وهكذا نصل إلى نهاية الحقبة التي تلت المجمع المسكوني الثالث، وحتى بداية المجمع القسطنطيني المكاني 448.
ولكن لنضع بعضاً من تعاليم كيرلس الخريستولوجية، في لاهوته الكنسي:
خريستولوجية كيرلس الكبير من خلال لاهوت الكنيسة والافخارسيتا
1) الكنيسة تُدعى جسد المسيح، ونحن أعضاء هذا الجسد.[182]
2) ... فابن الله الوحيد الذي أظهر لعيوننا نفس جوهر الآب والذي يحوي في طبيعته الآب بأكمله.
صار جسداً بحسب قول الكتاب
وهكذا احتوى طبيعتنا،

بواسطة اتحاده بجسم من هذه الأرض اتحاداً لا يمكن وصفه ولا التعبير عنه.
وهكذا قد صار هذا الإله الحق بكل حقيقة إنساناً (كاملاً)، سماوياً وليس مجرد إنسان حامل لله كما يقول البعض الذين لا يفهمون بالتدقيق عمق هذا السر.
فقد كان هو نفسه في شخصه الواحد إلهاً وإنساناً. وبهذه الوسيلة كان يوحد في ذاته طبيعتين متباعدتين جداً الواحدة عن الأخرى وكان يُصيِّر الإنسان شريكاً للطبيعة الإلهية،
فقد انحدرت شركة الروح القدس بالفعل إلينا،
وبالروح أيضاً سكن فينا،
وقد بدأت هذه السُكنى في المسيح وتحققت فيه أولاً بصفته البكر (بكر البشرية الجديدة).
لأنه لما صار مشابهاً لنا، أي لما صار إنساناً، فقد مُسح وقُدِّس (في الجسد من أجلنا)، مع أنه من جهة طبيعته الإلهية -حيث أنه في الآب- فهو نفسه الذي يُقدِّس بروحه الخاص هيكل جسده.
(وليس ذلك فقط)، بل والكون كله المخلوق منه، على قدر ما أن كل شيء ينبغي أن يتقدس به.
فالسر الذي حدث في المسيح هو بداية ووسيلة اشتراكنا في الروح واتحادنا بالله.[183]
3) وإذا كنا جميعنا شركاء في جسد واحد بعضنا مع البعض في المسيح وليس فقط بعضنا مع البعض، بل وأيضاً شركاء في جسد واحد مع ذاك الذي يأتي إلينا بجسده، فكيف لا نكون جميعنا واحداً بعضنا ببعض وفي المسيح؟ فالمسيح في الواقع هو رباط الوحدة، لأنه هو هو إله وإنسان واحد[184].
4) أما إن قيل أنه ليس لنا معه أي ارتباط بحسب الجسد، فإننا سنبين أن هذا يتعارض مع الكتاب المقدس... فليقولوا لنا حينئذ ماذا يكون سبب وجود "الأولوجية السرية" (أي الإفخارستيا) وماذا تكون قوتها؟ ولماذا تأتي إلينا؟ أليس لكي تُدخل إلينا المسيح جسدياً بالشركة في جسده والتناول منه؟... فإننا نصير شركاء في الجسد معه بواسطة تناولنا من "الأولوجية السرية" -الافخارستيا- ونصير معه جسداً واحداً كما صار الرسل القديسون.
ألم يقل المسيح إن أعضاءهم أو بالحري أعضاءنا جميعاً هي أعضاؤه؟ فإنه مكتوب بالفعل: "ألستم تعلمون أن أعضاءكم هي أعضاء المسيح" (1 كو 6: 15). والمخلص يقول: "مَن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه" (يو 6: 56). ويجب أن نلاحظ جيداً أن المسيح لا يتكلم عن حلوله فينا بمجرد رباط عاطفي، بل بمشاركة طبيعية.
فكما أنه إذا عجن أحد قطعتين من الشمع معاً وجعلهما تنصهران في النار فإنهما تصيران واحداً، هكذا بقبول جسد المسيح ودمه الكريم، يكون هو فينا ونحن متحدين فيه.
فالذي ولد قابلاً للفساد، لم يكن ممكناً إحياؤه بطريقة أخرى إلا بمزجه جسدياً بجسد الحياة نفسها أي بالابن الوحيد. وإذا كنت لا تريد أن تقتنع بكلامي، آمن على الأقل بالمسيح الذي يصرخ قائلاً: "من يأكلني فله حياة أبدية..." (يو 6: 54 و55). إن الحياة الأبدية هي في الواقع جسد الحياة أي جسد الابن الوحيد.[185]
5) لقد صرنا متحدين في الجسد بواسطة "الأولوجية السرية" (أي الافخارستيا)، ولكننا صرنا أيضاً بوسيلة أخرى متحدين بعضنا ببعض، لأننا صرنا شركا الطبيعة الإلهية بواسطة الروح، فهو يسكن نفوس القديسين.... الإنسان الأول اتحد بالمرأة في جسد واحد وبذلك هلك، وأما المسيح فقد وحّد الكنيسة بنفسه بواسطة الروح وبذلك حررها وخلصها ورفعها فوق مكيدة الشيطان.[186]
6) هو الرأس ونحن جسده وأعضاؤه
. وهو الكرمة ونحن قد طُعمنا فيه مثل الأغصان، واتحدنا معاً في الوحدة بحسب الروح بالقداسة.[187]
7) لما أراد ابن الله الوحيد أن يُدخلنا في الوحدة مع الله وبعضنا مع البعض ويُصيّرنا ممتزجين بعضنا ببعض، على الرغم من كوننا مختلفين ومفترقين بالأجساد والأرواح بسبب الكيان الذاتي لكل واحد منّا، ابتكر لذلك وسيلة هي ثمرة حكمته ومشورة الآب. فقد بارك المؤمنين به بواسطة التناول السري من جسد واحد هو جسده الخاص، وجعلهم بذلك جسداً واحداً معه بالكمال وبعضهم مع البعض. فمن ذا يستطيع أن يفرِّق ويفصل من هذا الاتحاد الطبيعي أولئك الذين اتحدوا بوحدة المسيح بواسطة هذا الجسد المقدس الوحيد؟ فالمسيح لا يمكن أن ينقسم. ولهذا السبب تدعى الكنيسة جسد المسيح ونحن أعضاؤه بحسب فكر القديس بولس (1 كو 12: 27). وحيث أننا جميعاً متحدون بالمسيح الواحد بواسطة جسده المقدس، إذ نتناوله في أجسادنا وهو واحد وغير منقسم، فنحن بذلك نكون أعضاء المسيح ونكون له أكثر مما لأنفسنا.[188]
8) فلأن جسد المخلص قد صار مُحيياً بسبب اتحاده بطبع الحياة عينها، أي بكلمة الله، فنحن جينما نأكله نقبل الحياة في أنفسنا، لأننا نكون متحدين بهذا الجسد كما هو متحد بالكلمة الحال فيه.[189]
9) نحن جميعاً بحسب الطبيعة منحصرون في شخصياتنا، ولكن من جهة أخرى نحن جميعاً متحدون. فعلى الرغم من كوننا منقسمين إلى شخصيات متميزة بعضها عن بعض بحيث أن أحدنا يكون بطرس والآخر يوحنا أو توما أو متى، لكننا جميعاً ننصهر في جسد واحد في المسيح إذ نأكل جسداً واحداً. والروح الواحد يشكل وحدتنا.
وكما أن المسيح واحد وغير قابل للانقسام، هكذا نحن أيضاً نكون واحداً فيه.
ولذلك طلب من أبيه السماوي قائلاً "ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد"[190].

فهل بعد ما سبق كله، نستطيع أن نقول بالطبيعة الواحدة؟ كأننا نقول نحن والطبيعة الإلهية أصبحنا طبيعة واحدة.

------------
الحواشي
-----------
[182] تفسير إنجيل يوحنا 17: 20-21 - الكتاب 11:11 = P.G 74,557
[183] تفسير إنجيل يوحنا 17: 20 و21 = P.G 74,557-560
[184] P.G 74: 560
[185] تفسير إنجيل يوحنا 10: 2
[186] جلافير على سفر التكوين 5: 4و5 = P.G. 69,246,249
[187] جلافير على التكوين 6: 3 = P.G. 69,296
[188] تفسير إنجيل يوحنا 17: 20 و21 كتاب 11: 11 = P.G. 74, 557sq.
[189] تفسير إنجيل يوحنا 6: 54 = P.G. 73, 577
راجع أيضاً تفسير إنجيل يوحنا = P.G. 73, 601, 604, 522, 581, 964
ضد نسطور 4 = P.G. 76. 192
عن الإيمان القويم إلى ثيودوسيوس 37 = P.G. 76. 1188
الدفاع ضد الشرقيين = P.G. 76, 373, 376
تفسير إنجيل لوقا 4 = P.G. 72, 522
مقالة "لأن المسيح واحد" = P.G. 75. 1269
[190] في الثالوث = P.G.75, 695-697
راجع أيضاً تفسير إنجيل يوحنا 17: 11 و20 و21 = P.G. 74, 516F - 517A, 560