن صياغة الأقوال والتعبير عن المعاني تبدو أنها تعجز عن التعبير الدقيق، لأن مثل هذه الأمور من الصعب جداً التعبير عنها. ففي هذا الأمر حتى بولس الموحى له، طلب من الله أن يعطيه كلاماً عند افتتاح فمه. (أف6 : 19).
21- لذلك أليس من الواضح للجميع أنهم (أساقفة الشرق) لا يقسمون المسيح الواحد إلى اثنين، حينما يقولون إنه من الضروري أن نطبق الأقوال اللائقة بالله على لاهوته، وأيضاً تلك الأقوال الإنسانية على ناسوته. وإنهم يؤكدون كما قلت أنه هو الكلمة الذي من الله الآب المولود قبل الدهور، وولد في الأيام الأخيرة حسب الجسد من العذراء القديسة. وهم يضيفون أن ولادته حسب الجسد هي باتحاد لا يُعبرّ عنه وغير مختلط، ويؤمنون أن العذراء القديسة هي والدة الإله، ويعترفون بوضوح بابن واحد ومسيح ورب. إنه أمر لا يصدق بالمرة، إنهم وهم يقصدون أن يقولوا إنه واحد، ومع ذلك يقسمون الواحد إلى اثنين. إنهم لم يصلوا إلى مثل هذه الحالة من الغباء حتى أنهم هم أنفسهم يعيدون العصاة إلى مركزهم السابق، وبطياشة يعيدون بناء ما قد هدموه بصواب. فإذا اتفقوا مع آراء نسطوريوس، فكيف يحرمونها كنجسة وبغيضة.
22- ولكني أظن أنه من الضروري أن أخبر بالأسباب التي من أجلها أستعمل أساقفة الشرق مثل هذه الدرجة من دقة الكلام[117]. لأن مؤيدي كفر أريوس - إذ يغشون بمكر معنى الحق، يقولون أن الكلمة الذي صار إنساناً، ولكنه أخذ جسداً بدون نفس، وهم يفعلون هذا بدافع من الخبث لكي إذ ينسبون إليه الأقوال الإنسانية فإنهم يظهرون لأولئك الذين يضلون بواسطتهم أنه في وضع أقل من سمو الآب ويعلنون أنه من طبيعة أخرى مختلفة عن الآب. وبسبب هذا فإن أساقفة الشرق لخوفهم من الإقلال من مجد وطبيعة كلمة الله، لأجل ما يقال عنه بشرياً بسبب تدبير التجسد، فإنهم يفصلون الأقوال دون أن يقسموا الابن الواحد والرب إلى شخصين، كما قلت، بل ينسبون بعض الأقوال إلى لاهوته وبعضها الآخر إلى ناسوته، ومع ذلك فالأقوال كلها ينسبونها إلى واحد.
23- ولكني علمت أن الأسقف يوحنا الموقر جداً والمتقي لله جداً كتب إلى بعض أصدقائه كما لو كنت قد علّمت بوضوح واعترفت بصوت واضح بالاختلاف بين الطبيعتين وأني قسمت الأقوال بحسب الطبيعتين،[118] ولهذا السبب فإن البعض قد تعثّر. لذلك كان من الضروري أن نتكلم عن هذا. وكما لكم لو يكن يجهل أن أولئك الذين يصبّون تهمة رأي أبوليناريوس على رسائلي، ظنوا أنني أقول أن جسد المسيح المقدس هو بدون نفس، وأن هناك امتزاجاً أو اختلاطاً أو اندماجاً، أو أن الله الكلمة تغير إلى جسد، أو أن الجسد انتقل إلى طبيعة اللاهوت، حتى أن شيئاً لم يحفظ خالصاً أو يبقى كما هو. وبالإضافة إلى ذلك، ظنوا أنني وافقت على تجاديف آريوس بسبب عدم الرغبة في رؤية اختلاف الأقوال وأن بعضها لائق باللاهوت وأن بعضها الآخر إنساني ولائق بالحري بتدبير التجسد. ولكني أنا برئ من مثل هذه الأخطاء، وكما لكم تشهدون بهذا للآخرين.
24- ومع ذلك كان من الضروري أن يحدث دفاع من أجل أولئك الذين تعثروا، ولهذا السبب كتبت إلى تقواه أنه لم يكن لي آراء آريوس وأبوليناريوس بالمرة، ولا أقول في الواقع أن كلمة الله تغير إلى جسد، كما أني لا أقول أن الجسد تحول إلى طبيعة اللاهوت، لأن كلمة الله غير قابل للتغير أو التبدل. والعكس مستحيل. ولكني لم أبطل اختلاف الأقوال بل إني أعرف أن الرب تكلم بطريقة لائقة بلاهوته، وإنسانياً في نفس الوقت، حيث عنه هو في ذاته إله وإنسان معاً. لذلك، فبسبب ؟إنه[119] يرغب أن يشير إلى هذا كتب أنه علم أنني أعترف باختلاف الطبيعتين وأني أفصل الأقوال بحسب الطبيعتين. ولكن مثل هذه التعبيرات ليست تعبيراتي، بل هو الذي نطق بها.
25- ولكني أظن أنه ينبغي إضافة الآتي لما سبق أن قيل، لأن المتقي لله جداً بولس أسقف إيميسا[120] أتى إلىّ، ثم بعد أن بدأنا مناقشة عن الإيمان المستقيم الذي بلا لوم، سألني باهتمام إن كنت قد وافقت على الرسالة المرسلة من أبينا المثماث الغبطة ذي الذكر الشهير أثناسيوس إلى إبكتيتوس أسقف كورنثوس. وقلت أنه "أن كانت الرسالة محفوظة عندكم بغير تحريف" - لأن أشياء كثيرة فيها قد أصابها التزوير بواسطة أعداء الحق- فإني أوافق عليها من كل ناحية وعلى كل الأحوال. ولكنه قال مجيباً على كل هذا أنه هو نفسه عنده الرسالة وانه يرغب أن يتأكد منها تماماً بواسطة النسخ الموجودة عندنا وأن يعرف هل النسخ التي عندهم قد حُرِفّت أم لا. وأخذ النسخ القديمة وقارنها بتلك التي احضرها هو، فوجد أن هذه الأخيرة قد حرفت، وترجي أن ننسخ له نسخاً من التي عندنا ونرسلها إلى كنيسة أنطاكية. وهذا ما قد حدث فعلاً.
26- وهذا ما قد كتبه عني الأسقف يوحنا الوقر جداً والمحب لله جداً إلى كارينوس، إنه "بحث التعاليم الخاصة بالتأنس ونسج بالاشتراك معنا تقليد الآباء، وهو تقليد كان معرضاً كما لو كان لخطر أن يتضاءل بين الناس." ولكن أن كان بعض الناس يجولون برسالة كما لو كانت قد كتبت بواسطة فيلبس كاهن كنيسة روما المقدس جداً، تفيد بأن الأسقف المقدس جداً كسستوس كان مغتاظاً جداً بسبب عزل نسطوريوس وكان يساعده، فلا تثق قداستكم في هذه الرسالة. لأن كسستوس كتب متفقاً مع المجمع المقدس ووافق على كل شيء فعله المجمع، وهو له رأينا نفسه.
27- ولكن أن كان بعض الناس يجوبون برسالة كأنها مكتوبة مني تفيد بأني غيرت رأيي في الأمور التي حدثت في أفسس فليكن هذا مثاراً للسخرية، لأننا نحن بنعمة المخلص نتمتع بصحة عقلية جيدة، ولم نصل إلى نهاية حسن استعمال العقل. سلم على الأخوة الذين معك، الأخوة معي يحيونك في الرب.
انتهى نص الرسالة...
أكثر ما يهمني من هذه الرسالة، هو إهمال، من ساويروس الأنطاكي حتى الأنبا بيشوي، أكثر من 25 فقرة من هذه الرسالة، والتركيز فقط على فقرتين. وهذا الأسلوب لا يليق بأبناء المسيح. لأننا نعرف من هم الذين يقتطعون جملة، أو فقرة من كتاب كامل ليبنوا عليها ما يريدون.
وسنكمل لاحقاً، وبالترتيب الرسائل التي ذكرت في المراجع.
يتبع>> ج3>>
--------------
الحواشي
--------------
[100]حاشية من المرجع، مرتبطة مع النص: أكاكيوس، اسقف ميليتيني في كبدونية، توفى سنة 438م.
[101]ولكننا نعرف كما عرضنا سابقاً أن دستور إيمان نيقية، لم يبقَ كما كان بعد مجمع القسطنطينية الأول. ويمكن ملاحظة التعديلات التي أدخلوها أو التي حذفوها من النص النيقاوي.
[102]حمص
[103]ويقصد الإهانة التي تعرض لها آباء مجمع أفسس كما أسلفنا من الكونت كانديديان صديق نسطوريوس، وكان برضى مجمع يوحنا
[104]لا يتكلم عن التعليم التي تحتويه الرسائل، بل عن لغة الخطاب كما سيوضح ذلك لاحقاً.
[105]هذا النصف الذي تحدثوا عنه سابقاً، والذي يقول الأنبا بيشوي أن ساويروس الأنطاكي بيّنه لاحقاً. وهو أن القديس كيرلس فعلاً سعى للصلح ولكننا نراه هنا لا يهتم بما جرى له، ولا للغة الخطاب. ولكن هل القديس كيرلس لم يهتم بالإيمان القويم؟ هذا ما سيتضح من خلال قراءة الرسائل، ومنها هذه الرسالة.
[106]هذا المقطع لم يكن ليقصد فيه الأنطاكيين الأرثوذكسيين. بل أولئك الذين شق عليهم أن يعود الصلح والسلام في الكنيسة.
[107]كم هو تعبير قوي هذا يا أبينا الحبيب كيرلس
[108]سيبدأ الآن كيرلس بالدفاع عن النص الذي وقعه وأرسله ثانية ليوحنا، يقوم بعمل مقارنة بينه وبين تعليم نسطوريوس. وهذه الجزء من الرسالة لم يأتِ على ذكره لا ساويروس الأنطاكي –كما يُفهم-، ولا الاب صموئيل –كما يُفهم- ولا الأنبا بيشوي. ولذلك قلنا أعلاه أنهم تكلموا عن نصف الحقيقة.
[109]لا يجب أن نذعر إن قرأنا عبارة طبيعة واحدة عند القديس كيرلس، لأن كنيستنا الأرثوذكسية لا تنكرها، ولا يجب أن نفهمها على ضوء تحديدات خلقيدونية العقائدية واصطلاحته. بل يجب أن نفهمها كما فهمها ذاته القديس كيرلس، فقد كان عنده مصطلح طبيعة وأقنوم متداخلين، ولذلك فهم منه البعض أنه يقول بوجود أقنومين في المسيح. بل يجب أن نفهم الآن تعبير الطبيعة الواحدة على ضوء مدافعته عن رسالة المصالحة ودستور الإيمان الذي فيها. ولكن إن دققنا بعد بالجملة ذاتها " فنحن نؤمن أنه توجد طبيعة واحدة للابن، كواحد ، قد صار إنساناً وتجسد"، نجد أن الوحدة التي يتكلم عنها هي وحدة الأقنوم. فهو يقول نؤمن بطبيعة واحدة للابن، ثم يضيف ويقول "كواحد" قد صار إنساناً وتجسد. فعلمياً هذه العبارة "الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد" عنت دائماً في فكر كيرلس "أقنوم واحد للكلمة المتجسد"، كما كان قد قلنا سابقاً وسنقول لاحقاً.. وفيما بعد سيتضح أكثر فأكثر تعليم القديس كيرلس في هذه الرسالة نفسها.
[110]واضح في هذه الفقرة التداخل بين تعبيري طبيعة وأقنوم.
[111]أخي القارئ/أختي القارئة، حاولوا أن تفسروا هذا النص: "لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحد للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً كما سبق أن قلت". ونتركه لفطنتكم.
[112]الطبيعتين أي الأقنومين! هل من شكّ بعد هذا أن القديس كيرلس كان يستخدم مصطلحات، هي التي أودت حقيقةً لوجود بدعة الطبيعة الواحدة، ولكن فكره وإيمانه وتعليمه بريء منها. هل يعقل أن يقول القديس كيرلس "اختلاف الأقنومين" في المسيح، ويقصد ما نفهمه نحن اليوم؟ للأسف جاء ساويروس الأنطاكي ورسخ هذا المفهوم، ولكن كما رأينا الأنبا غريغوريوس اتهم بالنسطرة من يقول بوجود أقنوم بشري، بل إن أقنوم الكلمة هو نفسه أقنوم الطبيعة البشرية. ولذلك متى واجهنا عبارة "طبيعة واحدة للكلمة المتجسد" أو "طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد" لا يجب أن نخشى هذا القول، ولكن علينا أن يكون لنا فكر المسيح، الذي كان للقديس كيرلس، فنفهم العبارة كما قالها القديس كيرلس نفسه، وليس كما يريد أن يقوله الآخرين.
[113]تذكر جيداً هذه الجملة، هنا يقتبسها القديس كيرلس من الأنطاكيين. ولكن بعد ذلك، في رسالة أُخرى، سيشرح تعليمه معتمداً عليها.
[114]بالإجماع، من خلال قرآتي الشخصية المتواضعة جداً، لا يوجد كتاب يقول هذا. فقد رأينا اعتراض القمص الورع تادرس يعقوب ملطي على تعليم البابا بطرس الشهيد. وأيضاً نذكر على سبيل المثال لا الحصر الأنبا غريغوريوس في كتابه "تعليم كنيسة الاسكندرية فيما يختص بطبيعة السيد المسيح"، ص 15، يقول: " لا نجروء على القول إنه إله وإنسان معاً". يبدو أننا بحاجة إلى جرأة القديس كيرلس حتى نعود إلى الشركة.
[115]الآن تعليمه الشخصي للقديس كيرلس.
[116]حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: أي أساقفة أنطاكية..
واسمحوا لي أن أزيد، وأقول: إن جملة "نحن وهم نقول هذا"، تعني أن هذا هو تعليم القديس كيرلس منذ البداية حتى النهاية، ولكن هناك بعض الأناس الذين فهموا ما لم يقصده القديس، وللأسف مازالوا يفهمون هكذا. فكيف يأتي ساويروس الأنطاكي، ومن ثم يقتبس منه الأب صموئيل صاحب كتاب "مجمع خلقيدونية إعادة فحص"، ويقتبسها أيضاً الأنبا بيشوي، ويقولون أن القديس كيرلس وقع المصالحة من أجل السلام فقط.
[117]القديس كيرلس يسمي كلماتهم، أي يوحنا وأساقفته الأنطاكيين، ومصطلحاتهم بـ"الدقيقة".
[118]هنا القديس كيرلس يرد على من يفهم من أقواله، أن يقسم ويفصل الطبيعتين بعد الاتحاد، وهذا كفر نسطوريوس. وبنفس الوقت يحاول امتصاص غضب الأساقفة ضده. لأنه أرسل رسائل كثيرة بعد المصالحة مع يوحنا أنطاكية. نستطيع أن نقول أن هذا القديس قد خاض مجمعاً كاملاً يدافع به عن نفسه.
[119]حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: أي يوحنا الأنطاكي.
[120]حمص

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات