والآن بعد أن أثبتنا، عدم صدق الادعاء، وأن القديس كيرلس بحسب الرسالة الأولى قد تبنى تعليم نص المصالحة، سننتقل إلى رسالة أُخرى وردت ضمن المراجع التي وضعناها، والتي قيل فيها نفس الأمر، لنفحص مدى صحة هذا الكلام.
رسالة 44: تذكير إلى إفلوجيوس الكاهن المقيم بمدينة القسطنطينية من رئيس الأساقفة كيرلس
1- كيرلس أسقف الإسكندرية يهدي تحياته إلى إفلوجيوس. يهاجم البعض عرض الإيمان الذي أعده الشرقيون ويسألون: "لماذا يحتمل أسقف الإسكندرية أو حتى يمتدح أولئك الذين يقولون بوجود طبيعتين؟". أما أولئك الذين يتبعون نسطوريوس فيقولون أنه يفكر نفس التفكير وبذلك يختطفون إلى جانبهم أولئك الذين لا يدركون دقائق الأمور. ولكن من الضروري أن أقول لأولئك الذين يتهمونني أنه لا يلزم الهروب من كل ما يقوله الهراطقة، ولا أن أتحاشاه. لأن (الهراطقة) يعترفون بكثير من الأمور التي نعترف بها نحن. فمثلاً حينما يقول الآريوسيون إن الآب هو خالق كل الأشياء وربها، فهل يتبع ذلك أن نتحاشى هذين الاعترافين؟ وهكذا أيضاً بالنسبة لنسطوريوس، فحتى إن قال إنه توجد طبيعتان مشيراً إلى الاختلاف بين الجسد وكلمة الله، لأن الكلمة له طبيعته، وجسده له طبيعة أخرى مغايرة، ولكن نسطوريوس لا يعترف معنا بالإتحاد.
2- لأننا حينما نوحدهما نعترف بمسيح واحد وهو نفسه رب واحد. وإذن فنحن نعترف بأن "طبيعة الابن المتجسدة واحدة[121]."[122] ومن الممكن أن يقال مثل هذا الكلام عن الإنسان بوجه عام، لأنه من طبيعتين مختلفتين أي من الجسد والنفس. والفكر والتأمل يدركان هذا الاختلاف، ولكن حينما تتحد الطبيعتان فإننا نحصل على طبيعة واحدة للإنسان، ومن ثم ندرك أن اختلاف الطبيعتين لا يقسم المسيح الواحد إلى اثنين[123]. ولكن بما أن جميع الأساقفة الذين من الشرق يظنون أننا نحن الأرثوذكس نتبع آراء أبوليناريوس وأننا نرى أنه قد حدث امتزاج أو اختلاط (لأن هذه هي الكلمات التي استعملوها)، أي كما لو أن كلمة الله قد تغير إلى طبيعة الجسد، وجسده قد تحول إلى طبيعة اللاهوت ونحن قد صفحنا عنهم دون أن نقسم المسيح الواحد إلى اثنين، حاشا. ولكننا نعترف فقط أنه يحدث امتزاج ولا اختلاط، بل إن الجسد كان جسداً لأنه مأخوذ من امرأة، والكلمة هو الكلمة لأنه مولود من الآب. ومع ذلك فالمسيح والابن والرب هو واحد حسب قول يوحنا:"والكلمة صار جسداً " (يو1 : 41).
ونحن نعدهم ونلفت نظرهم ليقرأوا رسالة بابانا المغبوط أثناسيوس.[124]
4- فقد كان في عصره أناس محبون للنزاع يقولون أن الله الكلمة شكّل لنفسه جسداً من طبيعته الخاصة. وعلى العكس تماماً فقد أصر أثناسيوس أن جسد الكلمة ليس من الجوهر الذي للكلمة. فإن كان ليس من نفس الجوهر، إذن فهناك طبيعة ما كما أنت هناك بالتأكيد طبيعة أخرى مغايرة، ومن كليهما معاً يعرف المسيح الواحد والوحيد. ويلزم لأولئك ألا يكونوا جاهلين بهذا الأمر، لأنه حيث يكون هناك ذكر للإتحاد، فهو لا يعني أن الاجتماع يحدث من شيء واحد بل من اثنين أو أكثر يختلفان عن بعضهما من جهة الطبيعة. إذن، فإن تكلمنا عن إتحاد فنحن نعترف بإتحاد الجسد ذي النفس العاقلة، مع الكلمة، وأولئك الذين يقولون بطبيعتين يفكرون هكذا أيضاً.
5- ولكن بمجرد أن نعترف بالإتحاد، فإن تلك الأشياء التي اتحدت لا تعود تنفصل عن بعضها بل يوجد حينئذ ابن واحد وطبيعته واحدة باعتبار أن الكلمة صار جسداً. والأساقفة الذين من الشرق قد اعترفوا بهذه التعاليم[125] رغم أنهم غامضون نوعاً ما من جهة التعبير، لأنه حيث أنهم يعترفون أن الكلمة الوحيد الجنس المولود من الله الآب هو نفسه ولد من امرأة حسب الجسد، وأن العذراء القديسة هي والدة الإله، وأن شخصه واحد، وأنه لا يوجد ابنان أو مسيحان بل واحد، فكيف يتفقون مع آراء نسطوريوس.
6- لأن نسطوريوس في تفسيراته يدعي أنه يقول بابن واحد ورب واحد ولكنه ينسب النبوة والربوبية لكلمة الله وحده، ولكنه عندما يأتي إلى الحديث عن التدبير، فإنه مرة أخرى يقول أن الإنسان المولود من المرأة هو رب آخر على حده متصل بالأول بمساواة الكرامة. ولكن كيف يمكن القول أن الله الكلمة بهذه الطريقة يُسمّى مسيحاً لأن له اتصال مع المسيح[126]، دون أن يذكر صراحة أن هناك مسيحين، إن كان مسيح له اتصال مع مسيح آخر كواحد مع آخر؟ ولكن الأساقفة الذين من الشرق لم يقولوا مثل هذا القول بل هم يقسمون الأقوال [127].
7- وهم يقسمون الأقوال بهذه الكيفية، فبعضها لائق بألوهيته، وبعضها الآخر لائق بناسوته، وأقوال أخرى لها وضع مشترك لكونها تليق بلاهوته وناسوته معاً. ومع ذلك فهي أقوال قيلت عن واحد وهو هو نفسه، وليس كما ينسب نسطوريوس بعضها لله الكلمة على حده وبعضها الآخر لذلك المولود من امرأة، كابن آخر. لأن معرفة الاختلاف بين الأقوال شيء، وشيء آخر أن نُقّسِم الأقوال بين شخصين بعضها لواحد وبعضها الآخر لشخص آخر غيره.
8- ولكن الرسالة إلى أكاكيوس، وخاصة تلك التي بدايتها "مخاطبتنا بعضنا لبعض هي أمر حلو للإخوة ويستحق الإعجاب [128]"، وهي تحوي دفاعاً حسناً عن كل هذه الأمور[129]، وأنت تحتفظ برسائل كثيرة في خزانتك، ينبغي أن تعطيها بحماس، وتحضر أيضاً إلى المقدم [130] المعظم جداً الكتابين المرسلين مني، الأول منهما بعنوان ضد تجديفات نسطوريوس، والثاني يحوي الأعمال المجمعية ضد نسطوريوس ومشايعيه، والردود التي كتبتها أنا ضد من كتب ضد الفصول [131]، وهذان هما الأسقفان أندراوس وثيئودوريتوس[132]. ونفس الكتاب يحوي في نهايته عروضاً مختصرة حول التدبير الخاص بالمسيح وهي حسنة جداً وكثيرة النفع. وعليك أن تقدم له بالمثل، الرسائل الخمس المكتوبة على الجلود: الأولى منها من المغبوط البابا أثناسيوس إلى أبكتيتوس، والثانية الرسالة المرسلة منا إلى يوحنا [133]، ورسالتان إلى نسطوريوس واحد قصيرة [134] والأخرى طويلة [135]، وأخيراً الرسالة إلى أكاكيوس [136]، لأنه طلب هذه الرسائل منا.
حقيقة يؤسفني أن يقول هؤلاء، الذين يجب أن يكونوا مثل وقدوة وقديسون، أنصاف الحقائق. والكتاب المقدس يعلمنا أن قول نصف الحقيقة هو أسلوب الشيطان. لأنه يكون كذبٌ خدّاع، يجعل السامع الساذج يُصدق ما يُقال عن النصف لأن النصف الأول كان صحيح. ولننتقل إلى الرسالة التالية، وهي:
------------
الحواشي:
------------
[121] نحن لا نعرض هذه الرسائل لشرح لاهوت القديس كيرلس الكبير، وإنما لتبيان أسلوب أنصاف الحقائق الذي تم ابتاعه لنفي أن القديس كيرلس تبنى التعليم الأنطاكي في نص المصالحة. وسوف نفرد مقالة لدراسة ألفاظ كيرلس الكبير، ثم سنضع بعض أقواله الخريستولوجية من ناحية أخرى. ولكن نود أن نطلب من القارئ أن يتأمل في هذه العبارة بهذه الصيغة التي تنفي أي إمكانية لنسب هذا الإيمان للقديس كيرلس الكبير. لنقوم بالفصل على الشكل التالي: طبيعة الابن المتجسدة هي واحدة. ولنجاوب على هذا السؤال: هل الطبيعة الإلهية هي التي تجسدت؟ أم الأقنوم هو الذي تجسد؟ وبالتالي دعونا نتأمل الجملة على الشكل التالي: أقنوم الكلمة المتجسد هو واحد.
[122] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: العبارة باليونانية هي:Mian Tyn TOU UIOU Phusiv Sesakwmenyn وفي بعض المخطوطات وردت "طبيعة الله بدلاً من طبيعة الإبن".
[123] تتحد الطبيعتين، فنحصل على طبيعة واحدة، فندرك أن اختلاف الطبيعتين لا يقسم المسيح الواحد... هذا تعليم واضح أن القديس كيرلس يقصد طبيعتين وأقنوم واحد.
[124] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: هي رسالة القديس أثناسيوس إلى أبكتيوس أسقف كورنثوس، وقد ترجمها من اليونانية إلى العربية المرحوم صموئيل كامل والدكتور نصحي عبد الشهيد ونشرها بيت التكريس لخدمة الكرازة سنة1981.
[125] نفس الأمر الذي تكلمنا عنه. لأن الأنطاكيين –أساقفة الشرق- قالوا أن المسيح أقنوم واحد. ولم يأتوا بل رفضوا القول بطبيعة واحدة.
[126] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يقصد بالمسيح هنا ذلك المولد من إمرأة.
[127] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: الأقوال التي في الأناجيل والرسائل سواء التي قالها المسيح أو التي قيلت عنه، يفسرون بعضها عن اللاهوت الكلمة والبعض الآخر عن ناسوته.
[128] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: رسالة 40.
[129] القديس كيرلس، لم يكفتِ بما عرضه هنا من دفاع عن نص المصالحة وإيمان الأنطاكيين. بل طب إلى الكاهن إفلوجيوس أن يعود إلى الرسالة المرسلة إلى الأسقف أكاكيوس، والتي قرأناها سابقاً.
[130] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: المقدم "Preapositio" رتبة عسكرية عالية.
[131] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: المقصود هو فصول كتابه ضد تعاليم نسطور.
[132] قد قرأنا عنهما سابقاً، وثيودوريتوس وقع كل أعمال مجمع أفسس عدا حرمان نسطوريوس، أما الثاني فكان قائد المعارضة ضد كيرلس.
[133] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 39.
[134] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 2أو4.
[135] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 17.
[136] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 40.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات