أنظر ماذا يقول الميتروبوليت إريثيوس فلاخوس:

أقتباس أقوال لاهوتي أرثوذكسي من كتب، محاضرات ومقالات أرثوذكسية

قول لاهوتي أرثوذكسي: الميتروبوليت إيريثيوس فلاخوس، الخطيئة الجدية

الهدف من تجسد المسيح كان تدمير الموت والخطيئة وهزيمة الشيطان. فالمسيح اتخذ جسداً مائتاً وضعيفاً لكي يهزم الموت بصلبه وقيامته، وبهذا أعطى الإنسان أن يغلبه في حياته الشخصية بعد أن يتحد به. ويتحقق هذا الاتّحاد من خلال أسرار الكنيسة التي لا تحرر الإنسان مما يسمى الشعور النفسي بالذنب، ولا هي تستعطف الله عن خطية آدم، ولكنها تهزم الموت. فالإنسان يصبح عضواً في جسد المسيح القائم بالمعمودية، وفي تناوله جسد المسيح ودمه يأخذ دواء عدم الموت. فالنفس لا تتحد بالله وحدها، بل الجسد أيضاً يشعر بالتغيير الداخلي وبتحول النفس. ويظهر هذا بوضوح في رفات قديسي الكنيسة.
أمّا بقاء الموت بعد المعمودية والمناولة المقدسة فهي عميقة المعنى إذ، كما يشرح القديس مكسيموس المعترف، ما حدث في حيالة المسيح يحدث هنا أيضاً. ففي ولادة المسيح التي هي بلا خطيئة بقي فساد جسده لكي بآلامه المخلّصة يهزم الموت. وهكذا، تبقى طبيعة الشخص المعمد قابلة للهلاك بعد المعمودية ليس كعقاب لطبيعته الخاطئة بل كوسيلة لإدانة الخطيئة والقضاء عليها. بالمعمودية يصير الإنسان بإرادته قادراً على محاربة الخطيئة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهلاك وموت جسده. وعليه، خلاص الإنسان هو عملية إلهية وتعاون بشري.
كل ما سبق ذكره يرد بوضوح في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية "فإني أُسَر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطيئة الكائن في أعضائي. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت. أشكر الله بيسوع المسيح ربنا"(رو7: 22-25).
إنّ دراسة إطار هذا الكلام يقود إلى أن الرسول يشير إلى زمن الناموس أي عندما كان يحاول أن يتحرر نفسه من ناموس الخطيئة من خلال ناموس الله دون أن ينجح من دون قوة المسيح المتجسد. من هنا يظهر أنّ الخلاص ليس بطاعة الناموس بل بالاشتراك في قيامة المسيح في حياتنا الشخصية. من الواضح في النص أن الإنسان الباطني يخدم ناموس الله ويُسرّ به اي أنه يقتني الصلاة الداخلية والاستنارة النوسية ما يوصله إلى تذكر الله الدائم. ولكن بينما يُسَر الإنسان الباطني بناموس الله فإنه يشعر بناموس الخطيئة في أعضائه. فناموس الخطيئة هو الفساد والموت. من هنا أنّ الأمراض والضيقات وعملية الموت تمنح أهواء النفس على التعبير عن نفسها على عكس الطبيعة وتعطي الشيطان فرصة لشنّ الحرب على الإنسان. هذا ما يتحمّله القديسون. وعليه قول الرسول "ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت" يعبّر عن معاناة كل أناس العهد القديم الأبرار الذين وجدوا أنفسهم تحت سلطان الموت عاجزين عن التحرر بواسطة الناموس.
لكن كون التحرر أتى بتجسد المسيح وآلامه وقيامته، التي يختبرها الإنسان في جسد المسيح الكنيسة، ما يجعله محتاجاً إلى تقديم الشكر القلبي لله، يقول الرسول: "لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيئة والموت"(رو2:8). فالمسيح أنجز ما [...] عجز الناموس عن فعله بإدانته الخطيئة والموت في جسده (رو 3:8) وبالتالي صار الإنسان ودُعي "روحانياً".
ختاماً، الله لم يخلق الموت، أي أنّه لم يخلق الإنسان ككيان مائت. الموت دخل إلى الطبيعة البشرية بعد خطيئة آدم كي لا يبقى الشر خالداً وأبدياً. الموت يُوَرَث بسبب ضعف الطبيعة البشرية وليس كذنب الإنسان وكعقاب الله. وقد منح الله الإنسانَ بتجسد ابنه إمكانية القضاء على الموت، الروحي أولاً باتّحاد الإنسان بجسد المسيح القائم بواسطة الأسرار، ثم بالتحرر من الموت الجسدي أيضاً*.
----------------------------------------
* في هذه الدنيا قد يذوق بعض الأبرار عربون
شفاء الجسد، ولكن الشفاء التام سيتحقق بعد القيامة، حيث يلبس الفاسد عدم الفساد





راجع الموضوع: الخطيئة الجدية. إن أردت مصادر أخرى فأنصحك بقراءة مقالات أبونا توما (بيطار): البشرية المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء 1، 2، 3، 4، 5.